في الذكرى الثالثة
عشر لتوقيع استمارة "
تمرد" ضد الرئيس الراحل محمد مرسي عام ٢٠١٣, دشن نشطاء
ومعارضون
مصريون استمارة على غرارها تحت اسم "تشرد"، متهمين رئيس النظام
المصري عبدالفتاح
السيسي، بالوصول بالمصريين إلى حالة التشرد والجوع والفقر والمرض،
وفق قول البعض عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وفجر هذا الحديث الناشط
جمال والي، بنشر صورة له عبر صفحته بـ"فسبوك"، بينما كان يوقع استمارة
"تمرد"، عام 2013، واصفا إياها بـ"الاستمارة المهببة"، مشيرا إلى
أن الاحتجاج حينها كان على وصول سعر اسطوانة البوتاجاز للاستخدام المنزلي 7 جنيهات،
وعلى وصول سعر صرف الدولار 5 جنيهات، وحتى لا يصل سعر البنزين والسولار 1.5 جنيه.
وأضاف، في المنشور
الذي حذفه لاحقا، أنه سخر من نفسه، مبينا أنه وكل من وقع استمارة تمرد "شرب المقلب"،
قائلا لنفسه ولهم: "أدبا لينا المفروض كلنا نمضي (نوقع) على
استمارة تشرد"،
مؤكدا أن هذا "أقل عقاب لنا".
في ذات السياق، كتب
رئيس تحرير موقع "International Investigative
Centre" الاستقصائي،
ناجي عباس، عبر صفحته بـ"فيسبوك": "أيام مرسي كانت هناك استمارة (تمرد)،
تفتكر ممكن نعمل إيه دلوقتي (الآن)؟، مجيبا بقوله: "استمارة تشرد".
وقدم عباس، نموذجا
ساخرا لاستمارة "تشرد"، المقترحة قال فيها: "نحن الموقعين أدناه، نعلن
قبولنا بالانتقال الرسمي في مصر من خانة (مواطنين) إلى خانة (مشردين)" تحت بند
المنفعة العامة، ونقر بالآتي: الموافقة على عدم تطبيق القانون إلا على المشردين".
وأعلنت الاستمارة الساخرة:
"الموافقة على تحولنا في أي لحظة نحن وعيالنا وبيوتنا إلى منفعة عامة، مقابل الحصول
على شهادة رسمية بختم (مشرد)، والموافقة على الانتقال فور المشي في الشارع إلى أي زنزانة
تختارها الحكومة، مع الإقرار بانعدام الحق في السؤال عن السبب، ولا يُفرج عنا إلا بعد
التعهد بالجمع بين رأي الدولة ورأي الأمن الوطني، وتقبل الإهانة والمرمطة والشحططة
والقلوظة باعتبارها إعادة تربية وتعليم للمواطن".
وفي إجابته على السؤال:
كيف الفكرة المتداولة لاستمارة "تشرد" عن حجم ما طال المصريين في عهد السيسي؟،
وتوقعات حجم انتشارها؟، وتأثيرها المحتمل على النظام المصري، قال ناجي عباس، لـ"عربي21"،
إن "البوست مكتوب للتدليل على سوء الحال وليس أكثر، ولا يستهدف أكثر من ذلك"،
مؤكدا أن "النظام لن يسقط إلا بحركة جماهيرية واسعة أو بتخلي الجيش عنه".
وعلى ذات منوال جمال
والي، وناجي عباس، تداول نشطاء صورة استمارة "تمرد"، واصفينها بالاستمارة
"السيئة"، ومطالبين المصريين الذين "شربوا المقلب الكبير" ووقعوا
سابقا على استمارة "تمرد"، بالاعتراف بالخطأ والتوقيع على استمارة
"تشرد".
وأكد نشطاء ومعلقون
أن "الفكرة من باب التندر والسخرية كسلاح مقاومة"، فيما قدم بعضهم مقترحات
لاستمارة تحت شعار المقاومة بنص يقول: "أنا المواطن المصري الموقع أدناه ابن الأرض
السمراء أقاوم أية محاولة لتغييب، وتزييف، وتدمير، بلدي".
"أنا المواطن المصري الموقع أدناه ابن الأرض
السمراء أرفض تولي اللصوص، والفسدة، والجهلاء مقاليد القيادة لدولة بحجم مصر".
"أنا المواطن المصري الموقع أدناه ابن الدولة
المصرية وربيب الأمة المصرية أطالب بانتهاء الفساد ومقاومته، وبناء دولة قوية".
