نشر موقع "ميدل إيست آي" البريطاني
تقريرا عن تصاعد
الاستيطان في
الضفة الغربية والاعتداءات التي يمارسها المستوطنون هناك بهدف تهجير الفلسطينيين.
وذكر التقرير الذي أعده الصحفي بيتر أوبورن أن الرحلة القصيرة بين مدينتي رام الله ونابلس شمال الضفة الغربية المحتلة تحولت إلى معاناة يومية للفلسطينيين، في ظل تشديد الحواجز العسكرية الإسرائيلية وتصاعد اعتداءات المستوطنين على الطرق والقرى الفلسطينية.
ونقل التقرير عن فلسطينيين قولهم، إن المستوطنين “باتوا يسيطرون فعلياً على الضفة الغربية”، مضيفاً أن الاعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم أصبحت أمراً شبه يومي، خصوصاً في القرى القريبة من المستوطنات المتطرفة مثل شيلو ويتسهار وإفياتار.
وفيما يلي نص التقريٍر:
رحلة الخمسين كيلومتراً من رام الله إلى
نابلس في شمال الضفة الغربية المحتلة كانت تستغرق ساعة من الزمن. إلا أن نقاط
التفتيش الإسرائيلية تعنى الآن أن الرحلة قد تستغرق نصف نهار أو يزيد.
إنه صباح الجمعة، وأنا أستقل حافلة مكتظة
بالطلاب والعائلات الشابة، يتوجهون جميعاً لقضاء عطلة نهاية الأسبوع مع عائلاتهم.
نميل يساراً لنسلك الطريق السريع رقم 60،
والذي ينطلق بمحاذاة الطريق القديم من الخليل في الجنوب إلى جنين والناصرة في
الشمال.
في زمن العثمانيين كان يعرف بطريق السارقين،
حيث كان اللصوص يتربصون المسافرين لنقضوا عليهم على حين غفلة. السارقون اليوم هم
المستوطنون الإسرائيليون.
لو قدر لفلسطين أن تصبح دولة قائمة بذاتها،
لأصبح الطريق السريع رقم 60 ركناً من أركان البنية التحتية الوطنية. ولكن الآن،
ينتصب كل مائة متر أو أقل علم إسرائيلي.
يدور نقاش على متن الحافلة حول من الذي نصب
الأعلام. يجمع كل من في الحافلة على أن الأعلام لم تكن موجودة قبل سنة من الآن.
إلى جانب الأعلام يوجد من حين لآخر ملصق عليه
صورة حاخام يرتدي معطفاً أسود وتبرز من تحت قبعته السوداء لحية كثة.
توفي الحاخام مناحيم مندل شنيرسون قبل ثلاثين
عاماً، ولكنه مازال حاضراً في نفوس كثير من المستوطنين. يعتقد أتباعه بأن كل أرض
إسرائيل التاريخية تعود ملكيتها إلى اليهود.
داخل القرى الفلسطينية وعلى مفارق الطرق،
يقوم المستوطنون بلص شعاره – والذي هو عبارة عن تاج أزرق على خلفية صفراء تحته
كلمة باللغة العبرية تعني المسيح (المخلص).
يعتقد أتباع الحاخام بأن وصول المسيح بات
وشيكاً.
تحتشد مجموعات من المستوطنين على امتداد
الطريق، بعضهم يحمل المدافع الآلية، وترتدي النساء فساتين طويلة منسوجة.
كثير من المستوطنين، وخاصة من يقيمون في
مواقع نائية، ينظرون إلى الفلسطينيين بكراهية وازدراء.
مررنا ببلدة ترمسعيا، والتي تتعرض للاعتداءات
بشكل دائم. يقوم المستوطنون
الهائجون، وكثير منهم مسلحون، بتدمير المحاصيل وحرق السيارات والمنازل وتخريب الآلات
الزراعية.
نمر قريباً من
شيلو، وهي مستوطنة دينية اكتسبت اسمها من مدينة شيلوه التوراتية القديمة.
