أثارت واقعة مغادرة
وزير الصحة، خالد عبدالغفار، مكتبه بمقر الوزارة الجديد بالعاصمة الإدارية تاركاً عشرات نواب
البرلمان دون نظر مطالبهم، حالة من الاستياء بالشارع
المصري.
إذ لم يكتف الوزير بتجاهل طلبات النواب وبينها لمواطنين يطلبون العلاج على نفقة الدولة، بل فاقم الأمر سوءا تعنيفه للنواب، ما كشف عن حالة تعالي من السلطة التنفيذية على أعضاء
السلطة التشريعية، رغم ما للأخيرة من سلطات الرقابة والمساءلة وفقا للدستور.
عبدالغفار، الذي يشغل وزير الصحة والسكان منذ آب/أغسطس 2022، مع تعيينه نائبا لرئيس الوزراء في منصب جرى إلغائه بالتغيير الوزاري الأخير شباط/فبراير الماضي، وكان قبلها وزيرا للتعليم العالي والبحث العلمي، يلاقي أداؤه الكثير من الانتقادات، فيما يربط البعض بين بقائه بمنصبه وبين كونه نجل اللواء عاطف عبدالغفار، أحد قيادات الجيش المصري السابقين.
وفي بلد يقبع نحو ثلثيه تحت خط الفقر والفقر المدقع، وتشير مؤشرات الموازنة الجديدة لحكومته عن عام يحمل الكثير من الضغوط المالية والاقتصادية على 108.8 ملايين مصري، وخاصة بملفات الصحة التي جاءت أرقامها أقل من النسب الدستورية (1.72 بالمئة من الناتج المحلي بينما الحد الأدنى وفقا للدستور 3 بالمئة)، تجمع نواب حول وزير الصحة لتقديم تسهيلات علاجية للمرضى في دوائرهم.
ووفق المتداول، فإن اجتماعه بعدد من أعضاء مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان ويبلغ 300 عضوا)، تسبب في تكدس أحدث سجالا حول كثرة عدد الطلبات المقدمة، وبين سوء تعامل مكتب الوزير مع طلبات النواب، ما دفع الوزير لمغادرة المكتب وترك النواب دون النظر في مطالبهم، قائلا: "أنا غلطان إني قابلتكم".
وبينما رأي مراقبون في الأمر "إهانة كبيرة من الوزير لممثلي السلطة التشريعية والرقابية بالبلاد"، أكد آخرون أن "تصرف الوزير يأتي في سياق تراجع أدوار ومكانة أقدم برلمان عربي وأفريقي مع توالي الاختيارات الأمنية لأعضاء مجلسيه (النواب) و(الشيوخ)، وكون النواب مجرد ديكور لا يحق لهم الرقابة والمساءلة".
اظهار أخبار متعلقة
وفي تعليقه على واقعة وزير الصحة، استنكر السياسي طارق الملط، غضب النواب من الوزير، مؤكدا أن "الوزير يفهم جيدا أنكم لستم اختيار الشعب وليس لكم حق الرقابة والمساءلة، وأن انتقادكم له لن يكون سببا في إبعاده أو استمراره وأنكم فقط لاستكمال الصورة"، وفق قوله.
وفي واقعة ثانية تكشف عن إهانة حكومية أخرى للبرلمان، تمثلت في تقاعس رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، في الحضور لـ"مجلس النواب" لإلقاء بيان الحكومة منذ تعديلها الأخير شباط/فبراير الماضي، وفي المقابل وجه دعوة لمجموعة نواب للقائه بمجلس الوزراء بدلا من ذلك، ما قابله نواب معارضون بالرفض والانتقاد ما اضطر مدبولي للحضور إلى المجلس 21 نيسان/أبريل الماضي.
اختيارات مهندسة أمنية
تلك الوقائع دفعت مراقبين للتساؤل حول "سر تكرار إهانة الحكومة لأعضاء السلطة التشريعية، وعن حدود العلاقة بين النواب والوزراء، وأسباب السقوط بالسلطة التشريعية لهذا الحد وتبعات ذلك مستقبلا على أداء البرلمان والحكومة".
