بعد رفض عرض "موانئ أبوظبي"، في كانون الأول/ديسمبر الماضي، للاستحواذ على شركة "الإسكندرية لتداول الحاويات"، جددت المجموعة
الإماراتية التي تسيطر على قطاع واسع من الموانئ
المصرية طلبها مع وزيادة نسبة عرضها ورفع قيمة المقابل المالي، ما يثير التساؤل حول دلالات الإصرار الإماراتي على إنفاذ الصفقة.
وإثر الإعلان عن استحواذ شركة "ألكازار إنرجي" الإماراتية الأربعاء الماضي، على محطة "رياح جبل الزيت"، في صفقة بقيمة 420 مليون دولار لمدة 25 عاما، تقدمت الخميس، شركة "بلاك كاسبيان لوجيستيكس هولدنج ليمتد" بعرض شراء إجباري لرفع حصتها بالشركة المصرية حتى 90 بالمئة، من 19.33 بالمئة حجم حصتها الحالية.
الشركة المملوكة لمجموعة "موانئ أبوظبي"، عرضت على "الهيئة العامة للرقابة المالية" (حكومية) سعرا للسهم بنحو 27.47 جنيها، وذلك ارتفاعا عن عرضها السابق نهاية العام الماضي والذي حددته حينها بـ 22.99 جنيها للسهم بزيادة 4.48 جنيها فقط وبنسبة 19.5 بالمئة.
لكن العرض الإماراتي للاستحواذ على الشركة الأعرق بقطاع النقل البحري والتي تأسست عام 1984، وتدير محطتين في مينائي الإسكندرية والدخيلة وتواصل تحقيق أرباحا قوية؛ يعد أقل بنحو 3.1 بالمئة عن سعر إغلاق سهم "الإسكندرية للحاويات" البالغ 28.36 جنيه بجلسة الخميس الماضي.
حصص ملكية معقدة
وفي كانون الثاني/يناير الماضي، وردا على عرض الشركة الإماراتية السابق رفضت "الشركة القابضة للنقل البحري والبري"، التابعة لوزارة النقل المصرية، بيع حصتها البالغة 35.4 بالمئة، وأعلنت تمسكها بكامل أسهمها في "الإسكندرية للحاويات".
وبإضافة حصة "القابضة للنقل" إلى حصة "هيئة ميناء الإسكندرية" البالغة 7.6 بالمئة، تبلغ حصة الحكومة المصرية من أسهم "الإسكندرية الحاويات" نحو 43 بالمئة، ما يجعل الحكومة المصرية ركنا أساسيا في تمرير الصفقة أو رفضها.
اظهار أخبار متعلقة
على الجانب الآخر، تبلغ حصة شركة "ألفا أوريكس ليمتد" المملوكة للمجموعة "القابضة" (ADQ) الإماراتية حوالي 32 بالمئة، تملكتها منذ نيسان/ أبريل 2022، مقابل 186 مليون دولار.
وآلت حصة 19.32 بالمئة إلى "بلاك كاسبيان لوجيستكس هولدينغ ليمتد" الإماراتية، منذ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، حيث اشترت مجموعة "موانئ أبوظبي"، حصة "الشركة السعودية المصرية للاستثمار"، التابعة لـ"صندوق
الاستثمارات العامة السعودي"، مقابل 13.24 مليار جنيه، في صفقة أثارت جدلا واسعا.
وفي حين تمتلك الإمارات ممثلة في "موانئ أبوظبي"، والقابضة (ADQ) حصة حاكمة تصل 51.32 بالمئة، فإنه عرض "بلاك كاسبيان" المتوقع إتمامه حال موافقة الجهات التنفيذية المصرية في النصف الثاني من العام الحالي، يشمل الاستحواذ على حصة شقيقتها الإماراتية "ألفا أوريكس" البالغة 32 بالمئة في "الإسكندرية لتداول الحاويات".
ملف حساس
"الإسكندرية للحاويات"، التي تعمل بالسوق المصري لنحو 42 عاما يُعد ملفها أحد أكثر الملفات حساسية في برنامج الخصخصة المصري، ويمس الأمن القومي المصري، نظرا لموقعها الاستراتيجي وإدارتها بطاقة استيعابية سنوية تبلغ 1.5 مليون حاوية مكافئة، مينائي الإسكندرية والدخيلة، اللذين يمر عبرهما نحو 60 بالمئة من تجارة مصر الخارجية (36.4 بالمئة واردات، و23.8 بالمئة صادرات) لعام 2024 وفقا لجهاز التعبئة والإحصاء.
وخلال حرب الإبادة الدموية الإسرائيلية على قطاع غزة (2023-2025)، وأثناء الحرب (الأمريكية-الإسرائيلية) على إيران تداولت أنباء عن استقبال موانئ مصرية لسفن محملة بأسلحة ومعدات عسكرية إلى كيان الاحتلال، ما يثير مخاوف مصريين ومعارضين من سيطرة إماراتية على أهم موانئ مصر وشركاتها البحرية وأعمال الشحن والخدمات البحرية واللوجستية، خاصة مع تعاظم درجات التطبيع بين أبوظبي وتل أبيب منذ 15 أيلول/سبتمبر 2020.
