تعيش
مصر اليوم مرحلة ديموغرافية فارقة تُعرف عالميا
بـ"الهبة الديموغرافية" (Demographic Dividend)، أو "الهِبَة
السكانية"، أو "النافذة الذهبية"؛
وهي المرحلة التي ترتفع فيها نسبة السكان في سن
العمل مقارنة بالأطفال وكبار السن.
هذه المرحلة، وفقا لتجارب دول عديدة، ليست مجرد توصيف سكاني، بل فرصة
اقتصادية محدودة الزمن يمكن أن تدفع دولة بأكملها إلى قفزة تنموية كبيرة،
أو تتحول إلى عبء ثقيل إذا أُسيء التعامل معها، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة
عن الجهاز المركزي
للإحصاء إلى أن عدد سكان مصر تجاوز 118
مليون نسمة في 2025، مع هيكل عمري يغلب عليه
الشباب مع تراجع في معدل الإعالة؛
إذ إن نسبة السكان في سن العمل (15-64 عاما) تقدر بنحو 65 في المئة من إجمالي
السكان، وهي النسبة التي تُعرّف جوهر "الهبة السكانية". وبحسب تقديرات،
فإن هذه التركيبة السكانية تمنح مصر نافذة زمنية لفترة يمكن خلالها
تحقيق
نمو اقتصادي متسارع، إذا ما تم الاستثمار الجيد في رأس المال البشري.
إذا لم تُستثمر الكتلة البشرية الكبيرة، فإنها تتحول إلى: بطالة مرتفعة، وضغط على الخدمات العامة، وتآكل في مستويات المعيشة، وزيادة في معدلات الفقر
لكن هذه الأرقام، رغم إيجابيتها الظاهرية، لا تترجم
تلقائيا إلى مكاسب اقتصادية. فالمعادلة ليست في عدد السكان، بل في جودة
تأهيلهم وقدرة الاقتصاد على استيعابهم، حيث تُظهر البيانات أن معدل البطالة الكلى
الرسمي في مصر يدور حول 7 إلى 8 في المئة وفق بيانات الجهاز المركزي، إلا أن بطالة الشباب تظل أعلى من ذلك ( صل إلى
15 في المئة)، خصوصا بين خريجي الجامعات. كما تشير تقديرات متعددة إلى أن نسبة
كبيرة من قوة العمل تعمل في القطاع غير الرسمي، الذي يتميز بانخفاض
الإنتاجية وغياب الحماية الاجتماعية. في الوقت ذاته، لا تزال مساهمة العامل المصري
في الناتج المحلي أقل بكثير من نظيره في الاقتصادات الصاعدة، ما يعكس فجوة واضحة
في الإنتاجية والتدريب. وهنا تتجلى
المفارقة: مصر لا تعاني من نقص في الأيدي العاملة، بل من نقص في العمالة
المؤهلة.
التصريحات الحكومية تغفل طبيعة المرحلة الحالية وتتغاضى
عنها على الرغم من دخول مصر مرحلة الهبة الديموغرافية:
خلال كلمة مصر أمام لجنة السكان والتنمية التابعة للأمم المتحدة والمنعقدة
في نيويورك، أعلنت الدكتورة نائب وزير الصحة والسكان، أن عدد المواليد في البلاد
انخفض إلى أقل من مليوني مولود خلال عام 2024، وهي المرة الأولى التي يتحقق فيها
هذا المستوى منذ عام 2007، وقالت بأن هذا المستوى غير المسبوق في معدلات المواليد يعكس
تحسنا تدريجيا في جهود ضبط النمو السكاني وتحسين جودة الحياة، مشيرة إلى انخفاض
معدل الإنجاب الكلي من 3.5 إلى 2.4 مولود لكل سيدة خلال العقد الأخير، أن الدولة
تسعى للوصول إلى المعدل المستهدف عند 2.1 طفل لكل سيدة. وأكدت أن الدولة تبنّت
نهجا متكاملا يعتمد على توظيف البيانات والبحث العلمي في صياغة السياسات السكانية،
بما يدعم أهداف التنمية المستدامة ويعزز فرص النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
وتلك التصريحات هي امتداد وتكرار للخطاب
الرسمي والذي يركز بشكل كبير على قضية "الزيادة السكانية" باعتبارها أحد
أبرز التحديات. ولا شك أن تنظيم الأسرة يمثل عنصرا مهما في أي سياسة
سكانية متوازنة، لكن اختزال القضية في "تقليل عدد المواليد" يتجاهل جوهر
المشكلة، حيث إن التجارب الدولية تقدم درسا واضحا، فدول شرق آسيا مثل كوريا
الجنوبية وماليزيا؛ لم تحقق قفزاتها الاقتصادية عبر خفض عدد السكان فقط، بل
عبر تحويل كل فرد إلى عنصر إنتاجي من خلال التعليم الجيد،
والتدريب المهني، وتوسيع قاعدة التصنيع والتصدير. وخلال فترات الهبة السكانية،
حققت هذه الدول معدلات نمو سنوية تراوحت بين 7 إلى 10 في المئة. في المقابل،
إذا لم تُستثمر الكتلة البشرية الكبيرة، فإنها تتحول إلى: بطالة مرتفعة، وضغط على
الخدمات العامة، وتآكل في مستويات المعيشة، وزيادة في معدلات الفقر.