ترتعد فرائص أم شابة تجلس قريباً مني في
الحافلة، وتقول: "هذه هي التي تقتل الجميع. إنها رأس الأفعى."
جميع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة
الغربية غير شرعية بموجب القانون الدولي، وذلك بناء على حكم صادر عن محكمة العدل
الدولية في عام 2024.
كثير من مستوطني شيلو هم من الإسرائيليين
الأمريكيين، بينما يعيش كثير من الفلسطينيين الأمريكيين داخل بلدة ترمسعيا.
قد يكون هؤلاء داخل الولايات المتحدة جيراناً
أو حتى أصدقاء. أما في الضفة الغربية، فقد عقد مستوطنو شيلو العزم على طرد
الفلسطينيين أو قتلهم والاستيلاء على أراضيهم.
نعبر الطريق نحو بيتا، وهي قرية تعرضت مراراً
لعدوان إجرامي منذ أن تم تدشين موقع استيطاني يسمى إفياتار بدعم من حركة الاستيطان
المتطرفة نخالا، والتي تلقت تمويلاً من منظمات داخل الولايات المتحدة.
زرت بيتا مرات عديدة. ينظم الشباب كل يوم
جمعة في بيتا مسيرة لحماية أرضهم. ما يفعلونه في الأغلب هو رمي الحجارة وإشعال
النيران بالإطارات. ولكنهم لا يشكلون خطراً حقيقياً على المستوطنين أو على الجنود
الإسرائيليين المدججين بالسلاح.
قتل ستة عشر منهم بالرصاص عندما زرت القرية
في سبتمبر / أيلول من عام 2024، بينما جرح كثيرون آخرون. كانت آيسنور إزجي آيجي،
الأمريكية التركية مزدوجة الجنسية، أحد الشهداء، حيث استهدفها جندي إسرائيلي
برصاصة في الرأس أودت بحياتها.
من المفروض أن يمر الطريق المباشر إلى نابلس
ببلدة حوارة، التي كانت قبل ثلاث سنين مسرحاً لمذبحة مروعة ارتكبها المستوطنون
هناك.
أما اليوم، فحوارة مقطوعة بسبب واحدة من
البوابات الكثيرة الحاجزة التي تم نصبها في أنحاء الضفة الغربية لتمكين سلطات
الاحتلال الإسرائيلي من عزل البلدات والقرى وقطع السبل عنها.
يميل سائق الحافلة يساراً ثم يصعد التلة.
بتنا الآن بالقرب من يتزهار، مستوطنة معروفة بعنف من يقيمون داخلها، ومشهورة
بشعارها "اطرد أو اقتل"، والذي يخطه المستوطنون على بيوت وجدران القرى
الفلسطينية.
يتضمن موقع المستوطنين صورة لعلم يحمل شعار
الحاخام شنيرسون وهو يرفرف فوق الموقع العسكري في يتزهار.
يقول النص الذي يوجد تحت العلم إنه موجود هناك
لتذكير "سكان القرى العربية بمصيرهم الحقيقي – أن يكونوا عبيداً لبني
إسرائيل."
اظهار أخبار متعلقة
عربتان بيضاوان
يشير المسافر
الذي يجلس بجانبي إلى عربتين بيضاوين متوقفتين على رأس التلة، ويقول:
"لم تكونا
هناك في الأسبوع الماضي، وفي الأسبوع المقبل سيكون لديهم بيت صغير، ثم بيت آخر.
سوف ينزلون من التل، وسوف يستولون على الماشية. سوف يأخذون الأرض. إنهم مسلحون.
وإذا قاومنا فسوف يقتلوننا، سوف يغزون بيوتنا."
في العهد
القديم، وفي سفر الملوك تحديداً، يتحدث النبي إلايجا عن "سحابة صغيرة لا يزيد
حجمها عن يد الإنسان."
رغم أنه يصعب
رؤيتهما من بعيد، إلا أن هاتين العربتين البيضاوين تشيران إلى الدمار المحقق الذي
سيلحق بمنازل الفلسطينيين وبماشيتهم.
