سلط
تقرير لصحيفة "غازيتا" الروسية خلاله الضوء عن ملامح حرب محتملة بين
الصين والولايات المتحدة، وموازين القوى بين الطرفين، إضافة إلى العوامل التي قد تدفع هذا الصراع إلى مستوى خطير قد يصل إلى استخدام السلاح
النووي.
وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن الرئيس الصيني شي جين بينغ، حذّر خلال لقائه مع دونالد ترامب، من أن أي مقاربة غير سليمة لملف تايوان قد تؤدي إلى إشعال مواجهة بين بكين وواشنطن.
وتضيف الصحيفة أن تساؤلات عديدة تُطرح حول الشكل الذي قد تبدو عليه حرب محتملة بين القوتين على أرض الواقع، إذ لم يتطرق شي جين بينغ إلى تفاصيل أو سيناريوهات محددة لكيفية اندلاع مثل هذا الصدام، إلا أن الأوساط البحثية، داخل الصين وخارجها، تزخر بالتصورات والفرضيات حول احتمالات المواجهة العسكرية بين الطرفين.
ومن أبرز هذه السيناريوهات ما يُطرح باستمرار في الإعلام الأمريكي بشأن احتمال غزو صيني لتايوان، وهو ملف يحظى باهتمام واسع لدى كبار محللي البنتاغون ووسائل الإعلام الأمريكية، التي ترى أن بكين تضع منذ سنوات خططاً محتملة للسيطرة على الجزيرة، تتراوح بين فرض حصار جوي وبحري وصولاً إلى عملية عسكرية شاملة.
وبحسب الصحيفة تشير القراءة العسكرية البحتة إلى أن جيش التحرير الشعبي الصيني سيحتاج، لتحقيق هذا الهدف، إلى تنفيذ عملية إنزال جوي وبحري واسعة النطاق، تتضمن نقل قوات استراتيجية وعملياتية عبر الجو والبحر إلى أراضي العدو والسيطرة عليها.
وبشكل عام، يُنظر إلى هذه المهمة اليوم على أنها ضمن قدرات القوات المسلحة الصينية، إذ تمتلك الصين حالياً أكبر أسطول بحري في العالم، يزيد عدده الإجمالي على 350 سفينة وغواصة، من بينها أكثر من 130 سفينة سطحية من الفئات الرئيسية.
اظهار أخبار متعلقة
ويشير خبراء إلى أن وتيرة التصنيع البحري في الصين لا مثيل لها في زمن السلم، بل إن حجم الأسطول وتوسّعه السريع يجعل من الصعب حتى تحديد العدد الدقيق للسفن العاملة في الخدمة في أي لحظة.
وتنقل الصحيفة عن محللين في البنتاغون أن سعي بكين إلى إعادة توحيد تايوان بالقوة، إلى جانب طموحها لتقليص النفوذ الأمريكي في غرب المحيط الهادئ، دفعها إلى استثمار موارد هائلة من الوقت والمال في تطوير قدراتها البحرية ورفع كفاءتها القتالية.
ويُعتقد أن الأسطول الصيني لحاملات الطائرات، المزود بأنظمة متقدمة مثل المنجنيق الكهرومغناطيسي، قد يكون قادراً على توفير غطاء جوي للقوات البحرية المشاركة في أي عملية إنزال محتملة ضد تايوان، بل وربما مواجهة البحرية الأمريكية في سيناريو معركة حاملات طائرات ضد حاملات طائرات، وهو احتمال نظري قد يشهد أول مواجهة من هذا النوع منذ الحرب العالمية الثانية.
وأوردت الصحيفة أن الخصم المحتمل ليس ضعيفاً على الإطلاق؛ فإلى جانب القدرات العملياتية والقتالية للقوات الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تعدّ تايوان نفسها قوة عسكرية لا يُستهان بها. فقدرات البحرية التايوانية تُصنَّف ضمن مستوى بحريات دول مثل إيطاليا والهند وفرنسا، إذ تضم 22 فرقاطة، و4 مدمرات، و4 غواصات، و31 زورقاً صاروخياً، وغيرها من الأسلحة البحرية.
أما القوات الجوية للجزيرة فتضم أكثر من 300 مقاتلة، من بينها 56 طائرة حديثة من طراز "ميراج 2000" و120 مقاتلة من طراز "إف.16". وفي 14 آب/ أغسطس 2020، وقّعت تايوان اتفاقاً رسمياً مع
الولايات المتحدة لشراء 66 مقاتلة من طراز "جنرال دايناميكس إف 16 فايتينغ فالكون" الجديدة كلياً.