وبينما تسيطر "موانئ دبي" و"موانئ أبوظبي"، على موانئ مصرية منها: العين السخنة (بالمدخل الجنوبي لقناة السويس)، وسفاجا، والغردقة، وشرق بورسعيد، والإسكندرية، والدخيلة، وعلى تلك الحصص في الإسكندرية للحاويات، يؤكد مراقبون مصريون أنها بهدف السيطرة ودمج الموانئ المصرية ضمن شبكتها لضمان عدم منافسة ميناء "جبل علي".
وخلال العرض السابق نهاية العام الماضي، من "موانئ أبوظبي"، للاستحواذ على "الاسكندرية للحاويات"، قال الرئيس التنفيذي للمجموعة الإماراتية محمد جمعة الشامسي، إن الاستحواذ سيسهم في "توسيع نطاق عمليات الشركة في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية"، مضيفا أن "الاستثمار سيسهل حركة التجارة ويوسع استثمارات الشركة في مصر التي تُعتبر من أسرع الأسواق الدولية نموا للشركة".
وفي الوقت الذي أكد بيان "هيئة الرقابة المالية"، أن العرض قيد الدراسة، دون إشارة لاحتمالات قبول أو رفض الحكومة العرض كما المرة السابقة، قالت نشرة "إنتربرايز"
الاقتصادية إن "الحكومة تتمسك بحصتها (43 بالمئة)، إذ تفضل الانتظار ريثما ترتفع قيمة الشركة، البوابة الرئيسية على البحر المتوسط، بدلا من التخارج بالتقييمات الحالية".
والسؤال: رغم رفض عرض "موانئ أبوظبي"، السابق قبل 7 شهور، للاستحواذ على "الإسكندرية للحاويات"، ما سر الإصرار الإماراتي على السيطرة على الشركة المصرية الأعرق في مجال النقل البحري؟.
اظهار أخبار متعلقة
للسيطرة وارتهان القرار
وهنا يرى الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى يوسف، أن "إصرار الإمارات هو استكمال لمسلسل محاولات السيطرة على الشركات العاملة بقطاع الموانئ والنقل البحري، حيث تحاول (موانئ دبي) عمل جبهة موازية لمبادرة (الحزام والطريق) الصينية، بالسيطرة على الموانئ بتعاون إسرائيلي وتبعية كاملة للأمريكان".
الباحث في الاقتصاد السياسي والتنمية والعلاقات الدولية، وفي حديثه لـ"عربي21"، لفت إلى "بعد ثاني هو بعد السيطرة على مصر كأكبر دولة عربية سكانا، وسوق كبير، والتحكم في مفاصل القرار المصري لأجل التبعية التامة والارتهان للقرار الإسرائيلي".
وأوضح أنه "في ظل الأزمات المالية تمكنت أبوظبي من الحكومة المصرية التي تعتبر الإمارات الداعم والكفيل، وكما عبر رجل الأعمال نجيب ساويرس قبل أيام بقوله إن (محمد بن زايد الأب الروحي لمصر) في تعليق غير مقبول وغير مبرر وغير محترم ولكنه كاشف عن رؤية (نظام 3 يوليو) والمتنفذين في مصر الآن، لأبوظبي".
ويرى أن "الأخطر يمس الأمن القومي، بوضع شركة بحجم (الإسكندرية للحاويات) بما تمثله تحت سيطرة جهات لها ارتباطات بالكيان المحتل"، مؤكدا أن "إسرائيل والإمارات وجهان لعملة واحدة وجه عبري والآخر عربي والأخطر في الوجه العربي أنه ينفذ بدقة، كما قال المفكر المصري الدكتور عبدالوهاب المسيري: (اسمه محمد ويصلي العشاء بجوارك في الصف الأول)".
الخبير المصري، أكد أنه "وفق بعد استراتيجي فالسيطرة على قطاع حيوي وحساس مثل هذا يؤدي إلى اختراق رهيب للأمن القومي، ووضع الصناعات الحيوية تحت سيطرة اللوبي الإسرائيلي منتهي الخطورة"، مضيفا: "ومن جهة اقتصادية بحتة فالشركة رابحة والاستحواذ مربح للإمارات".
وفي نهاية حديثه أشار إلى ضعف العرض المقدم (نحو 27 جنيها بنحو نصف دولار ، ورفع السعر عن العرض السابق من 22 جنيه بنحو 4 جنيها فقط نحو 8 سنتات)، مشيرا إلى أنه "كان يمكن في عهد حسني مبارك إقامة دعوى قضائية وتنظيم فاعليات رافضة وضغوط إعلامية؛ لكن الآن لا شيء من هذا في ظل دائرة ضيقة ترتع في الفساد".
ليست مجرد شركة
وفي قراءته قال السياسي المصري السابق الدكتور محمد عماد الدين، لـ"عربي21"، إن "الإصرار الإماراتي يمكن فهمه عبر عدة مستويات متداخلة: اقتصادية، ولوجستية، وجيوسياسية، واستراتيجية".