تعبر عن حجم المجاعة
وفي رؤيته لأهمية فكرة
استمارة "تشرد"، واحتمالات قيامها بنفس دور استمارة "تمرد"، قال
عضو تكنوقراط مصر الدكتور سعيد عفيفي، لـ"عربي21"، إنها "تعبر عن ما
وصل إليه شعب أصبح على حافة المجاعة، طبقا لتقارير البنك الدولي حول نسب من وصلوا تحت
خط الفقر في البلاد".
وأكد أن ذلك
"مؤشر واضح على الفشل الاقتصادي الذي كان سببا رئيسيا فيه رأس النظام وإدارته
بأهم قواعد إدارة الاقتصاد والسياسة؛ حيث تحولت الساحة إلى مجموعة أبواق تردد كلاما
لا وجود له على أرض الواقع، ولا أحد يلمس حتى تحسنا للأفضل في المنظور القريب".
اظهار أخبار متعلقة
ويعتقد أن "كلمة
تشرد قليلة على الوضع العام في مصر؛ لأن التشرد في الدول المحترمة يقابله قوانين تحد
منه وبأساليب مختلفة وبميزانية ضخمةً للحد من التشرد؛ أما عندنا فهناك قوانين وميزانيات
تعمل على زيادة التشرد وليس معالجته".
وقال: "أنا مع
أي وثيقة تعمل على رفع وعي الناس كي يتحركوا للخلاص والانعتاق من الفساد الذي ضرب كل
مفاصل الدولة".
استمارة تمرد
وقبل أن يكمل الرئيس
الراحل محمد مرسي 10 شهور من ولايته الرئاسية المحددة بـ4 سنوات وفقا للدستور، ظهرت
استمارة "تمرد" نهاية نيسان / أبريل 2013، بهدف سحب الثقة من الرئيس مرسي
والدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة، مع جمعها 22 مليون توقيعاً حتى 30 حزيران / يونيو
2013.
نصت الاستمارة على
التالي: "لأننا لا نأمن على مستقبل وطننا الذي ضحينا من أجله.. ولأننا نرى مصر
تنهار يوماً بعد يوم.. ولأننا فقدنا الأمل في تحقيق أي هدف من أهداف الثورة.. ولأن
الشرعية الحقيقية مستمدة فقط من الشعب.. ولأننا نرى رئيس الجمهورية يفشل في حماية أهداف
الثورة ومصالح الشعب.. فإننا نوقع على هذه الاستمارة لسحب الثقة من الدكتور محمد مرسي،
والمطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، والدعوة لكل ميادين التحرير وميادين الثورة
في كافة محافظات مصر لاستكمال ثورتنا".
حظيت الحملة بدعم جهات
مخابراتية وسيادية وقوى معارضة مثل "جبهة الإنقاذ"، وحركة "كفاية"،
والأزهر والكنيسة والمؤسسة العسكرية، إلى جانب دولة الإمارات، وفق تقارير صحفية، واعترافات
مشاركين في تلك الحملة لاحقا.
لماذا استبدل المصريون
"تمرد" بـ"تشرد"؟
شهد الاقتصاد المصري
بين (2013 و2026)، تحولات مؤثرة على حياة 109 ملايين مصري في الداخل، تضمنت معاناتهم
مع التضخم المرتفع، وزيادة نسب الفقر والفقر المدقع، وتراجع نسب الزواج وتفاقم معدلات
الطلاق، وانتشار الجريمة والبلطجة والسرقة، وتراجع قيمة العملة المحلية، وندرة العملات
الأجنبية، وتضاعف حجم الديون الخارجية، وبيع الأصول والشركات الحكومية والأراضي الاستراتيجية،
وسيطرة المالي الخليجي وخاصة الإماراتي على قطاعات واسعة.
وبحسب الأرقام الرسمية
فإن معدل التضخم عام 2013، سجل 9 بالمئة، ليرتفع عام 2015، إلى 11 بالمئة، ثم إلى
33 بالمئة عام 2017، و ليسجل ذروة تاريخية تخطت حاجز 34 بالمئة بين عامي 2023 و2024،
بسبب تراجع قيمة الجنيه ونقص العملة الأجنبية، ليسجل خلال العام الجاري نحو 14.9 بالمئة.
وفي ملف العملة المحلية،
دار متوسط سعر صرف الجنيه مقابل الدولار عام 2013، حول 7 جنيهات، لتتخذ حكومة السيسي،
أول قرار بتعويم الجنيه تشرين الثاني/نوفمبر 2016، لتهبط قيمته إلى 18 جنيها مقابل
الدولار رسميا، لتواصل العملة المحلية الهبوط مع توالي قرارات التعويم التي وصلت بسعر
الصرف إلى 30 جنيه بالبنوك في تعويم آذار/مارس 2024، مع خلق سوق سوداء وصلت 60 جنيها،
ليسجل الجنيه حاليا نحو 53 جنيها، ما سبب أزمات اقتصادية حادة وأثر على مستوى دخل ومعيشة
المصريين.
