أجمعت 21 دول عربية وإسلامية (ليس ضمنها الإمارات العربية المتحدة) ومعها الاتحاد الإفريقي، على إدانة اعتراف إسرائيل بـ«جمهورية أرض الصومال»، فردَّت إسرائيل على الجميع بإرسال وزير خارجيتها في زيارة رسمية إلى هذه الجمهورية المزعومة، منتصف الأسبوع الجاري، استجابة لدعوة من رئيسها.
استغرب الجميع كيف تعترف إسرائيل بدولة لم تتجرأ دولة على الاعتراف بها بالرغم من 35 سنة على نشأتها، وليست عضواً في الأمم المتحدة وفي أيّ منظمة دولية.
الغضب في محله، لكن الاستغراب والمفاجأة ليسا في محلهما إطلاقا، ويدينان أصحابهما أكثر من إسرائيل.
لم تعترف إسرائيل بهذه «الجمهورية» المزعومة حبا فيها أو لمساعدتها على تحقيق تنمية اقتصادية وعلمية. بل فعلت لإيجاد موطئ قدم لها في القرن الإفريقي ومضيق باب المندب وخليج عدن، ولترحيل الفلسطينيين إذا ما سنحت فرصة ذلك. هي خطوة إسرائيلية جيواستراتيجية تختلف عن تطبيع العلاقات الذي حققته إسرائيل حتى الآن مع دول عربية وإسلامية.
إذا أردتم تفسيرا يختزل الكثير من التحليل والوقت لهذا «التنازل» الإسرائيلي، فهو السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023. إسرائيل بعد ذلك اليوم والحرب الوحشية التي تلته غير إسرائيل قبله. العقيدة الإسرائيلية بعد ذلك التاريخ وقائية تقوم على ملاحقة الأخطار في عقر دارها، حتى لو كانت في مرحلة النطفة.
الحوثيون خطر تجاوز مرحلة النطفة. وإيران كذلك. لهذا قررت إسرائيل أن تذهب إلى الجميع ولا تنتظر أن يأتوا هم إليها كما انتظرت في الماضي. وقررت أن تكون لها يد مباشرة في حركة الملاحة في هذه المنطقة الحيوية. فكانت خاصرة الصومال هي المدخل.
بالنسبة لإسرائيل، الاعتراف يتطلب كلفة متواضعة لكن الفوائد كبرى واستراتيجية حاسمة وفورية. لقد أوجدت لنفسها مساحة تحرك لم تكن تحلم بها: حضور على امتداد 850 كلم مطلة على مياه خليج عدن ومضيق باب المندب (تمر عبره 12٪ من التجارة العالمية). اليمن والحوثيون على مرمى حجر (نحو 300 كلم من دون عوائق) وإيران على بُعد انعطافة سريعة من حول اليمن وسلطنة عُمان. مَن يدرك هوس بنيامين
نتنياهو بإيران وتعطشه لتدمير أصغر قطعة سلاح لديها، يدرك أيضا أن كسب «جمهورية أرض الصومال» في صفه انتصار لا يُقدّر بثمن.
بالنسبة لـ«جمهورية أرض الصومال»، الكلفة كبيرة لكن النتائج مؤجلة وغير مضمونة. على رأس الفاتورة غضب الحوثيين المحتمل وخطورته. طموح «الجمهورية» أن تساعدها إسرائيل في نيل اعترافات أخرى، خصوصا اعتراف الولايات المتحدة. لكن هذا الأمر يبدو بعيد المنال لأسباب عدّة، أبرزها أن إسرائيل ذاتها تعيش عزلة دبلوماسية دولية في أعقاب الحرب على غزة. ومنها أيضا أن إسرائيل لا تبدو متحمسة لاستثمار جهدها ومواردها في الحصول على اعترافات دولية لدولة لم يفكر أحد في الاعتراف بها منذ نشأتها.
