لم يكن يفصل نهى عن إتمام عملية شراء تذكرة لحضور حفل الفنان العراقي كاظم الساهر في الرباط، سوى ضغطة أخيرة على زر الدفع، قبل أن يستوقفها تعليق مقتضب وسط مئات التفاعلات يحذّر من أن الحفل "وهمي" وأن الصفحة المروجة له مزيّفة.
خلال لحظات فقط، بدأت الشابة
المغربية تُدرك أنها كانت على وشك السقوط في واحدة من عمليات النصب الرقمي التي باتت تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، مستغلة شغف الجمهور بالحفلات الكبرى ولهفته لحجز التذاكر قبل انتهائها.
روت نهى لـ"عربي21" أن الإعلان بدا مقنعا إلى حد بعيد، موضحة أن صورة الفنان والتصميم الاحترافي وطريقة عرض تفاصيل الحفل وأثمنة المقاعد أعطت انطباعا بأن الصفحة رسمية بالفعل، قبل أن تضيف: "كل شيء كان يبدو طبيعيا ومنظما؛ من الصعب أن تتوقع أنك أمام عملية نصب".
اظهار أخبار متعلقة
نصب لا ينتهي
ما وقع لنهى لم يعد حادثة معزولة في المغرب. خلال الأشهر الأخيرة، أضحت
الحفلات والمباريات موسما موازيا للنصب الإلكتروني، إذ تنشط صفحات على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي في بيع تذاكر وهمية، مستغلة اللهفة الجماهيرية والرّغبة في الحجز قبل نفاذ المقاعد.
وفيما يعتقد كثير من الضحايا أنهم يتعاملون مع منصات رسمية أو وسطاء موثوقين، تكون الأموال قد انتقلت بالفعل إلى حسابات مجهولة يصعب تعقّبها، فيما تختفي الصفحات فجأة تاركة خلفها عشرات الشكايات. هذا ما حدث مع رشيد، الذي دفع ثمن تذكرتين لحضور حفل الفنان السعودي عبد المجيد عبد الله، قبل أن يكتشف أنه وقع ضحية عملية احتيال.

وقال رشيد في حديثه لـ"عربي21": "ما إن رأيت إعلان الحفل واقتراب نفاذ التذاكر، حتى سارعت إلى شراء تذكرتين، لكن بعد ساعات اكتشفت أن الصفحة لم تعد ترد على الرسائل، والرابط اختفى تماما"، مضيفا: "أدركت حينها أنني دفعت 600 درهم (نحو 60 دولار) مقابل وهم رقمي".
ورصدت "عربي21"، خلال جولة على مواقع التواصل الاجتماعي في الأيام القليلة الماضية، عشرات الإعلانات لحفلات تبين أنّها واجهة لعمليات نصب رقمي محكمة. واعتمدت الصفحات المشبوهة على صور عالية الجودة، وشعارات لمؤسسات معروفة، وأسماء فنانين عرب يحظون بشعبية واسعة في المغرب، إلى جانب تعليقات توحي بأن التذاكر توشك على النفاد وأن الإقبال على الحجز مرتفع بشكل لافت.
في الظاهر، بدت هذه الصفحات احترافية إلى حد يصعب معه التشكيك في مصداقيتها، غير أن هذه الواجهة المصقولة تخفي وراءها شبكات رقمية تعتمد أساليب متطورة في الاحتيال الإلكتروني، مستفيدة من تعطش الجمهور المغربي للحفلات، ومن السرعة الهائلة التي ينتشر بها المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يتحول إعلان ممول واحد، في ظرف لحظات قليلة، إلى مادة متداولة على نطاق واسع بين آلاف المستخدمين.