وفي أزمة الدين الخارجي،
شهد عهد السيسي، طفرة تاريخية يشبهها معارضون بفترة استدانة الخديوي إسماعيل بالقرن
الـ19، والتي أدت إلى احتلال إنجلترا لمصر 74 عاما، حيث بلغ بنهاية (2012 / 2013) إجمالي
الدين الخارجي 43.2 مليار دولار، ما مثل 16.3 بالمئة من الناتج المحلي، ليسجل الدين
الخارجي 163.9 مليار دولار بنهاية 2025.
ويتعين على مصر سداد
524.5 مليون دولار لصندوق النقد الدولي حزيران/يونيو المقبل، وذلك قبل أن تسدد القاهرة
خلال آيار/مايو الحالي 330.6 مليون دولار بخلاف 704 ملايين دولار في أول 4 أشهر من
العام الجاري، لتكون بنهاية النصف الأول من العام قد سددت 1.659 مليار دولار للصندوق،
وهي مبالغ تشمل أقساط من قروض سابقة حصلت عليها مصر بجانب رسوم وفوائد عليها.
وقبل أيام، أفادت وكالة
"رويترز"، أن مصر تعتزم اقتراض 400 مليون دولار عبر طرح أذون خزانة مقومة
بالدولار، بهدف سداد قرض آخر مستحق بقيمة 485.5 مليون دولار كان قد حصلت عليه سابقاً
بعائد 4.2 بالمئة.
اظهار أخبار متعلقة
وخلال عهد السيسي،
تم إقرار نحو 15 زيادة في أسعار المواد البترولية، فيما جاءت أحدث الزيادات في تشرين
الأول/أكتوبر 2025، وآذار/مارس الماضي، ليصل سعر لتر بنزين (95) إلى 21 جنيهاً، و(92)
إلى 19.25 جنيهاً، و(80) إلى 17.75جنيهاً، بينما وصل سعر لتر السولار إلى 17.5 جنيهاً؛
وذلك ارتفاعا من 275 قرشا، و185 قرشا، و90 قرشا، و110 قروش، عام 2013.
وفي مقابل تقليص دعم
الوقود والكهرباء، تتجه الحكومة لتقليص الدعم التمويني واستبدال الدعم السلعي بالنقدي
اعتباراً من تموز/يوليو المقبل، ما يزيد من مخاوف ملايين الفقراء.
معيار النجاح والفشل
وحو أسباب إطلاق مصريين
لاستمارة "تشرد"، يرى عفيفي، أن "المعيار الاقتصادي هو مقياس نجاح أي
حاكم، وليس إطلاق الكلام المعسول أو سرد إنجازات لا تنعكس بفائدة على الشعب؛ وبالتالي
فمهما تحدث نظام السيسي وإعلامه يظل سؤال الناس: ما فائدة ما يقال عنها إنجازات على
حياتنا؟".
وفي حديثه لـ"عربي21"،
أضاف: "هناك سؤال ثاني هام إجابته معروفة، وهو: هل هناك تحسن في مستوى المعيشة
تم للإنسان العادي في مصر بعد 13 عاما من انقلاب السيسي، على المسار الديمقراطي، والذي
كان يمكن أن نغير من خلاله الرئيس بعد ٤ سنوات فقط؟"، مؤكدا أن "الإجابة
يعرفها كل مصري".
وواصل تساؤلاته:
"هل تمت معالجة أزمة القروض التي وعد بها السيسي، قبل أن يترشح للرئاسة عام
2014، حيث قال إنه من العيب أن نترك للأجيال القادمة هذه الديون التي كانت حينها تقدر
بـ٤٦ مليار دولار عام ٢٠١٤".
وتابع: "هل قام
بسداد جزء من هذه الديون أم أنه أغرق مصر في ديون قدرتها مجموعة (تكنوقراط مصر) بأكثر
من ٣٠٠ مليار دولار، بين قروض تأتي بشكل نقدي للبنك المركزي المصري، والتزامات عبارة
عن تعاقدات مع جهات وشركات عالمية مثل تنفيذ مشروع (الضبعة النووي) بقرض بـ25 مليار
دولار من روسيا، ما يمثل عبئا على البلاد".
وأكد ان "السيسي
جاهل بأي شيء يتعلق بالحياة اليومية للناس؛ فتراه مثلا يتحدث عن ضرورة تجويع الناس
كي يتم بناء الدولة، والسؤال: كيف تُبنى الدول دون بناء الإنسان من صحة وتعليم وغذاء
جيد".