الرقص في زمن السياسة.. كيف تستعد الأحزاب المغربية لانتخابات 2026؟

تعكس هذه المشاهد المتكررة، تحوّلاً في أساليب التعبئة السياسية بالمغرب، حيث لم تعد الحملات الانتخابية تعتمد فقط على الخطاب البرنامجي، بل باتت تستثمر في الرموز الثقافية والاحتفالية والاقتراب من الذاكرة الشعبية..
تعكس هذه المشاهد المتكررة، تحوّلاً في أساليب التعبئة السياسية بالمغرب، حيث لم تعد الحملات الانتخابية تعتمد فقط على الخطاب البرنامجي، بل باتت تستثمر في الرموز الثقافية والاحتفالية والاقتراب من الذاكرة الشعبية..
شارك الخبر
أثار الأمين العام لحزب الحركة الشعبية في المغرب محمد أوزين تفاعلاً واسعاً بعد مشاركته فرقة أحيدوس الرقص خلال لقاء تواصلي نظمه الحزب بمدينة صفرو، خُصص لتقديم وكيل لائحته في الدائرة المحلية، في لحظة وُصفت بأنها امتداد لتحول لافت في أساليب الخطاب السياسي المغربي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

وظهر أوزين وهو يصطف إلى جانب عناصر فرقة أحيدوس، مشاركاً في رقصة تقليدية مغربية من نوع "هزان الكتاف" لمدة قصيرة قبل أن يغادر نحو منصة اللقاء لمواصلة تقديم مرشح الحزب، في خطوة أثارت نقاشاً حول توظيف الرموز الشعبية داخل الفضاء السياسي.



وأحيدوس هو فنّ شعبي أمازيغي جماعي متجذر في مناطق الأطلس المتوسط والكبير بالمغرب، يقوم على الرقص والغناء في صفوف دائرية متناسقة، يتخللها إيقاع تصفيق وضرب على الدفوف، مع أشعار مرتجلة غالباً تعبر عن الفخر والانتماء والذاكرة الجماعية.

ويُقدَّم هذا الفن في الأعراس والمواسم والمناسبات الاجتماعية، ويُعدّ اليوم جزءاً من التراث الثقافي اللامادي المغربي، بما يحمله من دلالات رمزية حول التماسك الجماعي والهوية، وهو ما يفسّر حضوره أحياناً في الفضاءات العامة، بما فيها السياق السياسي، كإشارة إلى القرب من الوجدان الشعبي.

وخلال اللقاء، تم تقديم محمد بوستة، رئيس جماعة رباط الخير (هارمومو) والأستاذ الجامعي الشاب، كمرشح الحزب المرتقب بدائرة صفرو، خلفاً للجدل الذي رافق اسم المصارع السابق مصطفى لخصم، الذي كان قد طُرح في وقت سابق كوكيل محتمل للائحة قبل أن تتعثر التفاهمات الحزبية حول ترشيحه.

وبحسب معطيات اللقاء، عبّر بوستة عن رغبته في خوض الانتخابات التشريعية المقبلة باسم الحركة الشعبية، مؤكداً التزامه بالمساطر الداخلية للحزب وانتظار الحسم النهائي من طرف اللجنة الوطنية المختصة المكلفة بالترشيحات.

ويأتي هذا التطور في سياق توتر سياسي وإعلامي سبق داخل الدائرة نفسها، بعد الجدل الذي أثاره مصطفى لخصم، حين طالب علناً بإنهاء ارتباطه بالحزب ليتسنى له الترشح تحت لواء سياسي آخر، في خلاف تطور إلى “مواجهة إعلامية” تبادل فيها الطرفان اتهامات تتعلق بالوفاء بالالتزامات السياسية.

