"هذه ليست حربكم.. هذه الهجمات قوضت المفاوضات الجادة والفعالة
مرة أخرى، في وقت كانت فيه جهود الوساطة العمانية تقترب من تحقيق اختراق دبلوماسي في
الملف النووي" (تصريح وزير الخارجية العماني عند بداية القصف الصهيو-أمريكي
على
إيران بعد أن أوشكت الوساطة التي تقوم بها عمان أن تؤتي أكلها، حسب تصريحاته في
ذلك اليوم، 28 شباط/ فبراير2026).
"هذه ليست حربنا ولا يمكن إيقاف
الحرب إلا من قبل من أشعلها، يجب علينا
أن نفعل ما يتوافق مع مصالحنا. علينا الآن أن نقلل من عواقب تلك الصدمات العالمية التي
بدأنا نلاحظها بالفعل على اقتصادنا. ربما ينبغي علينا ضمان تحقيق الفوائد لأنفسنا حيثما
أمكن" (تصريح للكرملين الروسي عن الحرب الصهيو-أمريكية على
إيران، تاريخ 5 آذار/ مارس 2026).
من أقنع "الرئيس الغبي"
بالحرب؟
"نتنياهو حاول إقناع كل رئيس أمريكي بمهاجمة إيران، لكن ترامب كان الرئيس
الغبي الوحيد الذي اقتنع" (تصريح لعضو الكونغرس الأمريكي سارة جاكوبس).
حرب بدأتها دولة الكيان وقامت أمريكا بدعمها، وهو تصريح أثار الجدل وأظهر أمريكا والرئيس ترامب بمظهر التابع الذليل لنتنياهو
على مدار الأشهر الستة التالية لحرب حزيران/ يونيو 2025 قام نتنياهو بعدة زيارات
ولقاءات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأجل إقناعه بأن المهمة الأولى لم تؤد إلى
الهدف المنشود، وأقنعه بأن لديه من الأخبار ما يؤكد أن إيران تحدت أمريكا وتواصل تخصيب
اليورانيوم وأنها أعادت تشغيل بعض المفاعلات التي زعم ترامب أنها دمرت بالكامل، وأقنع
نتنياهو ترامب بأن قصة النووي الإيراني لم تنته بعد وأن إيران تواصل التحدي، وبناء
عليه يجب إعادة الكرة حتى ننتهي من هذا الملف ونستطيع بناء شرق أوسط جديد لا وجود فيه
لإيران ولا الإسلام السياسي ولا المقاومة، شرق أوسط جديد تقوده دولة الكيان.
لم يشن أي رئيس أمريكي عبر تاريخ أمريكا الحرب مرتين على إيران، رغم أن أمريكا
عبر رئيسين مختلفين شنت حربين على العراق في عهد بوش الأب عام 1991 (حرب تحرير الكويت)
وقام ابنه بوش الابن باستكمال المهمة في عام 2003 (غزو العراق). وبالمناسبة قامت إدارة
بوش الأب وبوش الابن بمنع تدخل دولة الكيان في الحربين نظرا لحساسية العرب من التدخل
الصهيوني، رغم قيام صدام حسين بقصف تل أبيب بالصواريخ.
داعية الحرب؟
ليندسي جراهام، عضو الكونغرس الأمريكي المسيحي المتصهين، هو أحد الأبواق المهمة
والأسماء المقنعة في دوائر الحزب الجمهوري والبيت
الأبيض، وهو يتصرف كما لو كان مستشارا سياسيا وحيدا للرئيس دونالد ترامب، وهو أحد دعاة
الحرب ليس على إيران ولا المقاومة بل على الإسلام نفسه، وهو من يصرخ ليل نهار بأن الحرب
القادمة هي "حرب دينية، من يفوز بها؟ هل الإسلاميون الإرهابيون المتطرفون الذين
يريدون قتل جميع اليهود لأن الله أمرهم بذلك، الذين يريدون قتلي لأنني كافر، الذين
يريدون تنقية الإسلام ورفض الاعتدال وجعل الجميع جهاديين، هذا أمر كبير وما نواجهه
سيحدد مستقبل الشرق الوسط لألف عام".
ليندسي جراهام خرج والحرب مشتعلة ليحض دول
الخليج على المشاركة باعتبار أنها
حربهم وليست حرب أمريكا ويهددهم بأنه إذا لم يشاركوا أمريكا والكيان الحرب فلن يتمتعوا
باتفاقيات الشراكة والحماية. وفي فيديو شهير له نشر مؤخرا، طالب من أسماهم بالحلفاء
الإقليميين بأن يطلقوا صواريخهم باعتبار هذه الحرب حربهم وعليهم أن يقوموا بها، وهذا
ما استدعى رد رجل الأعمال الإماراتي (من دبي) خلف الحبتور للرد العنيف عليه؛ صحيح أنه
اضطر لحذف التغريدة والسبب واضح وهو حتى لا يبدو أن هناك انقساما بين إمارتي أبوظبي
ودبي في مواقفهما من الحرب، ولكن كان واضحا أن مجتمع المال والأعمال بات مدركا لحجم
الخسائر التي خسرتها الإمارات منذ بدء الحرب.
