الأبعاد الاقتصادية للعدوان الأمريكي الصهيوني على إيران

أشرف دوابة
"أي تصعيد عسكري في هذه المنطقة يثير قلق الأسواق فورا ويؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة"- جيتي
"أي تصعيد عسكري في هذه المنطقة يثير قلق الأسواق فورا ويؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة"- جيتي
شارك الخبر
يشكّل العدوان العسكري الغاشم من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران حدثا ذا أبعاد اقتصادية مباشرة ظهرت آثارها سريعا في الأسواق العالمية خلال الأيام الأولى من الحرب. فهذه المواجهة لا تقع في منطقة عادية من العالم، بل في قلب أهم منطقة لإمدادات الطاقة والتجارة الدولية، ولذلك فإن أي توتر عسكري في هذه المنطقة ينتقل فورا إلى الأسواق المالية وأسواق الطاقة والنقل والتجارة العالمية، لأن الاقتصاد العالمي أصبح شديد الحساسية لأي اضطراب في مصادر الطاقة أو طرق نقلها.

وتعد إيران من الاقتصادات الإقليمية المهمة في الشرق الأوسط، حيث بلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 436.9 مليار دولار في عام 2024 وفق بيانات البنك الدولي، مع تقديرات بارتفاعه إلى نحو 440 مليار دولار في عام 2025. ورغم العقوبات الاقتصادية الطويلة التي فُرضت عليها، ما زالت إيران تمتلك قاعدة صناعية واقتصادية معتبرة، إضافة إلى امتلاكها احتياطيات ضخمة من النفط والغاز. وتنتج إيران حاليا ما يقارب 3.2 ملايين برميل من النفط يوميا، ويُقدَّر أن صادراتها الفعلية تدور حول 1.5 مليون برميل يوميا رغم القيود المفروضة عليها.

الأهمية الاقتصادية لإيران لا تكمن فقط في حجم اقتصادها أو إنتاجها النفطي، بل في موقعها الجغرافي الحساس، فهي تشرف على مضيق هرمز الذي يعد الشريان الأهم لنقل الطاقة في العالم

لكن الأهمية الاقتصادية لإيران لا تكمن فقط في حجم اقتصادها أو إنتاجها النفطي، بل في موقعها الجغرافي الحساس، فهي تشرف على مضيق هرمز الذي يعد الشريان الأهم لنقل الطاقة في العالم، حيث يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يوميا، أي ما يقارب ثلث تجارة النفط المنقولة بحرا في العالم، ونحو 20 في المئة من الاستهلاك العالمي للنفط، ولذلك فإن أي تصعيد عسكري في هذه المنطقة يثير قلق الأسواق فورا ويؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة.

وقد ظهر هذا التأثير بالفعل خلال الأيام الأولى من التصعيد العسكري، حيث ارتفعت أسعار النفط في الأسواق العالمية نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات أو تهديد الملاحة في الخليج، فقد تحرك سعر النفط الذي كان يدور قبل الأزمة حول 80 دولارا للبرميل ليرتفع إلى نطاق يتراوح بين 85 و90 دولارا للبرميل بعد اندلاع التوترات العسكرية. ويعود ذلك إلى ما يعرف في الاقتصاد بما يسمى علاوة المخاطر الجيوسياسية، حيث تقوم الأسواق بتسعير احتمال تعطل الإمدادات حتى لو لم يحدث التعطل فعليا.

كما انعكست التوترات العسكرية على أسواق الذهب والعملات العالمية، فعلى الرغم من أن الذهب غالبا ما يرتفع في أوقات الأزمات باعتباره ملاذا آمنا، فإن بعض التداولات شهدت انخفاضا مؤقتا في سعر الذهب نتيجة ارتفاع الدولار. فالمستثمرون في أوقات التوترات يميلون أيضا إلى شراء الدولار باعتباره عملة احتياطية عالمية، وهو ما أدى إلى ارتفاع مؤشر الدولار في بداية الأزمة، الأمر الذي ضغط مؤقتا على أسعار الذهب قبل أن تعود الأسواق إلى التوازن.

أما قطاع النقل والشحن العالمي فقد كان من أول القطاعات التي تأثرت بهذه التطورات. فمع تصاعد التوترات في الخليج ترتفع عادة تكاليف التأمين على السفن التجارية التي تمر عبر مناطق النزاع، خاصة ما يعرف بتأمين المخاطر الحربية، وقد يؤدي ذلك إلى زيادة تكلفة التأمين البحري إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف المعدلات الطبيعية في بعض الحالات. وهذا الارتفاع ينعكس مباشرة على تكاليف الشحن البحري، وبالتالي على أسعار السلع في الأسواق العالمية.

كما أن ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي بدوره إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج الزراعي والصناعي، وهو ما قد ينعكس على أسعار الغذاء العالمية. فإنتاج الغذاء ونقله يعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة، سواء في تشغيل المعدات الزراعية أو في عمليات النقل والتخزين. ولذلك فإن استمرار التوترات العسكرية في الخليج قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة في أسعار الغذاء والطاقة في عدد من دول العالم.

