تواجه منظمات حقوق الإنسان ونشطاء السلام انتهاجات وجرائم متصاعدة من قبل سلطات
الاحتلال الإسرائيلي منذ أوائل الألفية، يشمل ذلك قتل وإصابة متظاهرين دوليين بعمليات عسكرية، واعتقالات واقتحامات لمكاتب منظمات، واعتداءات تشريعية وإدارية تهدف إلى تقييد عملها.
من الحوادث البارزة مقتل الناشطة الأمريكية راشيل كوري، ومجزرة سفينة "مافي مرمرة" في أسطول الحرية الذي توجه إلى قطاع
غزة عام 2010، التي أسفرت عن قتل 9 نشطاء دوليين.
راشيل كوري
في 16 آذار/ مارس 2003 كانت الناشطة الأمريكية راشيل كوري (23 عاماً) ضمن متضامنين سلميين يحاولون حماية منازل فلسطينية في مدينة رفح بقطاع غزة، حين دهستها جرافة عسكرية إسرائيلية أثناء محاولة وقف هدم منزل عائلة فلسطينية.
وصرخت كوري وآخرون من النشطاء الأجانب خلال محاولة منع الجرافة، مرتدين سترات برتقالية زاهية ومستخدمين مكبرات الصوت، في وجه الجرافات ووقفوا أمامها لساعات لمنعها من تدمير المنازل، بحسب تقرير لـ"
هيومان رايتس ووتش".
وصعدت كوري إلى قمة كومة ترابية خلفتها الشفرة الأمامية للجرافة، التي واصلت سيرها للأمام وسحقتها، وادعى سائق الجرافة فيما بعد أنه "لم يرها"، بينما أُغلِق التحقيق العسكري الإسرائيلي في الحادث بدون توجيه اتهام إلى أيٍ من الجنود.
وتقدَّمت عائلة كوري بدعوى قضائية أمام المحاكم الإسرائيلية ضد الدولة، لكن المحكمة العليا الإسرائيلية ألغت في 12 شباط/ فبراير 2015 طلب التعويض، وبرّأت الدولة من المسؤولية استناداً إلى قانون حصانة واسع يمنح قواتها حصانة عن أعمال ضمن "نشاط حربي".
واعتبرت هذه النتيجة مثيرة للجدل؛ إذ رأت منظمات حقوقية أن المحكمة لم تحقق قياساً كافياً لمعايير القانون الدولي الإنساني الذي يلزم جميع الأطراف باتخاذ كل الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين.
اظهار أخبار متعلقة
وتنظر تقارير حقوقية إلى هذه القضية كدليل على سياسة حصانة القوات الإسرائيلية من مساءلة قضائية فيما جرى وصفه بأنه انتهاكات ضد متظاهرين أبرياء.
جيمس ميلر
قتل جيمس ميلر (34 سنة) وهو صحفي بريطاني حاصل على عدة جوائز، برصاصة في الرقبة في مدينة رفح في الثاني من أيار/ مايو عام 2003 وهو يجري تحقيقا وثائقيا عن تدمير جيش الاحتلال الإسرائيلي لمئات المنازل على الحدود المصرية.
وقد فاز الفيلم الوثائقي الذي أخرجه ميلر بعنوان "الموت في غزة" بثلاث من جوائز إيمي للإنتاج التلفزيوني عام 2005.
وأكد أعضاء فريقه أنه كان يحمل راية بيضاء وقدم نفسه كصحفي بريطاني للجنود الإسرائيليين المنتشرين في المنطقة.
وفي آذار/ مارس 2005، قرر جيش الاحتلال عدم ملاحقة الجندي المتهم لـ"عدم كفاية الأدلة"، وأعربت الحكومة البريطانية آنذاك عن أسفها لهذا القرار.
وفي عام 2006، أكدت هيئة محلفين بريطانية إلى أن مقتل ميلر برصاص جندي إسرائيلي في الأراضي الفلسطينية قبل ثلاث سنوات كان حادث "قتل عمد".
وذكر المتحدث باسم هيئة المحلفين في القضية التي عرضها مكتب التحقيق في جرائم القتل في بريطانيا أنه "بناء على الأدلة المقدمة، فإننا توافقنا بالإجماع على أن سبب مقتل ميلر كان نتيجة إطلاق النار بشكل غير مشروع بنية القتل".
توم هرندل
ناشط سلام بريطاني ولد بتاريخ 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1981 وقتل بيد جيش الاحتلال بتاريخ 13 كانون الثاني/ يناير 2004، كان هرندل طالب للتصوير الفوتغرافي وعضو في حركة التضامن الدولية (ISM).