بدأت هذه
المواقع الصغيرة غير المسجلة تظهر في كل أنحاء الضفة الغربية. وطبقاً لمجموعة
الأزمات الدولية، تم غرس أربعة وتسعين منها في العام الماضي. عادة ما تبدأ على شكل
حفنة من المتطرفين المسلحين في بيوت متنقلة، ثم تنمو مع الزمن، وتكتسب اعترافاً
رسمياً، وتصبح دائمة.
يبني الإسرائيليون
مستوطناتهم على قمم التلال. أما القرى الفلسطينية العريقة فتفضل الأراضي المنحدرة بلطف
على المنحدرات السفلى حيث تكون أقرب إلى الأراضي الزراعية ويمكنها الاستفادة بشكل أفضل
من الينابيع والنسائم الطبيعية.
يقول أحد ركاب
الحافلة: "المستوطنون مسيطرون. إنهم يحكمون الضفة الغربية. يفعل الجيش ما
يملونه عليه. كان الحال أفضل حينما كان الجيش هو المسيطر. كان الجنود في غاية
القسوة، ولكن كانت لديهم قواعد، وكان يمكن التنبؤ بما سيصدر عنهم من أفعال."
يستمتع
المستوطنون اليوم بحصانة تامة من المساءلة أمام القانون، ويمكنهم الاعتماد على
مساندة الجيش فيما لو قاومهم الفلسطينيون. يهبطون من رؤوس التلال ويفعلون ما
يريدون، يحرقون، ينهبون، يسرقون، ويقتلون.
يخضع
الفلسطينيون لبرنامج بشع من التطهير العرقي المنظم.
وبحسب ما تقوله
منظمة بيتسيلم الإسرائيلية لحقوق الإنسان، شردت إسرائيل منذ السابع من أكتوبر /
تشرين الأول من عام 2023 تسعة وخمسين تجمعاً سكانياً فلسطينياً، كان يقطن فيها ما
يزيد عن أربعة آلاف إنسان.
تعيش أعداد أكبر
من الفلسطينيين في رعب يومي.
إضافة إلى ذلك،
تقول التقارير الصادرة عن بيتسيلم إن الجيش الإسرائيلي شرد أكثر من اثنين وثلاثين
ألف إنسان من بيوتهم في مخيمات اللاجئين، حيث تم بشكل متعمد تدمير الكثير من
المنازل.
طبقاً لما تقوله
الأمم المتحدة، قتل ما يزيد عن ألف فلسطيني، بما في ذلك مائتي طفل، على يد الجيش
الإسرائيلي خلال هذه الفترة.
قام تامير
باردو، وهو مدير سابق للموساد، بزيارة الضفة الغربية الشهر الماضي. وبعد الزيارة
قال: "كانت والدتي من الناجين من المحرقة، وما شاهدته ذكرني بالأحدث التي
وقعت ضد اليهود في القرن الماضي."
وأضاف: "ما
رأيته اليوم جعلني أشعر بالعار لكوني يهودياً."
في حين أن الموجة
الجديدة من هجمات المستوطنين الشرسة غذتها جزئياً الرغبة في الانتقام بعد هجمات السابع
من أكتوبر التي قادتها حماس عام 2023، فإن التفسير الأساسي يكمن في الاتفاق السياسي
الذي تم إبرامه بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والأحزاب الدينية اليمينية
المتطرفة في أواخر عام 2022.
بعد إخفاقه في
ضمان أغلبية داخل الكنيست، دخل نتنياهو في ائتلاف مع حزب القوة اليهودية بزعامة
إيتامار بن غفير وحزب الصهيونية الدينية بزعامة بيزاليل سموتريتش.
مقابل مساندتهم
له، عين نتنياهو سموتريتش وزيراً للمالية ومنحه السيطرة على الضفة الغربية.
كان ذلك
انتهاكاً سافراً للقانون الدولي. فإسرائيل لم تزل قوة احتلال في الضفة الغربية منذ
أن استولت على المنطقة وانتزعتها من السيطرة الأردنية في الحرب العربية الإسرائيلية
عام 1967.
