دعوات دولية من ماليزيا للدفاع عن الغنوشي ومستقبل الديمقراطية في تونس
لندن- عربي2118-May-2611:15 AM
أكد المشاركون أن ترسيخ العدالة وضمان استقلال القضاء واحترام الحقوق الأساسية تمثل شروطاً ضرورية لتحقيق الاستقرار السياسي المستدام، وصون المكتسبات الديمقراطية في تونس.. عربي21
شارك الخبر
شهدت العاصمة الماليزية كوالالمبور، السبت
16 أيار/ مايو، انعقاد منتدى دولي بعنوان "العدالة للشيخ راشد الغنوشي"،
نظّمه المعهد الدولي للدراسات الإسلامية المتقدمة، وهو مؤسسة أكاديمية وبحثية
تابعة للحكومة الماليزية، بمشاركة شخصيات سياسية وأكاديمية وحقوقية من عدة دول
آسيوية وعربية، في فعالية ناقشت تطورات المشهد السياسي والحقوقي في تونس، وملف
رئيس البرلمان التونسي الأسبق وزعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي، ضمن مقاربة
أوسع تناولت أوضاع الحريات العامة واستقلال القضاء ومستقبل المسار الديمقراطي في
البلاد.
واكتسب المنتدى أهمية خاصة بالنظر إلى
انعقاده في ماليزيا، التي تُعد إحدى أبرز التجارب السياسية والفكرية في جنوب شرق
آسيا، وباعتبار كوالالمبور فضاءً دولياً للحوار حول قضايا الإصلاح والحوكمة
والديمقراطية والتعددية السياسية. كما حمل تنظيم المنتدى خارج الفضاءين العربي
والأوروبي دلالات سياسية وفكرية لافتة، إذ عكس انتقال النقاش حول الأزمة التونسية
إلى دوائر آسيوية أكثر اتساعاً، بما يشير إلى تنامي الاهتمام الدولي بمستقبل
الحريات والتحولات السياسية في تونس.
وشهد المنتدى حضور شخصيات سياسية وأكاديمية
وفاعلين مدنيين من دول جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، ما منح اللقاء بعداً دولياً
بارزاً، وأبرز اتساع نطاق التفاعل مع القضية التونسية خارج أطرها التقليدية. كما
عكس اهتماماً متزايداً في الأوساط الفكرية والحقوقية الآسيوية بما آلت إليه أوضاع
الديمقراطية والحياة السياسية في تونس خلال السنوات الأخيرة.
ومن بين أبرز المشاركين، حضرت نور العزة
أنور إبراهيم، نائبة رئيس حزب العدالة الشعبية الحاكم، وابنة رئيس الوزراء
الماليزي أنور إبراهيم، حيث شددت في مداخلتها على أن العدالة وسيادة القانون
واحترام الحريات الأساسية تمثل قيماً إنسانية عالمية لا ينبغي أن تخضع للاعتبارات
السياسية أو الحسابات الظرفية، مؤكدة أهمية حماية المؤسسات الديمقراطية وضمان
استقلال القضاء وصون الحقوق المدنية والسياسية.
كما شارك في المنتدى وزير الخارجية التونسي
الأسبق رفيق عبدالسلام، الذي قدم قراءة سياسية لتطورات الأزمة التونسية، متناولاً
انعكاسات الوضع الراهن على مستقبل التعددية السياسية والحياة الديمقراطية في
البلاد. واعتبر أن تونس تواجه تحديات عميقة تتعلق بإدارة المجال السياسي والحفاظ
على التوازن بين مؤسسات الدولة وضمان الحقوق والحريات العامة.
وشهد المنتدى كذلك مداخلة للدكتور أحمد بدري
عبدالله، الذي تناول الأبعاد الفكرية والسياسية والحقوقية المرتبطة بالقضية،
مؤكداً أن معالجة الخلافات السياسية ينبغي أن تتم عبر المؤسسات والقانون والحوار
الوطني، بعيداً عن منطق الإقصاء أو توظيف القضاء في الصراعات السياسية.
واعتبر المشاركون في المنتدى أن قضية الشيخ
راشد الغنوشي تجاوزت بعدها الشخصي لتتحول إلى عنوان أوسع للنقاش حول استقلال
القضاء والحريات العامة ومستقبل العمل السياسي في تونس. وأكد عدد من المتدخلين أن
إدارة التباينات السياسية يفترض أن تتم في إطار المؤسسات الديمقراطية والتنافس
السلمي واحترام قواعد التعددية السياسية.
وفي ختام أعمال المنتدى، دعا المشاركون إلى
إطلاق حملة دولية واسعة للمطالبة بالإفراج عن الشيخ الغنوشي، والعمل على توسيع
دائرة التضامن مع قضيته على المستويات السياسية والحقوقية والأكاديمية والإعلامية،
معتبرين أن الملف بات يحظى بمتابعة دولية متزايدة، ولم يعد شأناً تونسياً داخلياً
فحسب، بل أصبح مرتبطاً بمسائل أوسع تتعلق بمستقبل الديمقراطية والحريات في المنطقة.