هي إذاً لعبة توازنات إقليمية لها علاقة وثيقة بخارطة الشرق الأوسط التي يجري الإعداد لها، والتي تشارك إسرائيل في صياغتها من موقف قوة.
عيب
الدول العربية والإسلامية والإفريقية التي احتجت على الاعتراف الإسرائيلي أنها لا تملك قوة التأثير فيه أو تعطيله، لأنها مغيّبة قبلاً عن لعبة تشكيل الخارطة الجديدة. وحتى لو أرادت فلن تستطيع لو تصرفت منفردة، وستختلف بسرعة لو تحركت مجتمعة.
هذا يسمى دبلوماسية رد الفعل المتأخر. دبلوماسية الكسيح الفاقد للرؤية والعاجز عن قراءة المستقبل.
كيف غاب كل هذا عن هذه الدول ولم تستحِ من إبداء استغرابها من اعتراف إسرائيل بـ«جمهورية أرض الصومال»؟ الجواب يكمن في الفرق الشاسع بين مقاربتين.. واحدة واقعية، عميقة وصارمة، وأخرى سطحية، كسيحة ومنقطعة عن الواقع. الأولى هي المقاربة الإسرائيلية التي استوعبت صدمة السابع من أكتوبر وتعمل للمستقبل وفقها، والثانية هي مقاربة الآخرين الذين لم يستوعبوا استثنائية ذلك اليوم ويعتقدون أن ما حدث فيه وبعده لا يستحق التأمل. مشكلة المعسكر المقابل لإسرائيل، خصوصا العرب، أنه عبارة عن صنفين دبلوماسيين..
صنف أصابه التكلس والعجز، وصنف له اهتمامات أخرى أفقدته الرؤية الثاقبة عندما يتعلق الأمر بالاستشراف الاستراتيجي. الصنف الأول منسحب للوراء كأن ما يجري من حوله وفي المنطقة لا يعنيه (دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط) وصنف نهم مهووس بالمشاريع الاقتصادية والصفقات التجارية من دون عكازها السياسي والاستراتيجي (دول الخليج العربية). الصنفان يريدان إسرائيل أن تكون مثلهما.
لا شيء غير العمى الدبلوماسي يجعل فضاء كاملا من الدول (العربية) يتجاهل «دولة» بحجم «جمهورية أرض الصومال» بثرواتها وسواحلها وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، وما يشكله وجودها من أهمية وخطر على أمن المنطقة، ولا يكتشفها إلا بعد أن تقفز إليها إسرائيل.
أكرر أنه لا توجد أيّ مفاجأة أو استغراب في اعتراف إسرائيل بـ«جمهورية أرض الصومال». الغريب أن يستغرب العرب والأفارقة هذا الاعتراف. ففي الصيف الماضي قام رئيس هذه «الجمهورية»، عبد الرحمن محمد عبد الله، بزيارة نصف سرّية إلى إسرائيل والتقى رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو ووزيري الخارجية والدفاع ورئيس جهاز الموساد (ومَن كان سيلتقي غير هؤلاء!).
في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» البريطانية الأسبوع قبل الماضي، قال عبد الله بثقة إن بداية الاعتراف ببلاده قادمة، والسؤال هو متى ستحدث وليس هل، ومَن سيكون أول المعترفين.
كان الرجل قد ضمن وعدا من إسرائيل بالاعتراف ببلاده، وكلامه رسائل للآخرين كي لا يلومه أحد بعد أن يتحوّل الوعد إلى قرار رسمي يتداوله العالم.
أين كانت السفارات العربية وملحقاتها العسكرية والاستخباراتية في إسرائيل وفي المنطقة؟ أستبعد أن خبر الزيارة فاتهم، لكن أرجّح أن مشكلتهم في أخذ الأمور بسطحية وانتظار ما سيحدث ثم التصرف. هذا يسمى دبلوماسية رد الفعل المتأخر. دبلوماسية الكسيح الفاقد للرؤية والعاجز عن قراءة المستقبل.
القدس العربي