رمزية الرقص في السياسة.. من الفولكلور إلى التعبئة الانتخابية


ويأتي ظهور محمد أوزين وهو يشارك في رقصة أحيدوس ضمن سياق أوسع يشهده المشهد السياسي المغربي، حيث باتت الرموز التعبيرية والحضور الاحتفالي جزءاً متزايد الحضور في التواصل الحزبي، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

ولا تبدو هذه الواقعة معزولة، إذ تلتقطها الذاكرة السياسية بعد أيام قليلة من ظهور مشابه لعدد من القيادات الحزبية، من بينها الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران، الذي ظهر في تجمعات خطابية وهو يشارك في لحظات احتفالية ذات طابع رمزي، في سياق تعبوي استعداداً للانتخابات المقبلة ومواجهة حزب التجمع الوطني للأحرار بقيادة عزيز أخنوش، رئيس الحكومة الحالي.



كما سبق أن عرفت مشاهد سياسية أخرى حضوراً لافتاً للرموز الحركية والإيماءات ذات الطابع الشعبي داخل الفضاءات الحزبية، في مؤشر على تحول تدريجي نحو توظيف الفعل الثقافي والفرجوي كأداة للتقرب من الناخبين، في مقابل الخطاب السياسي الكلاسيكي الذي يعتمد على البرامج والتعهدات.

أوزين.. صعود سياسي داخل حزب تقليدي


ويُعد حزب "الحركة الشعبية" من أقدم الأحزاب المغربية، ويحتفظ بحضور انتخابي مهم في العالم القروي والجغرافي الجبلي، رغم تذبذب نتائجه في السنوات الأخيرة.

أما أمينه العام محمد أوزين، فقد برز داخل الحزب عبر مسار تنظيمي وسياسي متدرج، قبل أن يتولى مناصب حكومية سابقة، من بينها وزارة الشباب والرياضة، وهي محطة عززت حضوره الإعلامي والسياسي، رغم ما رافقها من جدل في بعض الفترات.

وتولى أوزين قيادة الحزب في سياق إعادة ترتيب داخلي أعقب تراجعاً انتخابياً وصراعات تنظيمية، ليقود مرحلة إعادة تموقع تهدف إلى استعادة جزء من القاعدة التقليدية للحركة الشعبية وتعزيز حضورها داخل المشهد الحزبي المغربي.

نحو سياسة أكثر فرجوية


وتعكس هذه المشاهد المتكررة، تحوّلاً في أساليب التعبئة السياسية بالمغرب، حيث لم تعد الحملات الانتخابية تعتمد فقط على الخطاب البرنامجي، بل باتت تستثمر في الرموز الثقافية والاحتفالية والاقتراب من الذاكرة الشعبية، في سياق تنافس محتدم بين الأحزاب الكبرى قبيل الاستحقاقات المقبلة.

انتخابات 2026 وإعادة تشكيل المشهد السياسي المغربي


تأتي هذه التحركات السياسية في سياق استعداد المغرب للاستحقاقات التشريعية المرتقبة سنة 2026، وهي محطة يُنظر إليها باعتبارها اختباراً جديداً لتوازنات المشهد الحزبي وقدرة الفاعلين السياسيين على تجديد خطابهم وأدواتهم. وتُجرى هذه الانتخابات في ظل قيادة حكومة يقودها حزب التجمع الوطني للأحرار برئاسة عزيز أخنوش، ما يجعلها مناسبة لقياس مدى استمرار هيمنة التحالف الحكومي الحالي أو إمكانية بروز توازنات سياسية جديدة.

وتُطرح في هذا السياق أسئلة جوهرية حول مستقبل الأحزاب التقليدية، وعلى رأسها العدالة والتنمية والحركة الشعبية وباقي مكونات المعارضة، في ظل تحولات اجتماعية واقتصادية متسارعة، وتغير في أنماط تفاعل الناخبين مع الخطاب السياسي، حيث تتزايد أهمية الصورة والرمز والحضور الإعلامي إلى جانب البرامج الانتخابية التقليدية.

كما يُتوقع أن تعيد هذه الاستحقاقات النقاش حول طبيعة الفعل الحزبي في المغرب: هل ما زالت الأحزاب قادرة على لعب دور الوساطة السياسية الكلاسيكية، أم أن المشهد يتجه نحو أشكال جديدة من التعبئة السياسية أكثر ارتباطاً بالشخصيات والرموز والفرجة الانتخابية؟

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)