هكذا تم الاستيلاء على منازل الفلسطينيين عام النكبة.. "سعادة" نموذجا

رسائل سعادة ومحاولاته لاستعادة حقوقه كانت دون جدوى - جيتي
رسائل سعادة ومحاولاته لاستعادة حقوقه كانت دون جدوى - جيتي
شارك الخبر
كشفت رسائل مواطن فلسطيني من مدينة حيفا المحتلة، عن بعض الفصول السرية التي تتعلق بنهج العصابات الصهيونية في تعاملها مع المواطنين الفلسطينيين أصحاب الأرض والوطن إبان النكبة الفلسطينية عام 1948 والتي تحل ذكراها الـ78 اليوم الجمعة.

ومع حلول تلك الذكرى الأليمة، يستذكر الكثير من أبناء الشعب الفلسطيني ممن بقوا على قيد الحياة أو ذريتهم من بعدهم، ما حل بهم وبديارهم وقراهم من عملية تطهير عرقي كبرى طالت الشعب الفلسطيني على يد العصابات الصهيونية التي ارتكبت عشرات المجازر وهجرت مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني بقوة السلاح، وسيطرت ونهبت تلك الأرض المباركة بما عليها من خيرات.

اقتلاع الفلسطينيين من منازلهم


وأظهرت رسالة وصلت أول رئيس وزراء الاحتلال إسرائيلي، دافيد بن غوريون في 26 حزيران 1948، من المواطن الفلسطيني سامي سعادة الذي طرد من بيته في مدينة حيفا المحتلة بعدما استولى عليه عصابات المستوطنين، عن حجم المأساة الفلسطينية الكبيرة التي رافقت قيام دولة الاحتلال على أرض فلسطين، في حين "لم يكلّف بن غوريون نفسه حتى عناء الرد على الرسالة التي يروي فيها سعادة وهو موظف في شركة النفط العراقية في حيفا مرارة اقتلاعه من بيته"، بحسب ما ذكرته صحيفة "هآرتس" في تقرير لها.

وبتاريخ 11تموز/يوليو 1948، اقتحم جنود جيش الاحتلال منزل سعادة وأجبروه على مغادرته فورا، وكان هذا تنفيذا لقرار بن غوريون، الذي يقضي بحشر الفلسطينيين الذين بقوا في حيفا بعد احتلالها داخل منطقة وادي النسناس وشارع عباس المجاور وعددهم نحو 3500، وهؤلاء ومن بينهم سعادة لا يُعرف كيف عاشوا في السنة الأولى بعد النكبة.

اظهار أخبار متعلقة


وبحسب رسالة سعادة، يتكون منزله الواقع في شارع "مار إلياس" رقم 124 بحيفا، من 4 غرف واسعة، مطبخ، حمام، و3 شرفات، وكان يجد الفلسطيني المنكوب الراحة مع عائلته في منزله، لكن جيش الاحتلال وبقرار عسكري طلب منه الانتقال لشقة في منزل رقم 29 يقع في شارع عباس ويتطلب الوصول إليها صعود 84 درجة، وأكد سعادة أن "هذا الوضع كان به مشقّة كبيرة لي ولعائلتي، لم نشعر بالسكينة ولا الاستقرار".

وحتى احتلال حيفا عام 1948، كان سعادة المولود عام 1910، يتقاسم منزله مع والدته وزوجته وأطفاله الأربعة، وبسبب الحرب والمجازر الإسرائيلية ضد الفلسطينيين آنذاك، غادرت عائلته إلى لبنان، وبموجب قوانين عنصرية لدولة الاحتلال صنفت العائلة كـ"غائبين" وصودرت ممتلكاتهم.

وأكد سعادة الذي توفي عن عمر 76 عاما، أن "اقتحام عائلتين يهوديتين لمنزلي لم يكن حادثة معزولة، بل جزءا من سلسلة اقتحامات نفّذها جنود وعائلاتهم لمنازل الفلسطينيين، واستمرّت هذه الممارسات بعد احتلال حيفا بحق من بقي هناك ولم يغادر المدينة".