وقتل هرندل أثناء قيامه بالتظاهر في مدينة رفح ضد ممارسات قوات الاحتلال الإسرائيلية في حق الشعب الفلسطيني، وذلك إثر إصابته برصاصة في الرأس أطلقها جندي إسرائيلي.
وبحسب روايات شهود عيان فأن هرندل أصيب حينما كان يحاول استخدام جسده كدرع لحماية مجموعة من الأطفال الفلسطينيين وهو يقودهم خارج خط النار، بينما أفصحت إحدى زميلات هرندل في حركة التضامن الدولية بأن توم قتل وهو يحتضن طفلة فلسطينية في محاولة لحمايتها من النيران الإسرائيلية.
وبعد غيبوبة دامت تسعة أشهر فارق توم الحياة، ونشرت جريدة "الإندبندنت" عقب مقتله كلمات مما كتبه قبل إصابته بخمسة أيام جاء فيها: "في أبريل 2003 أطلق علي الرصاص، وقنابل الغاز، وتعقبني الجنود، وأطلقت القنابل الصوتية على بعد أمتار مني، وأصابني الركام المتساقط، وكنت في طريق جرافة وزنها عشرة أطنان لا تتوقف. ومع اقترابنا ظللت أتوقع أن يصاب جزء من جسدي بقوة "غير مرئية" وأن يصاب بطلق وأن أشعر بالالم. ومن هنا احتجت لعزيمة هائلة لكي استمر".
عائشة نور إزغي
ناشطة حقوقية أميركية من أصل تركي ولدت عام 1998 بأنطاليا غربي البلاد، درست علم النفس بجامعة واشنطن ثم كرست حياتها للنشاط الحقوقي وعرفت بمشاركاتها في المظاهرات المناصرة للقضية الفلسطينية.
أطلق جنود الاحتلال الرصاص عليها في 6 أيلول/ سبتمبر 2024، بعد مشاركتها في الاحتجاجات بالضفة الغربية المحتلة ضد الاستيطان الإسرائيلي.
وأثناء مشاركتها في الاحتجاجات إلى جانب عدد من النشطاء الدوليين في المظاهرات الأسبوعية السلمية ضد الاستيطان على جبل صبيح في بلدة بيتا شمالي الضفة الغربية المحتلة، اغتيلت عائشة نور برصاصة إسرائيلية أصابت رأسها في 6 أيلول/ سبتمبر 2024.
وقد نقلت فور استهدافها إلى مستشفى "الرافدية" في مدينة نابلس وبعد وصولها بوقت وجيز أعلن استشهادها عن عمر لم يتجاوز 26 عاما.
أسطول الحرية
في فجر 31 أيار/ مايو 2010 هاجمت وحدة كوماندوز إسرائيلية سفن قافلة "أسطول الحرية" الإنسانية أثناء محاولتها كسر الحصار البحري عن قطاع غزة.
وتناولت الصحافة والدراسات الحدث كثاني أبرز حادثة في تاريخ استهداف النشطاء الدوليين من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي.
اظهار أخبار متعلقة
وعلى متن السفينة التركية مافي مرمرة أقدم جنود الاحتلال على قتل 9 نشطاء (ثمانية أتراك وأمريكي واحد) وأصيب عشرات آخرون، وذلك بنيران مباشرة، ونُفذت نحو ستة منها بشكل يشبه "الإعدام الميداني"، بحسب ما أفادت بيانات الأمم المتحدة.
وندد مجلس الأمن الدولي بمقتل المتظاهرين ودعا إلى تحقيق محايد، بينما بررت "إسرائيل" عمليتها بأنها قانونية ضمن فرض الحصار الأمني على غزة، وأن قواتها تعرضت لمقاومة مسلحة من بعض النشطاء.
وأدت الحادثة إلى توتر خطير في العلاقات الإسرائيلية التركية، ولاحقاً قدمت الحكومة الإسرائيلية اعتذاراً رسمياً عام 2013، وتعهدت بدفع تعويضات، ومع ذلك، لم يُحاكم أي من أفراد الوحدة الإسرائيلية المهاجمة.
تشويه وإعاقات
تتكرر حوادث إصابة وقتل المتضامنين الدوليين في سياقات المظاهرات الفلسطينية. فعلى سبيل المثال، أصيب الناشط الأمريكي تريستان أندرسون عام 2009 برصاصة غاز مسيل للدموع في المظاهرات الأسبوعية ضد جدار الفصل العنصري بقرية نعلين، ما أدى إلى فقدانه البصر في إحدى عينيه وإصابات دماغية خطيرة.