حرب من إذن؟
إنها وباعتراف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حرب بدأتها دولة الكيان وقامت
أمريكا بدعمها، وهو تصريح أثار الجدل وأظهر أمريكا والرئيس ترامب بمظهر التابع الذليل
لنتنياهو، مجرم الحرب المدان من المحكمة الدولية، واضطر الوزير إلى تصويب ما قاله واعترف
بأنها حرب أمريكا التي بدأها ترامب، واخترع هو ورئيسه عددا من المبررات المضحكة؛ من
قوله إن إيران راعية الإرهاب إلى الزعم بأنها حاولت قتل الرئيس فبادر الرئيس بقتل آية
الله خامنئي، إلى الزعم بأن إيران كانت على بعد أيام من تصنيع القنبلة النووية، إلى
الادعاء بأن إيران كانت تعد العدة لقصف أمريكا أولا، ثم قالوا إن إيران كانت ستطلق
الطلقة الأولى على دولة الكيان ولكن نتنياهو بادر إيران بالقصف فكان لزاما علينا أن
ندعم الكيان، أو القول بأن الصواريخ الباليستية بعيدة المدى كانت لتصل إلى أمريكا وأوروبا.
ليست حرب أوروبا ولا روسيا
هذه الحرب ليست حرب روسيا ولا أوروبا التي لم تنضم دولها للحرب بشكل مباشر ولم
تعلن حكوماتها انضمامها ولا دعمها رغم أنها تكره إيران وتقف منها موقفا سياسيا معاديا
على طول الخط، فلا تزال بعض الدول مترددة والبعض الآخر رفض الحرب جملة وتفصيلا كما
فعلت إسبانيا، وبعض الدول الكبرى مثل بريطانيا رفضت في البداية استخدام أمريكا لبعض
قواعدها قبل أن تتراجع وتوافق بعدما أعلن ترامب عن غضبه ورفض مساعدة بريطانيا زاعما
أنها جاءت بعد النصر على إيران (أين هو النصر؟).
ليست حرب العالم العربي ولا الإسلامي
هذه الحرب ليست حربا إسلامية ولا عربية ولا خليجية، رغم إلحاح البعض على مسألة
أن إيران تعتدي على الدول الخليجية، وهذا صحيح ومدان، لكن لإيران وجهة نظر في الموضوع
قامت بتوضيحها للإخوة في دول الخليج على لسان رئيس إيران مسعود بزشكيان، وهو أن إيران
تهاجم القواعد الأمريكية المنتشرة في دول مجلس التعاون الخليجي. ورغم كل ما جرى ويجري
منذ بدء الحرب إلا أن معظم حكومات الخليج لا تزال ترى أن الأمر يمكن معالجته بالتفاوض
وليس بالحرب والقصف، لأنها ستكون الضحية الأولى لهذه الحرب الصهيو-أمريكية.
انقسام خليجي
الخليج ذاته منقسم تجاه هذه الحرب التي دعا إليها نتنياهو ونفذها بدعم أمريكي
مشهود، وهي حرب بلا استراتيجية ولا مدى زمني واضح ولا أهداف محددة، كما قال معظم منتقديها
في داخل أمريكا ذاتها.
على سبيل المثال تعتبر سلطنة عمان هذه
الحرب غير أخلاقية، خصوصا وأنها تعلم عبر وسيطها أن اتفاقا مريحا للجميع كان على وشك
التوقيع لولا أن نقضت أمريكا ما تم الاتفاق عليه، وهو يحقق ما تريده أمريكا وهو إنهاء
الملف النووي، ولكن نتنياهو عبر الضغط على المفاوضين الأمريكيين اليهوديين ستيف ويتكوف
وجاريد كوشنر أقنع ترامب بأن هذا الاتفاق لا يعني إنهاء كل شيء بالنسبة لإيران، وأن
إيران الضعيفة اليوم يمكن القضاء عليها مرة واحدة وللأبد، وللأسف فقد كان نفس الكلام
للأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله، ما يعني توافق وجهتي النظر الإماراتية والصهيونية
في مسألة الحرب على إيران.
عُمان وقطر والسعودية عبرت عن رفضها الحرب مع استنكارها لسلوك إيران العدواني
تجاه بلدانها، وكررت هذه الدول إعلانها بأنها لم ولن تشارك في العدوان على إيران، وقامت
إيران بالاعتذار لدول الخليج جميعها في محاولة تحييدها، واشترطت عدم استخدام أراضي
تلك الدول للعدوان عليها.
الإمارات وحيدة
بينما القصف العنيف مستمر والحرب مستعرة جرى اتصال بين محمد بن زايد ورئيس وزراء
الكيان الصهيوني نتنياهو، وهو اتصال تنسيقي كتبت عنه وكالة بلومبيرج ونشرت صحيفة التايمز
الصهيونية بعض التفاصيل، وفي الوقت الذي لا يزال الملايين عالقين في الإمارات ويمنع
عليهم المغادرة، سمحت الإمارات بنقل مئات المستوطنين الصهاينة من مطاراتها وإعادتهم
إلى فلسطين المحتلة.
