لماذا توسّع إيران رقعة المعركة؟

مأمون أبو عامر
"عندما يتوسّع نطاق الحرب جغرافيا، تصبح الحسابات أكثر تعقيدا"- الأناضول
"عندما يتوسّع نطاق الحرب جغرافيا، تصبح الحسابات أكثر تعقيدا"- الأناضول
شارك الخبر
إن توسيع نطاق الضربات الإيرانية ليشمل أهدافا داخل دول الخليج وحتى قبرص يغيّر طبيعة الصراع من مواجهة ثنائية إلى ساحة إقليمية مفتوحة، ويطرح أسئلة جوهرية حول النوايا والرسائل الاستراتيجية الكامنة خلف هذا الخيار.

يمكن قراءة هذا السلوك من عدة زوايا:

أولا: استهداف الوجود الأمريكي مباشرة

إذا كانت الضربات موجّهة نحو قواعد أو مصالح أمريكية، فهذا يعني الانتقال من منطق "الردع المتبادل" إلى منطق "كسر الهيمنة". هنا يصبح الهدف إظهار أن أي حرب ضد إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها، بل ستطال البنية العسكرية والأمنية الأمريكية في الخليج.

ويُطرح في هذا السياق تساؤل حول حدود القدرة الإيرانية على الاستمرار في إدارة مواجهة من هذا النوع مع قوة بحجم الولايات المتحدة، أم أنها تريد وضع ترامب أمام معادلة واضحة: تكلفة بقائي أقل من تكلفة إسقاطي؟
يُطرح في هذا السياق تساؤل حول حدود القدرة الإيرانية على الاستمرار في إدارة مواجهة من هذا النوع مع قوة بحجم الولايات المتحدة، أم أنها تريد وضع ترامب أمام معادلة واضحة: تكلفة بقائي أقل من تكلفة إسقاطي؟

ثانيا: توسيع مسرح العمليات لخلط الأوراق

عندما يتوسّع نطاق الحرب جغرافيا، تصبح الحسابات أكثر تعقيدا؛ تجد دول الخليج نفسها أمام معادلة صعبة بين تحالفاتها الأمنية واستقرارها الداخلي، وتُجبر واشنطن على إعادة توزيع قواتها وإعادة حساباتها، وتُدفع أوروبا -في حال استهداف قبرص مثلا- إلى الانخراط سياسيا أو أمنيا.

بهذا المعنى، قد يكون التوسيع يصب في مسار الضغط وليس إعلان حرب شاملة.

حسابات المعركة

الدخول في هذا النوع من المواجهة، واعتماد هذه الحسابات، يطرح تساؤلا مهما: هل تشعر إيران بأنها ليست وحدها؟ يمكن رصد ذلك من عدة زوايا:

1) التحالفات الإقليمية: يبدو أن هذا العامل تراجع، خاصة بعد تعرّض حلفاء إيران -أو ما يُطلق عليهم "الأذرع الإيرانية"- لضربات قاسية أضعفتهم بشكل كبير، ولم يعد ممكنا إدراج هذه القوى في ميزان المعادلة بصورة فاعلة، إلا إذا قدّم أحد هؤلاء الحلفاء مفاجأة غير متوقعة.

2) التحالفات الدولية: يعتمد هذا البعد على شبكة تحالفات غير مباشرة، وعلى دعم سياسي من قوى كبرى منافسة لواشنطن، غير أن المشكلة تكمن في أن الحلفاء المفترضين -من خلف الستار- لا يبدون حماسا لتقديم الأدوات اللازمة لتحقيق الأهداف المنشودة.

فالنفي الصيني المتكرر لدعم إيران، سواء بالمضادات الجوية أو بتزويدها بنسخ مطوّرة من صواريخ كروز المضادة للسفن، يثير تساؤلات، خاصة عندما يصدر هذا النفي عن السفارة الصينية في تل أبيب.

أما موسكو، التي استفادت من إيران في الحصول على تقنيات الطائرات المسيّرة الانتحارية التي لعبت دورا مهما في حربها مع أوكرانيا، فلم تُظهر تحركا واضحا لدعم إيران بقدرات تمكّنها من التصدي للطائرات الإسرائيلية أو الأمريكية أو لمنظومات الصواريخ.

ورغم أن موسكو وبكين قد تكونان من أكثر المستفيدين من معادلة استنزاف الوجود الأمريكي في الخليج، فإن ذلك لم يُترجم إلى دعم عسكري نوعي مباشر، خصوصا أن كسر إيران أو تغيير نظامها قد يشكل ضربة لمصالح استراتيجية صينية، سواء في مجال الطاقة أو الأسواق. لكن مع ذلك تبقى مسألة الدور الصيني والروسي محل تساؤل: هل فعلا بعيدان عن المواجهة والرغبة في استنزاف أمريكا في هذه الحرب؟

إيران قد لا تسعى إلى "الانتصار" بقدر ما تسعى إلى "النجاة"؛ الهدف ليس هزيمة الخصم عسكريا، بل منعه من تحقيق أهدافه. وفي هذا السياق، يمكن تعريف الفوز بالنسبة لإيران بأنه البقاء؛

3) الحسابات الدولية الأوسع: ثمة أطراف دولية تخشى انهيار الاستقرار في الخليج بسبب تأثيره المباشر على الطاقة والاقتصاد العالمي، ما قد يشكّل عامل كبح لأي سيناريو انهيار شامل.

ثالثا: خيار "شمشون" أم استراتيجية بقاء؟

هل تشعر إيران بحالة من الإحباط دفعتها إلى ما يُعرف بـ"الخيار الشمشوني"، أم أنها تتبنى استراتيجية بقاء محسوبة؟ يفترض منطق "الخيار الشمشوني" أن إيران تدرك استحالة الانتصار العسكري التقليدي بسبب فارق القوة، فتتجه إلى رفع كلفة الحرب إلى الحد الأقصى على الجميع.

لكن يمكن قراءة المسألة بصورة مختلفة: إيران قد لا تسعى إلى "الانتصار" بقدر ما تسعى إلى "النجاة"؛ الهدف ليس هزيمة الخصم عسكريا، بل منعه من تحقيق أهدافه. وفي هذا السياق، يمكن تعريف الفوز بالنسبة لإيران بأنه البقاء؛ أي أن "البقاء" ذاته يصبح تعريفا للنصر.

الخلاصة

في ظل غياب عوامل مشجّعة واضحة تبرّر هذا التوسيع للمعركة، يبقى التساؤل قائما، ومع ذلك، يمكن فهم سلوك القيادة الإيرانية على أنه محاولة لفرض معادلة ردع جديدة: "أي حرب ضد إيران لن تكون نظيفة أو محدودة، بل ستكون مكلفة إقليميا ودوليا". وقد تراهن طهران على أن أحدا لن يسمح بسقوطها الكامل خوفا من الفوضى، ما يمنحها هامشا للمغامرة المحسوبة.

يبقى السؤال الجوهري الآن: هل تستطيع إيران أن تفوز بمعنى أن تبقى؟ وهل تستطيع الأطراف الأخرى تحمّل كلفة إسقاطها؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)