وهنا يقول السياسي المصري فؤاد سراج الدين، لـ"عربي21": "كل المصريين يعلمون كيف صُنع هذا البرلمان؟، ولهذا لا ننتظر منهم شيء مهم، كما أنه ليس لديهم قدرة على التشريع".
وفي انتخابات مجلسي "النواب" و"الشيوخ" التي جرت بعهد
السيسي، اعتُمد النظام (الفردي والقائمة المطلقة)، وفاز بأغلبيتهما حزب "مستقبل وطن"، وحصد 57 مقعدا عام 2015، و316 مقعدا في 2020 من أصل 596 مقعدا، و149 مقعدا بمجلس الشيوخ 2020، ليواصل السيطرة بـ 231 مقعدا بمجلس نواب 2026، مع فوز حزبا "حماة الوطن" بـ91 مقعدا، و70 مقعدا لـ"الجبهة الوطنية".
وبدأ الفصل التشريعي الجديد كانون الثاني/يناير الماضي، ليُشكّل النسخة الثالثة في عهد السيسي، في ظل هيمنة اختيارات الأجهزة السيادية للأعضاء، حيث غلب على مشهد انتخابات "الشيوخ" و"النواب"، سيطرة جهاز الأمن الوطني على اختيار واستبعاد المرشحين، وإدارة الانتخابات التي سادتها مخالفات قانونية.
وشهدت انتخابات مجلس "النواب" 2025، تقديم مرشحين عشرات الطعون القضائية، أُحيل منها 14 طعنا على نتائج 30 دائرة ملغاة بمحكمة النقض في كانون الأول/ديسمبر 2025، فيما ارتفع عدد الطعون المقدمة أمام المحكمة الإدارية العليا إلى 298 طعنا بالجولة الأولى للمرحلة الثانية، وسط إبطال لنتائج 49 دائرة في المرحلة الأولى.
وبينما اشتكى مرشحون مؤيدون لرأس النظام استبعادهم من "القائمة الوطنية"، -فازت بالتزكية- التي وصفوها بـ"المهندسة أمنيا"، مؤكدين أن منافسيهم دفعوا مبالغ مالية بين 25 و50 وحتى 70 مليون جنيه، مقابل ضمهم للقائمة؛ رصدت كاميرات هواتف المصريين، توزيع مبالغ مالية بين 200 وحتى 500 جنيه وحتى 1000 جنيه على الناخبين مع توزيع "بونات"، وكراتين مواد غذائية.
خلل منع انتخابات المحليات
وفي تقديره، قال السياسي المصري مجدي حمدان موسى، إن "ما شهدناه مؤخرًا يعكس خللًا متراكمًا في طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وهو خلل يرتبط في جانب كبير منه بغياب الإدارة المحلية المنتخبة طوال سنوات، الأمر الذي حمّل عضو البرلمان أعباءً تتجاوز دوره الدستوري الحقيقي".
القيادي في حزب "المحافظين" وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أن "النائب في الأصل دوره الأساسي التشريع والرقابة ومحاسبة الحكومة، لكن في الواقع الحالي أصبح مطالبًا داخل دائرته بأن يؤدي أدوارًا خدمية وتنفيذية يومية، تبدأ من رصف شارع أو إصلاح صرف صحي ولا تنتهي بحل الأزمات الفردية للمواطنين، بسبب غياب المجالس المحلية التي كان من المفترض أن تتحمل تلك المسؤوليات".
ويرى أن "هذا الوضع خلق حالة من الضغط والتداخل بين الاختصاصات، وأدى أحيانًا إلى توتر في العلاقة بين النواب والوزراء، لأن النائب يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع مطالب الناس اليومية، بينما ينظر بعض المسؤولين التنفيذيين إلى تلك المطالب باعتبارها تدخلًا في اختصاصاتهم".