حين تصبح الحفلات فخّا رقميا
ماجد المهندس وعبد المجيد عبد الله ونانسي عجرم، وكاظم الساهر، كانت هذه أبرز الأسماء التي تمّ استغلالها عبر هذه الإعلانات الوهمية؛ نُسبت إليهم حفلات مزعومة قيل إنها ستقام في المسرح الوطني محمد الخامس أو في مركبات رياضية كبرى، مع توفير روابط مباشرة للحجز الإلكتروني تبدو في ظاهرها رسمية ومطابقة للمنصات المعتمدة.
إلى ذلك، تبيّن لـ"عربي21" أنّ هذه الصفحات المزيّفة لم تكتف باستخدام أسماء الفنانين فقط، بل لجأت كذلك إلى تقليد الهوية البصرية لمؤسسات ثقافية معروفة، عبر نسخ الشعارات الرسمية والألوان وحتى طريقة صياغة المنشورات، بحيث يصعب على المستخدم العادي التمييز بين الصفحة الأصلية والصفحة المزيفة.
وفي السياق ذاته، كانت شركة إنتاج مغربية قد اضطرّت إلى إصدار توضيح رسمي عقب استغلال اسمها في الترويج لحفل وهمي للفنان ماجد المهندس. الشركة أكدت أن الإعلان "لا أساس له من الصحة"، وأن اسمها استُخدم دون أي ترخيص، بينما كان المحتالون قد بدأوا بالفعل في استدراج الضحايا نحو روابط أداء إلكتروني مشبوهة.
اظهار أخبار متعلقة
"الفرصة الأخيرة".. كيف يُصنع الفخ النفسي؟
"آخر التذاكر المتوفرة"، "بقيت مقاعد محدودة"، "العرض ينتهي الليلة" بمثل هذه العبارات، يستدرج المحتالون الضحايا؛ يدركون أن الرغبة في حضور حفلة لفنان محبوب أو مباراة للمنتخب المغربي تدفع كثيرين إلى اتخاذ قرارات متسرعة، لذلك يبنون خطابهم على عنصر الاستعجال.
وبحسب معطيات كشفها المرصد المغربي لحماية المستهلك، فإن بعض الصفحات الاحتيالية تذهب أبعد من ذلك، عبر خلق تفاعل وهمي داخل المنشورات، باستخدام حسابات مزيفة تشيد بسرعة الخدمة أو تؤكد حصولها على التذاكر. كما يجري أحيانا تعطيل خاصية التعليقات أو حذف أي تعليق يشكك في مصداقية الصفحة.
إلى ذلك، يحصل الضحية، بعد تحويل الأموال، على "وصل حجز" رقمي أو ملف يحمل شعار مؤسسة معروفة ورقما مرجعيا يبدو كأنه حقيقيا، ما يمنحه شعورا مؤقّتا بالأمان. لكن بعد وقت قصير يكتشف أن الرقم غير موجود، وأن التذكرة لا يمكن التحقّق منها، فيما يكون الحساب قد اختفى.
رصدت "عربي21" أنّ المحتال في كثير من الأحيان، لا يطلب من الضحية الوثوق به شخصيا، بل يدفعه للوثوق في مؤسسة لها تاريخ وصورة ذهنية إيجابية لدى الجمهور.
مسرح محمد الخامس وجد نفسه في قلب هذه الظاهرة خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما ظهرت صفحات تنتحل هويته الرسمية وتنشر إعلانات لحفلات لا وجود لها. بعض هذه الصفحات استخدم شعارات المؤسسة وصورا مأخوذة من موقعها الرسمي، مع نشر تفاصيل دقيقة توحي بأن الحفل حقيقي بالكامل.
إدارة المسرح اضطرت إلى إصدار تنبيهات متكررة، أكدت فيها أن منصاتها الرسمية وحدها المعتمدة لنشر البرمجة الفنية وبيع التذاكر، محذّرة المواطنين من التعامل مع أي روابط أو تحويلات مالية خارج القنوات المعروفة.
