مصر وتركيا بين ضغوط الطاقة وتقلبات العملة

أشرف دوابة
"لم يعد هذا العامل ظرفا مؤقتا، بل أصبح جزءا دائما من معادلة إدارة الاقتصاد في البلدين"- الأناضول
"لم يعد هذا العامل ظرفا مؤقتا، بل أصبح جزءا دائما من معادلة إدارة الاقتصاد في البلدين"- الأناضول
شارك الخبر
في ظل اضطراب متزايد في أسواق الطاقة العالمية وتصاعد التوترات الجيوسياسية، تواجه كل من مصر وتركيا مرحلة اقتصادية دقيقة، تفرض ضغوطا مركبة على مسارات الاستقرار والنمو، مدفوعة بعاملين رئيسين هما: ارتفاع تكلفة الطاقة، وتقلبات العملة.

يشترك الاقتصادان في تأثرهما المباشر بارتفاع أسعار الطاقة، نظرا لاعتمادهما النسبي على الاستيراد، وهو ما ينعكس سريعا على تكاليف الإنتاج ومستويات التضخم. ومع استمرار حالة عدم اليقين عالميا، لم يعد هذا العامل ظرفا مؤقتا، بل أصبح جزءا دائما من معادلة إدارة الاقتصاد في البلدين.

في مصر، يتخذ هذا التحدي طابعا أكثر تعقيدا، خاصة في ظل التقلبات التي شهدها سعر صرف الجنيه خلال الفترة الأخيرة، حيث أدى تراجعه إلى زيادة تكلفة الواردات وتصاعد الضغوط التضخمية بشكل ملموس. ولم يقتصر أثر انخفاض العملة على الأسواق المالية، بل امتد إلى بنية التكلفة داخل الاقتصاد، بما ينعكس على مستويات المعيشة وقدرة القطاعات الإنتاجية على التكيف.

يشترك الاقتصادان في تأثرهما المباشر بارتفاع أسعار الطاقة، نظرا لاعتمادهما النسبي على الاستيراد، وهو ما ينعكس سريعا على تكاليف الإنتاج ومستويات التضخم

ويرتبط ذلك ارتباطا وثيقا بملف الديون، الذي يمثل أحد أبرز التحديات الهيكلية في المرحلة الحالية. إذ تعتمد السياسات الاقتصادية بدرجة متزايدة على إعادة تدوير الالتزامات أو ترقيع الديون، سواء عبر الاقتراض لسداد استحقاقات سابقة أو من خلال توظيف الأصول في تغطية فجوات تمويلية قائمة. ورغم أن هذه الأدوات قد توفر حلولا سريعة لتخفيف الضغوط، فإن استمرارها دون بناء قاعدة إنتاجية قادرة على توليد إيرادات حقيقية؛ يضع الاقتصاد أمام دائرة ممتدة من الاعتماد على التمويل الخارجي.

وفي هذا الإطار يبرز التوسع في طرح الأصول والشركات -بما في ذلك مؤسسات مالية كبنك القاهرة- وهذا الطرح أصبح منهجا ومسارا مستمرا في إدارة الضغوط التمويلية. وتكمن الإشكالية في بيع أصول مربحة، فضلا عن طبيعة توظيف العوائد المتحصلة، حيث يُلاحظ أن جانبا معتبرا منها يُوجَّه إلى سد فجوات تمويلية أو خدمة الديون، بدلا من إعادة استثماره في أصول إنتاجية. وهو ما يبرز خطر التآكل التدريجي في قاعدة الأصول الاستراتيجية، دون بناء بدائل قادرة على توليد قيمة مضافة مستدامة.

في المقابل، تبدو تركيا في وضع أكثر توازنا نسبيا، رغم التحديات التي تواجهها، فالاقتصاد التركي يستند إلى قاعدة إنتاجية وصناعية قوية، تمنحه قدرا من المرونة في مواجهة الصدمات الخارجية، خاصة مع قدرته على التصدير وتنوع قطاعاته الاقتصادية.

وعلى مستوى السياسة النقدية، لم تعد تركيا في مرحلة تشديد مستمر كما كان في السابق، بل بدأت تتجه نحو نمط أكثر توازنا، يقوم على التثبيت مع احتمالات التيسير الحذر، وفق تطورات التضخم وتكلفة التمويل.
تفرض هذه المرحلة على البلدين ضرورة تسريع الإصلاحات الهيكلية، خاصة في قطاع الطاقة، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز القطاعات الإنتاجية القادرة على توليد قيمة مضافة حقيقية
ويعكس هذا التوجه محاولة لتحقيق توازن دقيق بين السيطرة على التضخم والحفاظ على النشاط الاقتصادي.

وبين التجربتين، يتضح أن الفارق لا يكمن فقط في ضعف اقتصاد مقابل قوة آخر، بل في طبيعة التحديات وأساليب التعامل معها. فبينما تسعى مصر إلى تثبيت الاستقرار المالي في ظل ضغوط العملة والدين، تحاول تركيا إعادة ضبط توازنها النقدي دون الإخلال بزخمها الإنتاجي.

وتفرض هذه المرحلة على البلدين ضرورة تسريع الإصلاحات الهيكلية، خاصة في قطاع الطاقة، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز القطاعات الإنتاجية القادرة على توليد قيمة مضافة حقيقية. كما تبرز الحاجة إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، والابتعاد عن التوسع في المشروعات غير الإنتاجية، لصالح استثمارات تدعم النمو المستدام.

وفي النهاية، فإن ما تمر به مصر وتركيا يعكس جانبا من التحولات الأوسع في الاقتصاد العالمي، حيث تتداخل التحديات الداخلية مع الضغوط الخارجية بشكل غير مسبوق. غير أن القدرة على عبور هذه المرحلة لا ترتبط بحجم الموارد بقدر ما ترتبط بكفاءة إدارتها، وبالقدرة على تحويل الضغوط إلى فرص ضمن مسار إصلاحي مستدام.

x.com/drdawaba


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)