وأكد المشاركون أن ترسيخ العدالة وضمان
استقلال القضاء واحترام الحقوق الأساسية تمثل شروطاً ضرورية لتحقيق الاستقرار
السياسي المستدام، وصون المكتسبات الديمقراطية، وبناء مستقبل قائم على التعددية
والحوار وسيادة القانون.
ويعكس انعقاد المنتدى في كوالالمبور،
بمشاركة شخصيات مؤثرة من جنوب وجنوب شرق آسيا، اتساع دائرة الاهتمام الدولي بالشأن
التونسي، وتحول النقاش حول مستقبل الديمقراطية والحريات في تونس إلى قضية تتجاوز
حدودها الوطنية والإقليمية نحو فضاءات دولية أكثر تنوعاً وتأثيراً، في ظل تصاعد
النقاشات الدولية بشأن أوضاع الحقوق والحريات في المنطقة العربية.
ويأتي تنظيم المنتدى الدولي في ظل استمرار
الجدل الحقوقي والسياسي حول أوضاع رئيس البرلمان التونسي الأسبق وزعيم حركة النهضة
الشيخ راشد الغنوشي، الذي يُعد أحد أبرز الوجوه السياسية والفكرية في العالم
العربي خلال العقود الأخيرة، وأحد أهم رموز التجربة الديمقراطية التونسية بعد ثورة
2011.
ويُعرف الغنوشي بكونه من أبرز منظّري الفكر
الإسلامي الديمقراطي، إذ أسّس مع رفاقه في سبعينيات القرن الماضي التيار الإسلامي
في تونس "حركة الاتجاه الإسلامي"، قبل أن يتحول لاحقاً إلى حركة النهضة،
التي أصبحت أحد أبرز الفاعلين السياسيين في البلاد بعد سقوط نظام الرئيس الراحل
زين العابدين بن علي. كما تولى الغنوشي رئاسة البرلمان التونسي المنتخب عقب
انتخابات 2019، قبل أن يتم تجميد البرلمان ثم حله لاحقاً ضمن الإجراءات
الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد في 25 تموز/ يوليو 2021.
ومنذ ذلك التاريخ، دخلت تونس مرحلة سياسية
جديدة اتسمت بتصاعد حدة الاستقطاب السياسي والجدل بشأن مستقبل المؤسسات
الديمقراطية والحريات العامة واستقلال القضاء، في ظل انتقادات من قوى سياسية
وحقوقية محلية ودولية للإجراءات التي اتخذتها السلطة، مقابل تأكيد الرئاسة
التونسية أن تلك الخطوات جاءت في إطار “تصحيح المسار” ومكافحة الفساد والفوضى
السياسية.
وفي هذا السياق، أُوقف الغنوشي في نيسان/
أبريل 2023 بعد تصريحات أدلى بها خلال اجتماع سياسي، اعتبرت السلطات التونسية أنها
تتضمن "تحريضاً على أمن الدولة"، قبل أن يُودع السجن ويُفتح بحقه عدد من
الملفات القضائية المرتبطة بتهم تتعلق بالتآمر وغسل الأموال والتحريض، وهي التهم
التي تنفيها حركة النهضة، معتبرة أنها ذات طابع سياسي ومرتبطة باستهداف المعارضة.
وأصدرت المحاكم التونسية بحق الغنوشي سلسلة
من الأحكام القضائية في قضايا مختلفة، كما شملت الملاحقات عدداً من قيادات
المعارضة والسياسيين والقضاة والإعلاميين، في ما وصفته منظمات حقوقية بأنه "تضييق
متزايد على المجال العام".
وتثير قضية الغنوشي انقساماً حاداً داخل
الساحة التونسية؛ إذ ترى أطراف مؤيدة للرئيس قيس سعيّد أن المحاكمات تندرج ضمن
مسار محاسبة قانونية لرموز المرحلة السابقة، بينما تعتبر قوى معارضة ومنظمات
حقوقية أن القضية تعكس توظيفاً سياسياً للقضاء ومحاولة لإقصاء الخصوم السياسيين،
محذّرة من انعكاسات ذلك على مستقبل الديمقراطية والحياة الحزبية في تونس.
وفي هذا الإطار، اكتسب المنتدى المنعقد في
كوالالمبور أهمية إضافية، باعتباره جزءاً من تحرك دولي آخذ في الاتساع لإبقاء
الملف التونسي حاضراً في النقاشات الحقوقية والسياسية الدولية، وربط قضية الغنوشي
بالسياق الأوسع المتعلق بالحريات العامة ومستقبل الانتقال الديمقراطي في تونس.