نشر موقع "
بلومبيرغ" الأمريكي تقريراً كشف فيه رفض جاريد
كوشنر، صهر ترامب، تسليم وثائق تثبت تواصله مع مسؤولي دول خليجية و"إسرائيل" للكونغرس، بينما يعيد حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط تقييم استثماراتهم بعد إدراكهم عدم جدواها في كسب النفوذ السياسي.
وقال الموقع، في تقرير ترجمته "عربي21"، إنه منذ أن شنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حربًا على
إيران، انخرط كوشنر في حملة تجمع بين الدبلوماسية الرسمية وصنع الثروات الخاصة في
الخليج العربي بشكل غير مسبوق في التاريخ الأمريكي الحديث.
وذكر أنه "بين محاولات التوسط من أجل السلام، شارك كوشنر في اجتماعات استثمارية في شركته الخاصة للاستثمار في الأسهم "أفينيتي بارتنرز"، التي تدير مليارات الدولارات لصالح قطر والسعودية والإمارات"، وذلك وفقًا لشخص مطلع على الأمر.
هذه الدول الخليجية الثلاث الغنية بالنفط ليست مجرد حلفاء قديمين لواشنطن، بل عملاء رئيسيين للشركة، حيث وافقت على دفع عشرات الملايين من الدولارات سنوياً في شكل رسوم لشركته أملاً في كسب النفوذ داخل البيت الأبيض إلى جانب تحقيق عوائد استثمارية، غير أن قرار ترامب بالمضي قدماً في الحرب ضد إيران، التي عارضتها الدول الثلاث، كشف عن حدود هذا النهج ومدى قصوره.
ووفقاً لمقابلات مع أكثر من 12 شخصاً مطلعاً، شعر بعض المسؤولين الحكوميين والمتخصصين في صناديق الثروة السيادية – لا سيما في الرياض والدوحة – بخيبة أمل تجاه كوشنر بالنظر إلى حجم استثماراتهم الضخمة في شركته.
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف الموقع أن كوشنر ظل قريباً من شركة "أفينيتي" التي تدير ستة مليارات دولار، رغم تسليمه الإدارة اليومية مؤقتاً. وخلال مفاوضاته مع طهران، أبطأت الشركة وتيرة سعيها وراء الاستثمارات المربحة، لكنها لم تتوقف، حيث يظل هدفها قائماً في العثور على فرص مجزية بقطاعي التكنولوجيا والتمويل في أمريكا وإسرائيل بأموال خليجية، لافتاً إلى أن أصول الشركة قفزت بنحو 30 بالمئة العام الماضي مستفيدة من عوائد استثماراتها.
وأوضح كوشنر، علناً وسراً، عدم نيته الإفصاح عن المزيد من تفاصيل شؤونه المالية بحجة أنه يعمل متطوعاً دون منصب رسمي في الإدارة. ونقل عن مستشار البيت الأبيض، ديف ويرينغتون، قوله: "إن جاريد يتصرف بصفته مواطناً عادياً، وبالتالي لا يخضع لمتطلبات الإفصاح"، وهو ما اعتبره منتقدوه تحايلاً على روح قوانين تضارب المصالح إن لم يكن على نصّها.
وأشار الموقع إلى أن الحرب، التي دخلت شهرها الثالث، وصلت إلى حالة من الجمود مع استمرار الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز أمام حركة الملاحة. وأعلن ترامب أن وقف إطلاق النار مع إيران يلفظ أنفاسه الأخيرة، مهدداً باستئناف الضربات ما لم تتراجع طهران عن اعتراضاتها، مما يضع كوشنر وستيف ويتكوف، مفاوضي ترامب ذوي الخلفية التجارية في ملفات غزة وأوكرانيا وإيران، أمام مهام دبلوماسية معقدة.