وحول ما بدا للبعض وكأنه حالة من الجفاء أو عدم التقدير المتبادل، يعتقد رئيس هيئة الإعلام السياسي بحزب "المحافظين"، أن "الأمر يحتاج إلى إعادة ضبط للعلاقة المؤسسية بين الحكومة والبرلمان، على أساس الاحترام الكامل لدور كل سلطة وفق الدستور، فالحكومة مسؤولة أمام البرلمان، وفي المقابل البرلمان شريك في الحفاظ على استقرار الدولة ومؤسساتها".
ولفت إلى أن "انتظام حضور الوزراء ورئيس الحكومة إلى البرلمان والتفاعل الجاد مع طلبات الإحاطة والاستجوابات، يبعث برسالة إيجابية للرأي العام بأن هناك احترامًا حقيقيًا لدور المؤسسة التشريعية، خاصة أن البرلمان يمثل الإرادة الشعبية والرقابة الدستورية على الأداء التنفيذي".
وفي نهاية حديثه، شدد على أهمية "عودة المحليات المنتخبة كضرورة وليست رفاهية، لأنها ستعيد التوازن للعمل السياسي والإداري، وتسمح للنائب بأن يتفرغ لدوره الرقابي والتشريعي الحقيقي، بدلًا من استنزافه في تفاصيل خدمية كان يجب أن تتولاها الإدارة المحلية من الأساس".
بين مصر والدول الديمقراطية
من جانبه، قال السياسي المصري الدكتور سعيد عفيفي، إن "علاقة السلطة التشريعية ممثلة في البرلمان والسلطة التنفيذية يجب أن تكون متناغمة، لأن أهم مهام الأولى بخلاف سن القوانين وتعديلها مراقبة عمل الثانية ممثلة في الوزراء الذين يتعين عليهم المثول أمام البرلمان للاستماع لهم وتوجيههم بل وسحب الثقة منهم إذا لزم الأمر".
عضو "تكنوقراط مصر"، أوضح لـ"عربي21"، أن "السلطة التشريعية أهم السلطات بالدول الديمقراطية لأنها الوحيدة المنتخبة من الشعب وتعبر عن جموعه؛ أما باقي السلطات فهي معينة من قبل أحد أفراد السلطة التنفيذية، ودستوريا أي سلطة منتخبة يمكنها أن تسحب وتمنح الثقة من السلطة التنفيذية بل وتطلب تغييرها".
وأكد أن ما ذكره "ينطبق على الدول الديمقراطية التي لديها دستور يتم احترامه، لأنه يحدد سلطات الدولة تحديدا دقيقا، ويحدد العلاقة بين السلطات والتي تكون منفصلة طبقا للدساتير العالمية، أما في مصر والدول الديكتاتورية لا توجد حدود لأي شيء، أو فصل بين السلطات أو محاسبة ورقابة السلطة التشريعية على أعمال السلطة التنفيذية.
الاختيار الأمني للمشرعين
ولفت عفيفي، إلى جانب ثاني من الأزمة، مشيرا إلى أن "المجالس التشريعية يتم تشكيلها بمعرفة الأجهزة الأمنية حتى تتم السيطرة الكاملة لكل سلطات الدولة في يد الأمن وبالتالي تعمل لمصلحة الديكتاتور"، مضيفا: "مع هذا فإنه ولكي تصبح المسألة شكلية بحتة فإننا لم نر وزيرا تم سؤاله من قبل السلطة التشريعية قبل تعيينه مثلما يحدث بالنظم الديمقراطية".
وخلص للقول إن "انهيار الأمم يأتي عندما تطغى السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية وتسلبها عملها الأساسي؛ ولا يوجد حلول لدينا إلا بإعمال نظرية الهدم وإعادة البناء الدستوري والتشريعي كي يكون التغيير حقيقيا ويتم إعمال الفصل بين السلطات كمبدأ عام معمول به في كل أنحاء العالم".