الخطوات اللازمة للاستفادة من الهبة الديموغرافية في مصر:
مصر تقف اليوم أمام مفترق طرق ديموغرافي، فإما أن تتحول كتلتها السكانية
الشابة إلى محرك للنمو الاقتصادي، أو إلى الفشل وعبء متزايد يضغط على موارد
الدولة.
ومن المهم الإشارة إلى أنه وفي تقرير هام أصدره
المجلس القومي للسكان عام 2022، توقع قرب دخول مصر مرحلة الهبة الديموغرافية، وتمت
الإشارة إلى إمكانية الاستفادة العظمى من الهبة الديموغرافية وتحقيق سوق عمل مرن
يخدم الطلب في الداخل والخارج، فإنه يجب التركيز على الاستثمار في الصحة خاصة الجانب الوقائي، والاستثمار في التعليم؛ حيث يلعب التعليم دورا أساسيا
في توفير فرص عمل أفضل. ويعد محو الأمية ورفع معدلات القراءة والكتابة من أهم
الخطوات اللازمة لتحقيق ذلك، وعلى مستوى التعليم قبل الجامعي تظهر الحاجة إلى
تقديم التكنولوجيا المتطورة والمهارات العالية، كما يجب ربط البرامج التدريبية
المختلفة باحتياجات سوق العمل، ومن ثم تبرز أهمية التنسيق بين السياسات التعليمية
والتدريبية لإكساب الشباب هذه المهارات؛ مع العلم بأن الاستثمارات في قطاع التعليم
تحتاج إلى مراجعة بحيث يصبح المعيار هو الكيف والجودة، وهذا يتطلب بدوره إعادة
توزيع الاستثمارات في قطاع التعليم، وزيادة الموارد للتعليم العالي، وتبني أنماط
جديدة من التعليم مثل التعليم المزدوج (وهو نظام تعليمي يجمع بين الدراسة النظرية
داخل المدرسة والتدريب العملي داخل موقع العمل مثل مصنع أو شركة في نفس
الوقت)، والتعليم المرتبط بالسوق، بالإضافة إلى رفع مهارات والقدرات الإبداعية لدي
الخريجين، حيث إن أحد أبرز التحديات في مصر هو الفجوة بين مخرجات التعليم
واحتياجات سوق العمل. فبينما يتخرج مئات الآلاف سنويا من الجامعات، يشتكي قطاع
الأعمال من نقص العمالة الماهرة، خاصة في المجالات التقنية والصناعية. هذا الخلل
ينعكس مباشرة على الإنتاجية، فالعامل غير المؤهل لا يستطيع المنافسة، سواء في
السوق المحلية أو العالمية. ومع تسارع التحول الرقمي عالميا، تتسع الفجوة أكثر إذا
لم تُتخذ خطوات جادة لإعادة هيكلة منظومة التعليم والتدريب.
الهبة السكانية هي مجرد نافذة زمنية ذهبية لفترة
محدودة وليست مفتوحة للأبد:
الهبة السكانية ليست تحديا في حد ذاتها، بل اختبار لقدرة الدولة على الإدارة. والدول التي نجحت لم تكن أقل عددا، بل كانت أكثر استثمارا في الإنسان
أخطر ما في الهبة السكانية أنها مؤقتة، فمع
مرور الوقت، سيتقدم هذا الجيل الكبير في العمر، وتزداد نسبة كبار السن، ما يعني
ارتفاع عبء الإعالة على الدولة. إذا لم يتحقق نمو اقتصادي كافٍ خلال هذه المرحلة،
فقد تجد الدولة نفسها أمام تحدٍ مزدوج: اقتصاد ضعيف وسكان كبار في السن. وتقديرات المؤسسات الدولية تشير إلى أن هذه النافذة
قد تبدأ في الانغلاق خلال عقدين إلى ثلاثة عقود، وهو ما يجعل الوقت عاملا حاسما؛
فكل عام يمر دون استثمار حقيقي في البشر هو فرصة ضائعة لا تُعوّض.
المطلوب اليوم هو إعادة ترتيب الأولويات؛ فالقضية
الأساسية ليست كم عددنا، بل ماذا نفعل بهذا العدد؟ التحول المطلوب في التفكير
يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط: أولا: الاستثمار في التعليم التطبيقي والتقني بدلا
من التوسع الكمي غير المرتبط بالسوق، ثانيا: تحفيز الاقتصاد الإنتاجي القادر
على خلق فرص عمل حقيقية، خاصة في الصناعة والتصدير. ثالثا: دمج القطاع
غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي لرفع الإنتاجية وتحسين ظروف العمل.
الهبة السكانية ليست تحديا في حد ذاتها،
بل اختبار لقدرة الدولة على الإدارة. والدول التي نجحت لم تكن أقل عددا، بل كانت أكثر
استثمارا في الإنسان.
إن "النافذة الديموغرافية" ليست دائما خبرا
سعيدا للحكومات، فنهاية العبء السكاني والدخول في مرحلة تحول البشر إلى "هبة"
يعني أن أي تراجع في النمو الاقتصادي أو انخفاض مستويات المعيشة هو تعبير عن فشل
الحكومة وليس زيادة الأعباء بسبب النمو السكاني؛ مما يعني فقدان الحكومات معاملا
رئيسيا لتبرير الإخفاقات لتصبح أمام اختبار الفشل والنجاح وفقا لسياساتها في
استغلال هذه الهبة السكانية. ولكن وفي حال انتشار الفساد والمحسوبية، ستتحول وقتها
الطاقة الشبابية الضخمة في المجتمع إلى وقود للاضطرابات الاجتماعية والسياسية.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.