وقد أثارت طريقة إدارة ترامب للحرب، ودور كوشنر المباشر فيها، استياءً متزايداً لدى المسؤولين في الرياض والدوحة، إذ كانوا يأملون أن يمنحهم الاستثمار في شركة "أفينيتي" نفوذاً أكبر في سياسات واشنطن بالشرق الأوسط، لكن عدم تحقق هذه التوقعات دفعهم لإعادة تقييم تحالفات ممتدة لعقود. ومع أن هذا الاستياء لم يصل إلى حد القطيعة التامة، لاسيما مع استمرار النزاع، أكد مسؤولو الحكومات وصناديق الثروة السيادية أن حرب إيران كشفت بوضوح عن حدود الشراكة التجارية التي أنفق أمراء الخليج مليارات الدولارات لتعزيزها.
وأوضح الموقع أن كوشنر لا يزال على تواصل وثيق مع أمراء الخليج، حيث يحيطهم بآخر المستجدات الدبلوماسية والتجارية عبر المكالمات ورسائل "واتساب" و"سيغنال" المتكررة، في وقت يرى فيه منتقدوه أن مصالحه المالية الحالية والمستقبلية تلقي بظلالها على عمله الدبلوماسي، مما يخلق خلفية مشحونة بينما يحاول ترامب إنهاء أكبر أزمة سياسة خارجية خلال فترة رئاسته. ويرى خبراء أن شركة "أفينيتي" تمثل نموذجا صارخاً لكيفية دمج الدائرة المقربة من ترامب بين السياسة العامة والربح الخاص، مما يعقد إدارة شؤون الدولة.
وكان كوشنر قد أكد للمقربين منه أنه قادر على الفصل بين أدواره السياسية والتجارية، معتبراً الخلافات مع داعميه الخليجيين دليلاً على أنه لا ينفذ أجنداتهم. وفي الأوساط الخاصة، أظهر ثقة تامة في قدرته على إدارة تضارب المصالح دون الحاجة للإفصاح عن مصالحه المتعددة.
وذكر الموقع أن أصدقاء كوشنر يصفون خبرته الاستثمارية المحدودة نسبياً بأنها ميزة غير تقليدية تمنحه رؤية مختلفة، إلا أن جون دينكلمان، رئيس الرابطة الأمريكية للسلك الدبلوماسي، أكد أن وزارة الخارجية تمنع بصرامة أي تضارب مصالح محتمل حتى بين صغار الموظفين، معتبراً أن أدوار كوشنر المزدوجة تضعه في مرتبة استثنائية ومثيرة للتساؤل حول مدى جواز تعيين شخص لإدارة ملفات دول يمتلك فيها أصولاً أو استثمارات ضخمة.
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح الموقع أن شركة "أفينيتي"، التي تأسست عام 2021، جمعت معظم أصولها من صناديق الثروة والشركات الاستثمارية الخليجية، وهو ما قد يدر عليها نحو 60 مليون دولار سنوياً كرسوم إدارة وفقاً للأعراف التجارية. واستثمرت الشركة نحو 80 بالمئة من الأموال التي جمعتها، حيث شاركت في آذار/ مارس الماضي - بعد أسابيع من اندلاع الحرب - في جولة تمويلية بقيمة 575 مليون دولار لصالح شركة "ووب" المصنعة للأجهزة الطبية القابلة للارتداء.
وفي ذلك الشهر، اعتلى كوشنر منصة مؤتمر في ميامي يموله صندوق الثروة السيادي السعودي، والذي بدأ بدوره تقليص بعض استثماراته البارزة، بما في ذلك دوري "ليف غولف" الذي حظي بإشادة ترامب. ويمثل هذا التراجع الاستثماري تحولاً كبيراً يعكس الضغوط الاقتصادية الناجمة عن حرب إيران. وقال كوشنر للجمهور آنذاك: "السلام لا يختلف كثيراً عن التجارة، فكلاهما أشبه بالألغاز".
لكن هذه الألغاز أصبحت أكثر تعقيداً بالنسبة لكوشنر وشركته. فبعد أن عينه ترامب العام الماضي للمساعدة في ملفي أوكرانيا وغزة، سلم كوشنر إدارة الشركة مؤقتاً لنائبيه، لويس فيديغاراي، وزير مالية المكسيك السابق، وأسعد نقفي، المصرفي السابق في مجموعة "لازارد"، بمساعدة من لورين كي، المديرة المالية للشركة، حيث يتولى هذا الفريق الاجتماع بالشركات والمستثمرين بصفة دورية.