لكن المشكلة تتجاوز مجرد تكذيب الإعلانات. فسرعة انتشار المنشورات المموّلة على مواقع التواصل الاجتماعي تجعل التصحيح يصل غالبا بعد وقوع الضرر. وفي عالم رقمي يقوم على التفاعل السريع والمشاركة اللحظية، يكفي إعلان واحد ممول للوصول إلى آلاف المستخدمين خلال ساعات قليلة.
من الحفلات إلى كرة القدم
لم يعد الأمر مرتبطا بالحفلات الفنية فقط. مع كل مباراة كبيرة يخوضها المنتخب المغربي، خاصة خلال المنافسات القارية، تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى سوق مفتوحة للتذاكر، تختلط فيها المضاربة بالنصب الصريح.
وتظهر الإعلانات غالبا تحت أسماء حسابات غير موثوقة، مع صور لتذاكر حقيقية أو مزيفة، ورسائل توحي بأن صاحب الإعلان "تعذر عليه الحضور" أو أنه يبيع "آخر تذكرتين". وفي حالات كثيرة، يطلب البائع تحويل مبلغ مسبق "لضمان الجدية"، قبل أن يختفي بعد التوصل بالأموال.
وكانت المؤثرة المغربية، سارة أبو جاد، من بين الأسماء التي أفصحت علنا عن تعرضها للنصب أثناء محاولتها اقتناء تذكرتين لإحدى المباريات، بعدما دفعت حوالي 3000 درهم (نحو 300 دولار) قبل أن تكتشف أن العملية كانت احتيالية.
اظهار أخبار متعلقة
صفحات تختفي.. وأموال يصعب تعقبها
أوضح عدد من المتحدّثين لـ"عربي21" أنّ: "واحدة من أكثر النقاط تعقيدا في هذا النوع من الجرائم هي صعوبة تعقب الفاعلين. فالصفحات غالبا تُنشأ بهويات مزيفة، وتُدار أحيانا من خارج المغرب، كما تعتمد على وسائل دفع وتحويل تجعل استرجاع الأموال أمرا معقدا".
وفي كثير من الحالات، يكتشف الضحايا أنهم لا يملكون سوى لقطات شاشة لمحادثات أو تحويلات مالية، بينما تكون الصفحة قد حُذفت بالكامل أو غيرت اسمها عدة مرات. هذا الأمر يخلق شعورا بالعجز لدى عدد من الضحايا، الذين يتردد بعضهم أصلا في التبليغ، إما بسبب المبالغ الصغيرة نسبيا أو بسبب اقتناعهم بأن استرجاع الأموال مستحيل.
ويرى عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي أن جزءا من قوة هذه الشبكات يكمن في اعتمادها على "اقتصاد السرعة". فكل عملية نصب لا تحتاج سوى إلى ساعات قليلة: إنشاء صفحة، إطلاق إعلان ممول، جمع التحويلات، ثم الاختفاء قبل بدء التبليغات الجماعية.
المنصات الرقمية تحت المجهر.. أين تنتهي المسؤولية؟
مع اتساع الظاهرة، بدأت تتصاعد الأسئلة حول مسؤولية مواقع التواصل الاجتماعي نفسها. فعدد كبير من هذه الصفحات يعتمد على الإعلانات الممولة للوصول إلى الجمهور، ما يعني أنها تدفع أموالا للمنصات بغرض توسيع انتشار المحتوى الاحتيالي.
ورغم أن بعض المنصات توفر آليات للتبليغ عن الصفحات المشبوهة، فإن الضحايا يعتبرون أن الاستجابة غالبا ما تكون بطيئة مقارنة بسرعة انتشار المحتوى. وبينما تتكرر التحذيرات وتُغلق بعض الصفحات، تعود أخرى بأسماء جديدة وأساليب أكثر إقناعا، ما يجعل الظاهرة أقرب إلى دائرة مفتوحة، تتحرك بسرعة المحتوى نفسه الذي تعتمد عليه، وتختبئ خلفه في الوقت ذاته.