بموجب القانون
الدولي ينبغي على أي قوة تدير منطقة محتلة أن تفعل ذلك من خلال آلية عسكرية.
ثمة منطق في
هذا: أي احتلال عسكري عليه واجب الحكم بما يخدم مصلحة الشعب الخاضع للاحتلال وليس
مصلحة المحتل نفسه.
من أجل تسليم
الضفة الغربية لسموتريتش، عمد نتنياهو إلى إنشاء كيان جديد هو إدارة المستوطنات.
على الرغم من أن
الكيان الجديد موجود داخل وزارة الدفاع لأسباب إدارية، إلا أنه يخضع لإشراف وسيطرة
سموتريتش، السياسي المدني.
أوجد ذلك إطاراً
قانونياً وأخلاقياً جديداً.
وكما تشير منظمة
"السلام الآن"، وهي منظمة إسرائيلية غير حكومية، فإن إدارة المستوطنات
"عبارة عن كيان ملتزم وبموجب القانون بخدمة مصالح دولة إسرائيل
ومواطنيها."
بينما يناط بالجيش
(نظرياً على الأقل) واجب أساسي يتمثل في العمل لصالح الفلسطينيين، فإن إدارة المستوطنات
لا تخدم إلا المواطنين الإسرائيليين. وليس أي مواطنين إسرائيليين، بل المستوطنين الإسرائيليين.
سموتريش، الذي يعيش
هو نفسه في مستوطنة وبنى حياته المهنية في الدفاع عن مصالح المستوطنين العنيفة، استخدم
صلاحياته إلى أقصى حد.
في السنوات الستين
التي تلت احتلالها للضفة الغربية والقدس الشرقية، قامت إسرائيل ببناء 127 مستوطنة.
في وقت مبكر من
هذه السنة، أقرت الحكومة الإسرائيلية بناء أربعة وثلاثين مستوطنة جديدة، وبذلك
يصبح العدد الإجمالي للمستوطنات التي أقرها ائتلاف نتنياهو الحاكم 102.
في هذه الأثناء تتم
الموافقة على عشرات "البؤر الاستيطانية" غير النظامية، مما يعود على
الفلسطينيين بعواقب وخيمة.
اظهار أخبار متعلقة
مال وبنادق
يحتاج
المستوطنون إلى بنادق، ومنازل، وآليات زراعية، وطائرات مسيرة، وطرقاً جديدة
ومركبات الطرق الوعرة من أجل تشريد الفلسطينيين وإخراجهم من أرضهم. تكلفة هذا
البرنامج من التطهير العرقي ليست بسيطة.
المهم في الأمر هو
أن سموتريتش ليس مجرد متحكم في الضفة الغربية، بل لقد وافق بصفته وزيراً للمالية على
زيادة كبيرة في التمويل لدعم حملة المستوطنين.
بينما تقوم حكومة
نتنياهو الائتلافية المتعثرة بخفض الميزانيات الوطنية تجدها تضخ الأموال في المستوطنات.
تقول منظمة
السلام الآن: "هذه سرقة علنية للأموال العامة لصالح مجموعة صغيرة داخل قاعدة الحكومة."
عندما زار موقع
"ميدل إيست آي" المدير التنفيذي لمنظمة "السلام الآن" ليئور أميحاي
في مكتبه بتل أبيب، أخبرنا أن سموتريتش خصص سبعة مليارات شيكل (2.4 مليار دولار) لخطة
مدتها خمس سنوات لإنشاء طرق استيطانية، تم بناء العديد منها على أراضٍ مملوكة للفلسطينيين.
يعادل ذلك 1.4
مليار شيكل في العام – أو ثلاثين بالمائة من الميزانية الوطنية للطرق.
وهذا يعني أن ما
يقرب من ثلث ميزانية الطرق الرئيسية بين المدن في إسرائيل يتم إنفاقها فقط على
ثلاثمائة ألف مستوطن يشكلون ما لا يزيد عن ثلاثة بالمائة من سكان إسرائيل.