وفقدت الناشطة الأمريكية مناهضة للحصار أيضا إميلي هينوخوفيتش (21 عاماً)، عينها نتيجة قنبلة غاز مباشرة أطلقها الجنود قرب حاجز قلنديا في رام الله في أيار/ مايو 2010.
وفي 2011 تعرضت الناشطة الأمريكية ساندرا كوينتانو (60 عاماً) للضرب المبرّح من قبل جنود إسرائيليين خلال احتجاج ضد جدار الفصل، ما أدى إلى كسر معصميها وجرح في الرأس.
ويذكر أن أن هناك سجلّاً لمئات الحالات الأخرى من اعتقالات أو إصابات طفيفة لمتضامين مع ونشطاء أو حتى سياح أجانب خلال المظاهرات، لكن الحالات المذكورة سُجلت عالمياً لأنها ذات توثيق واسع ومحاكم لاحقة رغم عدم إدانة الجنود الضالعين بها.
وفي 2026، كشفت المحامية لبنى توما، من المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في "إسرائيل" (عدالة)، عن تفاصيل وملابسات اعتراض جيش الاحتلال أسطول الصمود العالمي المتجه إلى كسر الحصار عن غزة، وما لحقه من ممارسات، قائلة إن الناشطَين البرازيلي تياغو أفيلا والإسباني سيف أبو كشك تعرضا لانتهاكات بدنية ونفسية جسيمة بعد نقلهما إلى "إسرائيل".
وأوضحت توما، وهي عضو بفريق الدفاع عن الناشطَين، أن جيش الاحتلال فصل أفيلا وأبو كشك عن 170 ناشطا على متن الأسطول المعترَض، ونقلهما إلى الأراضي الإسرائيلية عن طريق البحر.
وأضافت أن الناشطَين تعرضا لانتهاكات جسيمة شملت التعذيب والعنف والإهانات اللفظية والبصق، وأنهما أُجبرا على الانبطاح على بطنيهما، ووضع رأسيهما على الأرض، وبقيا طوال هذه الفترة مغمضَي الأعين، مشيرة إلى أن أفيلا أُغمي عليه مرتين نتيجة العنف.
المنظمات الحقوقية
تجاوزت الإجراءات الإسرائيلية نطاق الأفراد لتطال مؤسسات المجتمع المدني الحقوقية، ففي تشريت الأول/ أكتوبر 2021 أعلن وزير الحرب حينها تصنيف ست جمعيات حقوقية فلسطينية مثل مركز الميزان والضمير والحق كـ"منظمات إرهابية" و"فرع لحركة حماس".
ورافق ذلك حملات إعلامية إسرائيلية تشكك في عملها وتتهمها بـ"تمويل الإرهاب"، قوبل هذا الإعلان بإدانة دولية واسعة؛ فقد رفضت عشر دول أوروبية منها ألمانيا وفنلندا والنمسا هذه الادعاءات واعتبرته محاولة لكتم صوت المجتمع المدني الفلسطيني.
وفي آب/ أغسطس 2022، داهمت قوات إسرائيلية مكاتب سبع جمعيات حقوقية فلسطينية في الضفة الغربية من بينها الضمير ومركز الميزان، وصادرت وثائق وأجهزة، ثم أغلقت المكاتب.
وصدر الأمر العسكري بإغلاق هذه المكاتب بعد رفض لجنة عسكرية احتجاجات تلك الجمعيات ضد إعلانها "منظمات غير قانونية"، دون إتاحة الفرصة لهم للدفاع أو الاطلاع على الأدلة السرية المزعومة.
اظهار أخبار متعلقة
وتطورت الإجراءات الإسرائيلية في أواخر 2025 فشكلت حظرًا شاملاً ضد عمل المنظمات الإنسانية في فلسطين، ففي 30 كانون الأول/ ديسمبر 2025 أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي حظراً على 37 منظمة دولية إنسانية بالضفة وغزة، مشيراً إلى "إجراءات أمنية" وتذرعاً بنشاطها المزعوم في دعم الإجراءات القانونية الدولية ضد "إسرائيل" أو حملها البُعد السياسي في انتقادها.
وأدانت منظمات الأمم المتحدة ومفوضية حقوق الإنسان هذا الإجراء واعتبرته جزءاً من هجوم ممنهج على العمل الإغاثي والحقوقي في الأراضي الفلسطينية.
وحذرت الهيئات الحقوقية من أن هذه السياسات تأتي ضمن عقوبات جماعية وعزل إنساني يسعى إلى تحطيم حياة الفلسطينيين وتغييب أي رقابة دولية على النزاعات.