وفي الوقت نفسه شهدت بعض الأسواق المالية العالمية حالة من التذبذب نتيجة حالة عدم اليقين التي تخلقها الأزمات الجيوسياسية. ففي مثل هذه الظروف تتجه رؤوس الأموال غالبا إلى الأصول الآمنة مثل الدولار والذهب والسندات الحكومية، بينما تتراجع شهية المستثمرين للاستثمار في الأسواق الأكثر خطورة.

أما بالنسبة لدول الخليج العربي، فإنها تجد نفسها في قلب هذه المعادلة الاقتصادية. فهذه الدول تمثل أكبر مصدر للطاقة في العالم، إذ تنتج السعودية نحو 10 ملايين برميل يوميا، بينما تنتج الإمارات نحو 3 ملايين برميل يوميا والكويت نحو 2.6 مليون برميل يوميا، إضافة إلى الإنتاج الكبير من الغاز الطبيعي في قطر التي تعد من أكبر مصدري الغاز المسال في العالم.

وقد يؤدي ارتفاع أسعار النفط نتيجة الحرب إلى زيادة الإيرادات المالية لدول الخليج على المدى القصير، إلا أن توسع الصراع قد يعرّض اقتصاداتها لمخاطر كبيرة. فالمنطقة شهدت سابقا حوادث أظهرت مدى حساسية أسواق الطاقة لأي هجوم على المنشآت النفطية، كما حدث في الهجوم على منشآت أرامكو عام 2019 الذي أدى إلى توقف نحو 5.7 ملايين برميل يوميا من الإنتاج مؤقتا ورفع أسعار النفط العالمية بشكل حاد.

كما أن اقتصادات الخليج لم تعد تعتمد فقط على النفط، بل أصبحت مراكز مالية واستثمارية عالمية تدير صناديقها السيادية أصولا تتجاوز 3.7 تريليونات دولار. ولذلك فإن أي تصعيد عسكري واسع في المنطقة قد يؤثر على الاستقرار المالي وعلى تدفقات الاستثمارات الدولية.

أما الاقتصاد الأمريكي، فرغم أنه الأكبر في العالم بناتج محلي يتجاوز 27 تريليون دولار، ويبلغ إنتاجه النفطي نحو 13 مليون برميل يوميا، فإنه يتأثر أيضا بتقلبات أسعار الطاقة وبتكاليف العمليات العسكرية الخارجية.

إدراك دول المنطقة لقيمتها الاقتصادية واستخدام أدواتها الاقتصادية بوعي واستقلالية؛ يمكن أن يشكّل عاملا مهما في إعادة التوازن إلى العلاقات الدولية وفي حماية مصالح شعوبها ومستقبلها الاقتصادي

كما أن الاقتصاد الإسرائيلي، الذي يبلغ ناتجه المحلي نحو 525 مليار دولار، يعتمد بدرجة كبيرة على الاستقرار الأمني لجذب الاستثمارات الأجنبية، وهو ما يجعله حساسا لأي حرب إقليمية واسعة قد تؤدي إلى تراجع الاستثمارات وتعطل بعض الأنشطة الاقتصادية.

وفي ضوء هذه التطورات، فإن الدرس الاستراتيجي الأهم بالنسبة لدول الخليج هو أن أمنها الاقتصادي والسياسي لا يمكن أن يعتمد على القوى الخارجية الأجنبية. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن القوى الكبرى غالبا ما تتحرك في المنطقة وفقا لمصالحها الاستراتيجية الخاصة، وقد تستخدم التحالفات العسكرية والقواعد الأجنبية لتحقيق أهدافها الجيوسياسية حتى لو كان ذلك على حساب استقرار المنطقة نفسها.

ومن هنا يصبح من الضروري أن تدرك دول الخليج أن حمايتها الحقيقية تبدأ من قدرتها على الاعتماد على نفسها وتعزيز تماسكها الداخلي، وبناء شراكات أوسع مع العالم الإسلامي. كما أن إعادة النظر في الاعتماد على القواعد العسكرية الأجنبية بات أمرا مهما، في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل، وتستخدم أرضها في خدمة عدوها الصهيوني بفعل حليفها الأمريكي.

والمنطقة التي تمتلك أكبر احتياطيات الطاقة في العالم يمكنها أيضا وقف ضخ النفط وتحقيق شلل للعالم حتى يحس بقيمتها من استباحوا أرضها. ولذلك فإن إدراك دول المنطقة لقيمتها الاقتصادية واستخدام أدواتها الاقتصادية بوعي واستقلالية؛ يمكن أن يشكّل عاملا مهما في إعادة التوازن إلى العلاقات الدولية وفي حماية مصالح شعوبها ومستقبلها الاقتصادي.

x.com/drdawaba
التعليقات (0)