تُظهر التجربة أنه
بمجرد بناء الطرق، يزداد عدد المستوطنين بشكل كبير، بينما يفضي ذلك إلى طرد الفلسطينيين
المحليين.
بينما يقوم سموتريتش
بتمويل مشروع الاستيطان، يقوم شريكه في الائتلاف (ورفيقه السياسي) بن غفير بتسليحه.
فقد وافق في شهر
يناير / كانون الثاني على منح رخص بنادق شخصية في 18 مستوطنة من أجل "تعزيز
الدفاع الذاتي وزيادة الأمن الشخصي."
بإمكان
المستوطنين، الذين يعيشون جميعاً بشكل غير قانوني داخل الضفة الغربية، الحصول على
الأسلحة التي تتراوح ما بين بنادق إم 16 إلى المسدسات والطائرات المسيرة.
ولذلك لم يكن
مفاجئاً أن تسجل الأمم المتحدة ما يقرب من ألفي اعتداء نفذه المستوطنون في عام
2025، أي بمعدل يقترب من خمسة اعتداءات في اليوم الواحد.
تحولت الضفة
الغربية خلال السنوات الثلاث الماضية إلى مكان مرعب خارج عن القانون حيث لا يوجد
أمان، ولا حتى للإسرائيليين أنفسهم، فيه.
بعد ثلاثة
أسابيع من إجراء موقع ميدل إيست آي مقابلة مع مسؤول منظمة السلام الآن أميحاي،
اعتدى عليه المستوطنون بينما كان يقود جولة لنشطاء يساريين إسرائيليين في وادي
الأردن.
تُظهر مقاطع
مصورة للحادثة مستوطنين وهم يضربونه قبل أن يدفعوه إلى جانب سيارة ويسألوه: "لماذا
أحضرتم العرب إلى هنا؟"
أصبحت مثل هذه الهجمات
على الإسرائيليين أمراً طبيعياً.
في مقابلة مع موقع
"ميدل إيست آي" وصف الناشط الحقوقي أفيف تاتارسكي من منظمة السلام
"إير أميم" كيف هاجمه المستوطنون الشهر الماضي في دير إستيا، وهي قرية صغيرة
تقع على بعد 15 كيلومتراً جنوب نابلس، بعد أن تدخل عندما تعرض المزارعون للاعتداء.
أخبر تاتارسكي، وهو
مواطن إسرائيلي مثل أميحاي، موقع ميدل إيست آي بأن مهاجميه جاؤوا من مستوطنة إيمانويل
الأرثوذكسية المتشددة (والتي يمكن ترجمة اسمها إلى: الله معنا).
وقال: "لقد
اعتدوا عليّ، وضربوني بخرطوم بلاستيكي، ولكموني على وجهي."
قلل تاتارسكي من
شأن الهجوم، مؤكداً أن الفلسطينيين يتعرضون لاعتداءات أسوأ بكثير بشكل يومي. ومع ذلك،
اضطر إلى أخذ إجازة من العمل لمدة أسبوع.
وقال في تصريح
لموقع ميدل إيست آي: "نعرف أسماءهم. ونعرف مكان إقامتهم. لقد قدمنا شكوى للشرطة،
لكننا لم نتلق منهم رداً".
حتى وسائل الإعلام
الأجنبية أصبحت الآن هدفاً مشروعاً للمستوطنين، كما يثبت ذلك الهجوم الذي وقع في يوليو
الماضي على طاقم تلفزيوني ألماني واحتجاز صحفيي شبكة CNN في شهر مارس / آذار.
ليست لدى
الفلسطينيين وسيلة لرد العدوان.
يقول جمال جمعة،
منسق حملة أوقفوا الجدار: "كل من يرمي بحجر تطلق عليه النار ويقتل."
تمتلك السلطة الفلسطينية
70 ألف جندي تحت تصرفها، لكنهم لا يتدخلون أبداً لنجدة الفلسطينيين المهددين. بل يتم
نشرهم لمساعدة إسرائيل في قمع المقاومة الفلسطينية.