اظهار أخبار متعلقة
سمعة سيئة رغم التاريخ
ويرتبط البرلمان الحالي في ذاكرة المصريين بالقوانين سيئة السمعة، حيث أقرت دورتيه التشريعيتين (2015) و(2020)، عشرات قوانين أثرت سلبا على حياة المصريين اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، وبينها: "تنظيم التظاهر" 2013 وتعديلاته، و"مكافحة الإرهاب" 2015، و"الضريبة المضافة"، و"الخدمة المدنية" 2016، و"البناء الموحد" 2017 وتعديلاته 2023.
و"الجرائم الإلكترونية" 2018، و"التعديلات الدستورية"، و"العمل الأهلي"، و(الجمعيات) 2019، و"الخدمة المدنية" (فصل الموظف العام) 2021، و"تنظيم الأحكام المتعلقة بملكية الدولة" (بيع الأصول العامة)، و"قانون الانتخابات"، و"الإجراءات الجنائية"، و"الإيجار" 2025.
ولمصر نحو 160 عاما من العمل البرلماني؛ حيث تأسس بها مجلس "شورى النواب" 25 تشرين الثاني/نوفمبر 1866، بعهد الخديوي إسماعيل، من 75 عضوا، ما جعل القاهرة مقرا لأقدم البرلمانات العربية والأفريقية ومن بين الأقدم عالميا بعد برلمانات أوروبا.
ولم تكن لتخطئ عين سائح مقر البرلمان التاريخي بقلب القاهرة بشارع قصر العيني، كمبنى أثري شُيد عام 1923، وشهد ولادة "دستور 1923"، ليجري نقل "النواب" و"الشيوخ" رسميا في كانون الأول/ديسمبر 2025، للعاصمة الجديدة بمساحة 109 آلاف متر مربع، وبقاعة رئيسية تتسع لألف عضو.
ومن أهم رؤساء البرلمان المصري بعهد الملكية إسماعيل صدقي، ومصطفى النحاس، ولاحقا برز اسم أنور السادات كرئيس لمجلس الأمة، ثم رفعت المحجوب الذي اغتيل عام 1990، وأحمد فتحي سرور مدة (21 عاما)، إلى جانب سعد الكتاتني أول رئيس لمجلس الشعب عقب ثورة يناير 2011، والذي مكث مدة 144 يوما فقط بعد حل "المجلس العسكري" الحاكم للمجلس في حزيران/يونيو 2012، ثم اعتقال الكتاتني، عقب الانقلاب العسكري الذي قاده السيسي، منتصف 2013.
وبرزت أسماء قوية مثل فؤاد سراج الدين، وخالد محيي الدين، والنائب علوي حافظ الذي اشتهر بتقديم استجوابات قوية ضد الفساد، والنائب طلعت رسلان، والنائبة راوية عطية (أول امرأة تدخل البرلمان المصري عام 1957)، فيما مثل الرئيس الراحل محمد مرسي، إحدى علامات المعارضة بمجلس الشعب في عهد حسني مبارك (2000-2005).
وشهدت القاعة التاريخية لمجلس الشعب وقائع سياسية ومشاجرات أشهرها "واقعة الحذاء" عام 1987، فإثر مشادة بين النائب طلعت رسلان ووزير الداخلية آنذاك زكي بدر، رفع النائب الحذاء في وجه الوزير، ليشهد المجلس هجوما كبيرا من المعارضة خلال أزمتي "تصدير الغاز" لإسرائيل عام 2008، وترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية عام 2017 والتي نتج عنها التنازل عن جزيرتي "تيران وصنافير" للمملكة.
وقدرت تكلفة إنشاء مبنى البرلمان الجديد بحوالي 5 مليارات جنيه، وذلك وفقا للبيانات المعلنة عند بدء تنفيذ، المساحة البنائية البالغة حوالي 18 ألف متر مربع، وطبقا لموازنة العام المالي الحالي (2025/2026)، تقدر موازنة مجلس النواب بنحو 2.1 مليار جنيه تقريبا، و943 مليون جنيه لمجلس الشيوخ، فيما تشير التوقعات إلى أن موازنة النواب والشيوخ للعام المالي الجديد (2026/2027) تفوق تلك المبالغ.