مشروع
القانون الجديد للأحوال الشخصية في
مصر والذي ينظم أمور
الزواج والطلاق، والعلاقات
الزوجية وما ينجم عنها من خلافات، ليس مجرد استجابة لحاجة عاجلة، ولا دعما
للراغبين في الزواج، أو ترطيبا للعلاقة الزوجية؛ بل هو على العكس من كل ذلك، هو
مشروع لإثارة الفتن والحروب بين الأزواج والزوجات، والعائلات، والأهم أنه يجعل من
الزواج مغامرة ومقامرة كبيرة تدفع الكثيرين للعزوف عنها إيثارا للسلامة.
المشكلات
الأسرية هي أمور طبيعية، ومعظمها يُحل بشكل ودي داخل العائلات، ما يصل منه إلى
المحاكم هو الأقل، ورغم كثرة عدد القضايا أمام المحاكم إلا أنها لا تمثل إلا نسبة قليلة
جدا من المشكلات. هذا هو التعامل الطبيعي مع المشكلات الزوجية، ومن الطبيعي أن لو
كان لدينا برلمان منتخب بحرية أن يناقش ما يستجد في قضايا ومشكلات الأسرة ثم يدخل
التعديل التشريعي المناسب لها بعد مناقشة مجتمعية مستفيضة عبر وسائل الإعلام،
والهيئات والمنظمات الدينية والمدنية المختلفة، لكن تدخل السلطة التنفيذية لفرض
رؤيتها عبر برمان هزلي يعرف الجميع كيف تم اختيار أعضاءه فهذا هو التوظيف السياسي
لشأن اجتماعي.
تدخل السلطة التنفيذية لفرض رؤيتها عبر برمان هزلي يعرف الجميع كيف تم اختيار أعضاءه فهذا هو التوظيف السياسي لشأن اجتماعي
معركة
ما سمي بتجديد الخطاب الديني انطلقت منذ العام 2015 بدعوة من
السيسي، محاطا
بالعديد من المنظمات والمجموعات العلمانية المتطرفة. وكانت هذه المعركة إحدى محطات
الصدام مع
الأزهر الذي تصدى لمحاولات تشويه الثوابت الإسلامية بدعوى التجديد، كانت
قضية الطلاق الشفهي عنوانا بارزا لتلك المعركة، إذ دعا السيسي ومعه تلك المجموعات
لعدم الاعتداد بهذا الطلاق الشفهي، وضرورة توثيق الطلاق في المحاكم، وهو ما رفضه
الأزهر مؤكدا أن الطلاق يقع شرعا بمجرد النطق به شفاهة. لم ينسَ المصريون رد
السيسي على الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر: "تعبتني يا فضيلة الإمام"،
لكنه ظل متمسكا برؤيته المخالفة لموقف الأزهر.
قصر
الدستور المصري في مادته السابعة الرأي في القضايا الدينية على هيئة كبار العلماء
في الأزهر الشريف، وقد قال الأزهر كلمته علنا في الطلاق الشفوي طيلة السنوات
الماضية، ولا ينفي ذلك ادعاء أحد أعضاء اللجنة التي وضعت مسودة القانون موافقة
الأزهر عليها، فالموافقة لا بد أن تكون واضحة وعلنية عبر بيان رسمي، أو رسالة إلى
البرلمان، وأي تجاوز لموقف الأزهر هو مخالفة صريحة للدستور، تستوجب بطلان القانون
قبل وبعد صدوره.
حرصُ
السيسي على تمرير رؤيته في قضايا الأسرة هو مغازلة لطرفين؛ الأول الجمعيات النسوية
العلمانية المصرية حتى تكون ظهيرا مدنيا له في مواجهة تآكل مستمر لشرعيته مع تواصل
فشل سياساته الاقتصادية، والطرف الثاني هو الغرب؛ بهدف الحفاظ على الدعم السياسي
والاقتصادي له. هو إذن توظيف سياسي بهدف بناء حاضنة سياسية داخلية وخارجية، حتى لو
كان في ذلك هدم للحاضنة الأسرية، وترضية فئة قليلة من النساء على حساب استقرار
المجتمع.
في
عهدي السادات ومبارك تدخلت زوجتاهما لتمرير قوانين خاصة بالأسرة، عُرف القانون
الأول بقانون جيهان (حرم السادات) وحمل رقم 44 لسنة 1979، وقد ألغته المحكمة
الدستورية عام 1985، وعرف القانون الثاني بقانون سوزان (حرم مبارك) عام 2000 والذي
فتح الباب واسعا للخلع، مع تعديلات أخرى. لكن المشروع الحالي لا يمكن نسبته إلى
حرم السيسي، وإنما إليه شخصيا، فهو الذي تبنى فكرة الطلاق الموثق وسعى لتسويقها،
وحين عجز عن الحصول على موافقة الأزهر استخدم برلمانه الذي يتمتع فيه بأغلبية
طاغية، ولا يهم أنها جاءت بالتزوير، ولا تعكس الإرادة الشعبية الحقيقية!
مشروع القانون الجديد -بالإضافة إلى مخالفته لموقف الأزهر وبالتالي للدستور- فهو أيضا سيتسبب في أزمة عنوسة كبرى، أي ستكون المرأة هي ضحيته، فالقيود التي تضمنها المشروع على الرجال عند الزواج أو الطلاق ستدفع الكثيرين للعزوف لعدم قدرتهم على تلبية تلك الشروط، كما ستحول الحياة الزوجية إلى "ناقر ونقير"
للزوجة
حقوق كما للرجل أيضا، وفي الشريعة الإسلامية ضمان لهذه الحقوق، والمشكلة هي في عدم
الالتزام بها من البعض. نتحدث هنا عن المسلمين لأن هناك مشروع قانون آخر للأحوال
الشخصية للمسيحيين ناقشته وأقرته الكنائس الثلاث في مصر (الأرثوذكسية-
الكاثوليكية- الإنجيلية)، ومع ذلك هناك معارضة واسعة له من النخب المسيحية المدنية.
فيما
يخص الأحوال الشخصية للمسلمين، وهي مثار حديثنا، من الضروري الحصول على موافقة
الأزهر قبل موافقة البرلمان، وعلى شيخ الأزهر أن يقوم بواجبه الشرعي والدستوري
تجاه المشروع الجديد، فإن لم يفعل فقد تخلى عن واجبه الدستوري، بل هدم بنفسه حقه
الدستوري الذي منحه له الشعب المصري بعد ثورة يناير في دستور 2012، وفي التعديلات
عليه في 2014، وهو حق لم يستطع السيسي المساس به حين أدخل تعديلات دستورية جوهرية
في العام 2019، لكن تخاذل الأزهر عن القيام بواجبه الدستوري بشأن قانون الاسرة سيشجع
السيسي على قضم بقية الحقوق الدستورية للأزهر والتي تضمنتها المادة السابعة، وعلى
رأسها استقلال الأزهر، واختيار شيخه من هيئة كبار العلماء، وتحصين موقعه بحيث لا
يستطيع الحاكم عزله.
مشروع
القانون الجديد -بالإضافة إلى مخالفته لموقف الأزهر وبالتالي للدستور- فهو أيضا
سيتسبب في أزمة عنوسة كبرى، أي ستكون المرأة هي ضحيته، فالقيود التي تضمنها
المشروع على الرجال عند الزواج أو الطلاق ستدفع الكثيرين للعزوف لعدم قدرتهم على
تلبية تلك الشروط، كما ستحول الحياة الزوجية إلى "ناقر ونقير" بينما
الأصل في الزواج هو المودة والسكن.
x.com/kotbelaraby
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.