أفينيتي بارتنرز إنفستمنتس
تستثمر شركة "أفينيتي بارتنرز" في مجالات متنوعة تشمل التكنولوجيا، وتأجير السيارات، واللياقة البدنية. وفي وقت يقود فيه كوشنر جهوداً موازية للتوفيق بين مهامه الدبلوماسية ومتطلبات حلفاء واشنطن الذين باتوا عملاء لشركته، يعتمد بشكل كبير على علاقاته الشخصية التي أقامها خلال إدارة ترامب الأولى مع عائلة آل سعود في السعودية، وآل نهيان في أبوظبي، وآل ثاني في قطر. وكانت الشركة تجري مفاوضات لجذب المزيد من الأموال من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، لكنها تراجعت عن هذا المسار مع استمرار كوشنر في منصبه كمبعوث رسمي.
وأضاف الموقع أن القطريين، على وجه الخصوص، مارسوا ضغوطاً على إدارة ترامب لتجنب حرب شاملة مع إيران، إلا أن كوشنر ومستشاري ترامب الآخرين انحازوا في نهاية المطاف إلى إسرائيل، وهي إحدى الوجهات الاستثمارية المفضلة لشركة "أفينيتي"، بعد أن نجح رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو في الضغط على ترامب لشن الحملة العسكرية المشتركة ضد طهران.
مع ذلك، يرى قادة الخليج في كوشنر وسيطاً قوياً قد يسهم في إنهاء حرب لم يرغبوا أن يكونوا طرفا فيها. وقالت ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات في أبوظبي، إن كوشنر يُنظر إليه أيضاً باعتباره "شخصية تسيّر مصالحها التجارية معها في كل نقاش سياسي".
وأفاد الموقع بأن كوشنر قد قلل من شأن هذه التوترات في المحادثات الخاصة، وقد ترك عملاؤه الخليجيين الباب مفتوحاً لمزيد من التعاون التجاري المستقبلي مع شركته، بشرط أن تنتهي الحرب باتفاق سلام مقبول لديهم، لاسيما وأنه لا يوجد فصل حقيقي في المنطقة بين العائلات الحاكمة وصناديق الثروة السيادية الضخمة التابعة لدولهم.
اظهار أخبار متعلقة
بالنسبة للخليج، يمثل هذا الصراع تهديداً وجودياً، لأن المنطلة تحملت العبء الأكبر من الهجمات الانتقامية الإيرانية التي استهدفت البنية التحتية للطاقة، بالإضافة إلى مواجهة تهديدات جدية لمنشآت تحلية المياه التي تزودهم بمعظم إمدادات مياه الشرب. وحذر خبراء من أن استمرار ضرب هذه المرافق قد يؤدي إلى نقص حاد مما قد يجعل أجزاءً من المنطقة غير صالحة للسكن مؤقتاً. وقد أشار كوشنر إلى إمكانية تأجيل عودته الكاملة لشركته في حال توسع مهامه الدبلوماسية.
ومن جهتهم، طالب الديمقراطيون في الكونغرس كوشنر بتسليم سجلاته واتصالاته مع مسؤولين سعوديين وإماراتيين وقطريين وإسرائيليين. لكن لم يلتزم كوشنر بالموعد النهائي المحدد في 30 نيسان/ أبريل الماضي للامتثال لهذا الطلب، لكن بإمكانه طلب تمديد المهلة. كما اتخذ كوشنر موقفاً متحدياً، مدعياً بأنه امتثل تماماً لمتطلبات هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية وليس لديه أي نية لتجاوزها.
وأشار الموقع إلى أنه بعد مرور أكثر من عام على الولاية الثانية لإدارة ترامب، بات الحلفاء والعملاء في الشرق الأوسط يتوصلون إلى فهم جديد بشأن قنوات اتصالهم الرئيسية في
الولايات المتحدة. وفي هذا الشأن، تقول تشينزيا بيانكو، الزميلة الزائرة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: "إن دول الخليج تواجه حقيقة أن استثماراتها لم تمنحها النفوذ في قضية تمثل تهديداً وجودياً لها، وهو ما سيدفعها لإعادة النظر في استثماراتها وتعهداتها مستقبلاً".