يعترف أحد كبار
المسؤولين في السلطة الفلسطينية بذلك قائلاً: "نحن عملاء. نحن تحت أمر
إسرائيل. وكل من ينكر ذلك فهو كاذب."
عندما اقتربت
الحافلة من نابلس خف التوتر أخيراً. تتعرض هذه المدينة العتيقة، التي بناها
الامبراطور الروماني فيسباسيان في القرن الأول الميلادي، لاعتداءات المستوطنين
والجيش الإسرائيلي، ولكن ما تتعرض له لا يقارن بمستوى الدمار الذي يلحق بمدن أخرى
مثل طولكرم في الشرق أو جنين في الشمال.
ولكنها قد لا
تظل آمنة لفترة طويلة قادمة.
رمز الصمود
في شهر فبراير /
شباط، أعلن سموتريتش عن تعديل جذري في قانون تسجيل الأراضي داخل الضفة الغربية،
بحيث يصبح سهلاً على الإسرائيليين ادعاء ملكية الأراضي الفلسطينية.
تفاخر سموتريتش
بذلك قائلاً: "سوف نستمر في قتل فكرة الدولة الفلسطينية."
يتوقع أن يشعر
بأثر ذلك بشكل رئيسي سكان المناطق الريفية في الضفة الغربية، لأن القانون الجديد
يزيد بشكل كبير في صعوبة إثبات ملكية الأرض.
تقع معظم
المناطق الريفية ضمن منطقة جيم، تلك المساحة التي تشكل ستين بالمائة من الضفة
الغربية والتي بقيت تحت السيطرة الكاملة للإسرائيليين منذ التوقيع على اتفاقيات
أوسلو التي أسست السلطة الفلسطينية في مطلع تسعينيات القرن الماضي.
قال فلسطينيون لموقع
ميدل إيست آي إنهم يخشون من أن يؤدي تطبيق الآلية الجديدة التي تطالب بإجبار الفلسطينيين
على إثبات حقوق الملكية القديمة إلى تدمير مدن مثل نابلس.
ويشيرون إلى ما
حدث في مدينة الخليل حيث استولى المستوطنون على ممتلكات في القلب من المدينة.
تم جلب القوات
العسكرية لحماية المستوطنين، وأخليت مساحات شاسعة من البلدة القديمة من
الفلسطينيين.
لكن روح المقاومة
لا تزال قائمة. لقد شهدت هذا الصمود العنيد بعد أن غادرت نابلس لأستقل حافلة لزيارة
أصدقاء في قرية برقا المجاورة.
مثل كثير من
القرى الفلسطينية، برقة قرية عتيقة يشعر سكانها بأنهم باتوا جزءاً لا يتجزأ من
الأراضي التي تحيط بهم.
في القلب منها
تتواجد مبانٍ أنيقة تعود إلى العصر العثماني، من بينها كنيسة قديمة. أما المنظر جنوباً
باتجاه نابلس فهو ساحر، بما فيه من تلال متموجة وأشجار زيتون.
لكن على قمة التل
فوق برقا تلوح الآن هومش، وهي مستوطنة راديكالية ذات تاريخ معقد.
كانت المستوطنة
قد أقيمت على أرض فلسطينية مسروقة في عام 1978، ثم تم طرد المستوطنين في عام 2005 كجزء
من خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون لفك الارتباط.
ولكنهم لم
يغادروا تماماً. لم يستعد الفلسطينيون الأرض التي سرقت منهم، بينما حافظ
المستوطنون على وجودهم من خلال إقامة ياشيفا (مدرسة دينية) في الموقع.
لا يخفي صموئيل
ويندي، مدير المدرسة الدينية في هومش، طموحه.
في لقطات مصورة
يمكن مشاهدتها عبر يوتيوب، قال مخاطباً أنصاره: "تطالب الأمة في إسرائيل
بالعودة إلى الاحتلال، والاستيلاء على أرضنا المقدسة والعودة إليها .... الأمر لا
يتجاوز الرغبة في العودة إلى المكان الذي تعود ملكيته إلينا."