الإمارات تبدو وحيدة في موقفها من هذه الحرب وقد نالت نصيب الأسد من الهجمات
الإيرانية، وعبرت غير مرة عبر بعض رجالها عن أنها لن تقف موقفا دفاعيا وأنها قد تضطر
للهجوم ما يعني أنها ستشارك في الحرب، ولعل تصريح محمد بن زايد يشرح نفسه حين قال:
"لحمنا مر وجلدنا غليظ".
من الانقسام الرسمي إلى الانقسام
الشعبي
إذن دول مجلس التعاون الخليجي منقسمة على نفسها، فعُمان والسعودية وقطر تتبنى
نهج الحكمة وتفضل مواصلة المساعي الدبلوماسية على الحرب التي حتما ستدفع دول الخليج
ثمنها بالكامل، والكويت والبحرين في منطقة الشك وربما تفضلان دخول الحرب مع أمريكا
ومعهما بالطبع دولة الإمارات التي تعتبر هذه الحرب هي حربها رغم ما نالها وسينالها من
خسائر.
الأمر لم يتوقف على انقسام رسمي، بل وعبر خطة خبيثة جارية محاولة نقل هذا الانقسام
إلى الشارع عبر أسطوانة وربنا يهلك الظالمين بالظالمين ويخرجنا من بين أيديهم سالمين،
وهي أسطوانة مشروخة تيتم إعادة ‘نتاجها في أي حرب تشنها دولة الكيان على المقاومة وخصوصا
حزب الله. وللأسف تم إنتاج هذه الأسطوانة مع المقاومة الفلسطينية إبان الحرب الصهيونية
على غزة (2023-2025) بحجة أن المقاومة لم تستأذن ولي الأمر، وبالتالي فجهادها ضد العدو
ممنوع شرعا، ومنهم من قال إن المقاومة لا تفرق كثيرا عن العدو وكلاهما كافر والعياذ
بالله، أو على الأقل طرف كافر ولكنه أقوى وطرف منافق أو مبتدع أو فاسق (اختر لك واحدة
من هذه الكلمات).
حرب المليشيات الإلكترونية
إذا كنت من متابعي السوشيال ميديا فبكل تأكيد ستدرك أن مليشيات الكترونية عربية
دخلت الحرب ضد إيران مبكرا، وهي مليشيات ممولة خليجيا بكل تأكيد، والحجة دائما أن إيران
خطر على الأمة الاسلامية كخطر أمريكا ودولة الكيان، فكلاهما عدو للأمتين العربية والإسلامية،
ولكن وحسب تفسير أحدهم أن إيران عدو ملتو وغير ظاهر يجب الحذر منه على عكس أمريكا ودولة
الكيان الواضحتين في العداء.
أين مجلس التعاون الخليجي والجامعة
العربية
حتى الرئيس ترامب لا يعرف كيف ستنتهي، وهو يقف ليرد على أسئلة الصحافيين باعتباره ملك الحرب والسلام لم يستطع الرد لأنه لا يزال لا يعرف
لم ينعقد مجلس التعاون الخليج على مستوى القمة حتى هذه اللحظة وبعد مرور أحد
عشر يوما على الحرب والقصف على الدول الخليجية ذاتها! هذا الخبر في حد ذاته يمثل إجابة
على حال هذه الدول وعدم قدرتها على حسم الأمور.
أين جامعة الدول العربية؟
لم تجتمع القمة العربية رغم أن أمريكا والكيان يشنان حربا قد تكون مصيرية ليس
بالنسبة لإيران بل للخليج وللعالم العربي، وهذا يعني أن العالم العربي أصبح في حكم
الميت وأن كل مسئول فيه ليس مسئولا بالمعنى الحقيقي إذا ما جاء الحديث عن الأمة وهمومها،
بل يخرج بعض المسئولين ليحدثوا شعوبهم عن الأضرار التي ستلحق بهم بسبب هذه الحرب التي
لم يشاركوا فيها، فما بالك إن شاركوا فيها؟
كيف ستنتهي الحرب؟
حتى الرئيس ترامب لا يعرف كيف ستنتهي، وهو يقف ليرد على أسئلة الصحافيين باعتباره
ملك الحرب والسلام لم يستطع الرد لأنه لا يزال لا يعرف، لكن سياسيا أمريكيا سابقا هو
وزير خارجية أمريكا السابق أنتوني بلينكن قدم رؤية اعتبرها أقرب سيناريو للخروج، ففي
مقابلة تلفزيونية قال بلينكن: يمكن لترامب والأمر هكذا أن يعلن النصر وأنه دمر أسلحة
إيران وتركها ضعيفة، وبالتالي ها هو الهدف المنشود قد تحقق، وبالتالي يمكنه إعلان وقف
الحرب والانتصار. وهذا الكلام الذي ذكره بلينكن يتوافق مع شخصية ترامب الباحث عن النصر
بأي صورة ويمكن من خلال هذا التصور إرضاء غروره، قبل أن تغرز أقدامه في المستنقع الإيراني
كما فعل أسلافه في حروب مشابهة.