وأضاف: "أولا: هي ليست مجرد شركة حاويات؛ وكثيرون ينظرون للصفقة باعتبارها شراء شركة تحقق أرباحاً جيدة، لكن القيمة الحقيقية ليست بأرباحها فقط، لأنها تدير جزء من أهم بوابة بحرية لمصر، فيمر عبر مينائي الإسكندرية والدخيلة أكثر من نصف تجارة مصر الخارجية".
عضو مجلس الشعب المصري سابقا، أوضح أن "من يسيطر على إدارة الحاويات لا يسيطر فقط على رافعات ومخازن، بل يمتلك: بيانات حركة التجارة، وشبكات الشحن العالمية، وخطوط الإمداد، والعقود طويلة الأجل مع الشركات الدولية، والتأثير على كفاءة وسرعة حركة الواردات والصادرات، لذلك فالقيمة الاستراتيجية للشركة أكبر بكثير من قيمتها المالية المباشرة".
وثانياً: ألمح السياسي المصري إلى "موقع الإسكندرية الفريد جغرافياً"، مؤكدا أن "ميناء الإسكندرية ليس ميناءً عادياً، فيقع بمدخل شرق المتوسط، وقرب قناة السويس، وخطوط التجارة بين أوروبا وآسيا، وطرق الطاقة القادمة من الخليج؛ لذلك فالسيطرة على محطة حاويات رئيسية فيه تمنح المستثمر قدرة أكبر على الربط بين أصوله البحرية المختلفة".
استراتيجية الإمارات
عمادالدين، لفت ثالثا إلى أن "الإمارات تبني إمبراطورية موانئ عالمية، ولفهم الإصرار الإماراتي يجب النظر إلى المشروع الأكبر؛ فهي ليست شركة محلية عادية، بل جزء من استراتيجية إماراتية ممتدة منذ أكثر من عقدين لتحويل الإمارات لمركز رئيسي للتجارة العالمية وسلاسل الإمداد".
و"خلال السنوات الماضية توسعت الإمارات في: البحر الأحمر، والقرن الأفريقي، وشرق أفريقيا، والبحر المتوسط، وآسيا الوسطى؛ بهدف بناء شبكة مترابطة من الموانئ والمحطات البحرية والمناطق اللوجستية، ومن هذه الزاوية تصبح الإسكندرية حلقة شديدة الأهمية في الشبكة البحرية الإماراتية".
وتحدث رابعاً، حول "انتقال الصراع العالمي إلى الموانئ"، مبينا أن "العالم يشهد منافسة ضخمة على الموانئ والممرات البحرية، والصين بنت مشروع (الحزام والطريق)، وتسعى شركات أوروبية وأمريكية وخليجية للسيطرة على العقد اللوجستية حول العالم؛ وفي هذا السياق لا تُنظر إلى الموانئ باعتبارها أصولاً تجارية فقط، بل باعتبارها أدوات نفوذ استراتيجي".
لهذا تجدد العرض
وفي تفسيره لزيادة الإمارات العرض بعد الرفض، أشار السياسي المصري إلى 3 تفسيرات محتملة هي: "الثقة في القيمة المستقبلية لشركة تحقق أرباحاً مرتفعة وتمتلك أصولاً استراتيجية يصعب تكرارها"، و"الرغبة في السيطرة الإدارية الكاملة بامتلاك حصة مؤثرة يختلف عن امتلاك القدرة على توجيه القرار الإداري والاستثماري"، و"أهمية الأصل داخل الشبكة الإماراتية الأوسع، فبعض الأصول تكون قيمتها داخل المنظومة أكبر من قيمتها منفردة".
اظهار أخبار متعلقة
وعن رؤيته للأبعاد السياسية والأمنية، في الأمر، قال إن "الموانئ ذات أهمية أمنية واستراتيجية لأي دولة، ومعظم دول العالم تتعامل بحذر شديد مع بيع أصول النقل البحري الحيوية"، ملمحا إلى أن "الربط بين الصفقة وملفات حرب غزة ونقل الأسلحة أو غير ذلك، بالطبع أحد الاسباب الرئيسة؛ لكن الأهم هو الدور الوظيفي التي تقوم به الإمارات لخدمة المشروع الصهيوني وإقامة إسرائيل الكبرى وهذا واضح في أدوارها بالبحر الأحمر والسودان وإثيوبيا وليبيا"، مبينا أنه من "الطبيعي أن تثير أي عملية نقل ملكية لأصول استراتيجية أسئلة تتعلق بالأمن القومي والسيادة الاقتصادية".
وخلص للقول: "لهذا فإن الجدل الحقيقي ليس: هل السعر مناسب أم لا؟ بل: ما الحدود التي ينبغي أن تقف عندها الخصخصة عندما يتعلق الأمر بأصول تمس الأمن الاقتصادي والسيادة اللوجستية للدولة؟ وهل تُقاس هذه الأصول بمعايير الربح والخسارة فقط، أم بمعايير الأمن القومي والمصلحة الاستراتيجية طويلة المدى؟".