يتضمن طموحه
تدمير اتفاقيات أوسلو وأمل الفلسطينيين في دولة فلسطينية.
يهبط المستوطنون
من هومش إلى برقة عدة مرات في الأسبوع لترويع الفلسطينيين، حيث يسرقون السيارات
والأغنام والآليات الزراعية. قبل يومين من زيارتي، غاروا على أشجار الزيتون
وأضرموا فيها النيران.
ولكن أخبرني أهل
القرية بأن المستوطنين كانوا يخشون من دخول القرية نفسها.
وقال لي أحدهم:
"وضعنا يافطة على مدخل قريتنا مكتوب عليها إذا أردتم السلامة فابتعدوا من
هنا. فعندما جاءوا إلى القرية بعثنا إلى برسالة إلى جميع الرجال في برقة أن
اخرجوا."
وأضاف:
"الناس يحملون العصي. نقوم بالهجوم. يأتون مرة في الأسبوع ونقوم بصدهم
وإخراجهم."
صعدنا التل عبر
أشجار الزيتون باتجاه مستوطنة هوميش، فوجدنا مزارعاً مسناً يفلح الأرض لزراعة
الفاصوليا.
أخبرنا بأنه
يعمل في أرضه لأن "اليوم هو يوم السبت، يوم العطلة اليهودية، فنحن في الأيام
الأخرى نخشى من أن يأتي المستوطنون ويقتلوننا."
دعانا مأمون،
وهو معلم متقاعد ويعمل في الرعاية الاجتماعية، إلى تناول القهوة في منزله.
وقال: "إن
لدى برقة تاريخ طويل من المقاومة."
وأضاف:
"نحن متعلمون. لدينا مدارس في برقة. نحن نعرف ما الذي سيحدث فيما لو فقدنا
أرضنا. إن في دمائنا ولاء لهذا البلد."
كان مأمون قد
شارك في الانتفاضة الأولى. وعن ذلك تحدث لموقع ميدل إيست آي بفخر قائلاً:
"حضر شمعون بيريز بسيارته إلى برقة. وقال إنه لم يهاجم من قبل أي قرية سوى
برقة."
بعد أن احتسينا
القهوة أخذني مأمون إلى الحائط التذكاري بالقرب من مدخل القرية حيث كتبت أسماء من
ضحوا بأرواحهم أثناء المقاومة. هكذا يتذكر جل الفلسطينيين شهداءهم.
قال مأمون:
"يمثل هذا الحائط ما يشبه التحدي. فنحن مستمرون في مقاومتنا للاعتداءات
الإسرائيلية."
يحمل الحائط
أسماء ما يزيد عن سبعين اسماً بدءاً من شهداء الانتفاضة العربية ضد الحكم
البريطاني في عام 1936.
قضى أول 18
شهيداً نحبهم وهم يقاتلون البريطانيين. وقضى عشرة نحبهم أثناء النكبة. وقضى آخرون
أثناء انتفاضة أيلول الأسود في عام 1970، ثم تأتي أسماء من قضوا نحبهم في
الانتفاضتين الأولى والثانية.
آخر الشهداء هو نضال
شقنوبي، البالغ من العمر 16 عاماً. يوجد فراغ مخصص لنقش اسمه على الجدار.
إلى جانب حائط
الشهداء كان يوجد تمثال لحنظلة، الشخصية الكرتونية التي غدت رمزاً على الصمود لدى
الفلسطينيين.
بينما يداه متشابكتان
وظهره مُدار، يرفض حنظلة مواجهة العالم حتى تتحرر فلسطين.
يقول مأمون
مستذكراً: "جاء الجنود إلى هنا وخلعوا تمثال حنظلة لأنهم يعلمون أن هذا الرمز
يُذكّر أهل قريتنا بأن عليهم أن يظلوا يقظين".
ثم أشار إلى الأسفل.
لا تزال قدما حنظلة هناك. لم يستطع الجنود إزالتها. بقيت ثابتة، عنيدة، لا تلين، راسخة،
مغروسة بعناد في أرض فلسطين.