وتمتلك تايوان أيضًا صواريخ كروز قادرة على الوصول إلى مدن كبرى داخل البرّ الصيني، حيث يبلغ المدى المعلن للإصدار المطوّر من صاروخ "هسيونغ فنغ" نحو 1200 كيلومتر، وهو مدى كافٍ لاستهداف مدن ساحلية صينية، بل وحتى ضرب بعض الأهداف في عمق الأراضي الصينية في حال اندلاع نزاع عسكري.
بشكل عام تبدو القدرات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية للأطراف المحتملة في الصراع من هذا النوع هائلة إلى درجة تجعل المشهد أقرب إلى مواجهة بين قوى متقاربة في الوزن الاستراتيجي. وحتى في حال تفوق أحد الطرفين في بعض المجالات، فإن الطرف الآخر يمتلك دائماً أدوات ردع قادرة على موازنة الكفة وإعادة التوازن.
وعلى سبيل المثال، تتمتع الولايات المتحدة بتفوق واضح في مجال حاملات الطائرات والسفن الكبيرة ذات الإزاحة الضخمة، إلا أن الصين تتحرك بوتيرة متسارعة لسد هذه الفجوة، سواء عبر زيادة عدد السفن الكبيرة أو عبر تطوير قدرات صاروخية مضادة للسفن ذات مدى بعيد ودقة عالية، تجعل من اقتراب مجموعات حاملات الطائرات الأمريكية داخل نطاقها مهمة محفوفة بالمخاطر.
اظهار أخبار متعلقة
وفي هذا الإطار، وخلال العرض العسكري الذي أُقيم سنة 2025 بمناسبة الذكرى الثمانين لانتصار الشعب الصيني في حرب المقاومة ضد الغزو الياباني والحرب العالمية الثانية، كشفت بكين عن مجموعة متطورة من الصواريخ المضادة للسفن التي دخلت الخدمة حديثاً في صفوف جيش التحرير الشعبي، ومن أبرزها:
ـ"بينغ جيه15": صاروخ مضاد للسفن فوق صوتي مزود بمحرك نفاث انضغاطي، يجمع بين السرعة العالية والقدرة على المناورة.
ـ "بينغ جيه 17": صاروخ باليستي مضاد للسفن يحمل رأساً انزلاقياً فرط صوتي، مصمم لاختراق الدفاعات المعقدة.
ـ "بينغ جيه 19": صاروخ كروز فرط صوتي مضاد للسفن يعتمد على الدفع النفاث الانضغاطي ويتميز بقدرة هجومية متقدمة.
"بينغ جيه 20": صاروخ باليستي مضاد للسفن مزود برأس مناورة فرط صوتي قادر على تغيير مساره أثناء الطيران.
-"بينغ جيه 21": صاروخ فرط صوتي مضاد للسفن يمثل أحد أبرز تطورات الترسانة البحرية الحديثة.
وترى الصحيفة أنه وفق هذا التصور، ستتعرض أي تشكيلات تابعة للبحرية الأمريكية تقترب من السواحل الصينية، لوابل كثيف من هذه المنظومات الصاروخية، القادرة خلال فترة زمنية قصيرة على إلحاق خسائر جسيمة بالأسطول الأمريكي في مسرح المحيط الهادئ.
وبناءً على ذلك، فإذا اندلع صراع عسكري بين الولايات المتحدة والصين — سواء نتيجة تهور أو استفزاز من واشنطن، وهو ما يُطرح كأحد السيناريوهات المحتملة لاندلاع الحرب — فإن المواجهة ستكون واسعة النطاق إلى حدّ يصعب وصفه، من حيث حجم القوات والقدرات القتالية، بما يرقى إلى مستوى حرب عالمية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. كما لا يمكن استبعاد، في هذا السياق، احتمال الوصول إلى استخدام السلاح النووي.
ويُذكر أن الروح القتالية لجيش التحرير الشعبي الصيني معروفة لدى البنتاغون منذ الحرب الكورية (1950–1953)، وما زالت تُؤخذ بعين الاعتبار في مختلف التقديرات الاستراتيجية.
في المقابل، فإن جزيرة تايوان، التي تُعدّ حالياً منطقة مزدهرة ومتطورة، قد تتحول في حال اندلاع مواجهة عسكرية شاملة إلى ساحة دمار واسع وبنية متهدمة، وهو سيناريو يجعل خيار الحسم العسكري المباشر غير مفضل بالنسبة لبكين.
وفي ختام التقرير ترجح الصحيفة إمكانية اعتماد القيادة السياسية والعسكرية الصينية لسياسه تقوم على الحذر وضبط النفس، مع اتباع نهج تدريجي قائم على الصبر الاستراتيجي، بما قد يفضي في النهاية إلى إعادة دمج تايوان في إطار الصين الأم على غرار ما حدث في هونغ كونغ وماكاو.