استيطان ونهب بقوة السلاح


وقال: "اقتحم منزلي ضابط برتبة نقيب يُدعى تشيتشيك، اعتدى عليّ بالضرب وطردني من البيت، لقد أخرجني الجنود بالقوة، وجمعوا كل أثاثي في غرفة واحدة"، كاشفا أن عائلة مستوطن إسرائيلي يُدعى "مامان" وزوجته، وصهره اقتحمت منزله بتاريخ 18 كانون الثاني/يناير 1949 عندما كان هو خارجه و"فتحو الباب بوسائلهم الخاصة، واستولوا على إحدى الغرف بعد أن أفرغوها، نشب جدال بيننا استمر حتى منتصف الليل، وانتهى بتفاهم كامل على أن يغادروا البيت صباحا، لذا امتنعت عن استدعاء الشرطة وأحسنت معاملتهم، لكنهم لم يحترموا التفاهم".

ونوه سعادة، أنه عندما توجّه إلى دائرة ما يسمى "حارس أملاك الغائبين"، فوجئ بتسلل "مامان" وقد سبقه لتنظيم عقد إيجار لإحدى الغرف بمنزله، وقال: "عندما دخلت، وجدته برفقة أحد ضباط الجيش الذي جاء لحمايته، بعد أن مكث معه المدير نحو 20 دقيقة، دُعيتُ للدخول، وكان برفقتي أحد موظفي شركة النفط العراقية، الذي تحدّث نيابةً عني لأنني لا أجيد العبرية، وبعد دقائق، التفت نحوي وقال لي أن "دائرة حارس الأملاك" تتعهّد بأن يُخلي "مامان" المكان فقط عند عودة عائلتي (هاجرت إلى لبنان) إلى حيفا، وأن يقيم مع عائلته في غرفة واحدة فقط، بصفته ضيفا لدي، مقابل أن أوافق أنا على ذلك".

اظهار أخبار متعلقة


وتابع: "في الأشهر التي تلت استيلاء "مامان" على الغرفة، وصل والداه إلى حيفا وسكنا معه في الغرفة نفسها، وبينما كنت آمل أن يفي بوعوده، تعقّدت الأمور، وبدأ والده يضايقني كلما سنحت له الفرصة، وطالب بالتوسّع في منزلي على حسابي".

مأساة سعادة لم تتوقف عند هذا الحد، بل تضاعفت عندما حدث اقتحام آخر لمنزله انتهي بطرده الكامل من منزله، ففي "صباح 7 نيسان/إبريل 1949، اقتحمت وحدة عسكرية منازل الفلسطينيين في شارع عباس، وبعد السيطرة عليها، أُلقي بسكانها إلى الشارع، وقتها وجد "مامان" ووالده فرصة سانحة للتحرّك ضدي، وبمساعدة الجيش والشرطة العسكرية والمدنية، استدعوا ضابطا برتبة نقيب يُدعى "تشيتشيك" لاقتحام شقّتي، انهال عليّ بالضرب وطردني من المنزل، راجعتُ السلطات، لكن لم يُفعل شيء لصالحـي، طردني الجنود، وجمعوا جميع أثاثي في غرفة واحدة".

الفلسطيني لاجئ في وطنه


وهكذا، وجد سعادة نفسه بلا مأوى وقامت عائلتا "مامان" و"تشيتشيك" بطرده من منزلة واستبدال قفل الباب والاستيلاء على ما تبقى من ممتلكات سعادة وعائلته".

ونوهت "هآرتس" أن رسائل سعادة الموثّقة في كتاب المؤرخ آدم راز "مأساة السيد سامي سعادة الشخصية" والصادر عن دار نشر كرمل، القدس، عثر عليها في أرشيف دولة الاحتلال وأرشيف الجيش، وهي "تسلّط الضوء على المأساة التي عاشها عشرات آلاف الفلسطينيين مع قيام إسرائيل".

وأفاد راز، أن "الفلسطينيين الذين بقوا في بلادهم كانوا بلا صوت، وجدوا أنفسهم في وطن تحوّل إلى "إسرائيل"، حيث صُنّفوا مواطنين من الدرجة الدنيا، ليس هذا فحسب، بل إن البنية الاجتماعية والسياسية الفلسطينية تفككت بالكامل، كانوا لاجئين في وطنهم وبيوتهم، يعيشون تحت حكم يهودي".

ونبه مؤلف الكتاب، أن رسائل سعادة ومحاولاته المتعددة لاستعادة حقوقه التي نص عليها القانون كانت "دون جدوى، ولم تثمر عن شيء، كما لم يتمكّن من استعادة منزله وبقي مشردا خارجه".

وقال رائد نجل سعادة: "تلقى والدي ضربتين قاسيتين، الأولى كانت سقوط حيفا، والثانية وهي لم تكن أقل ألما، تفكّك العائلة، حين بقيت زوجته وأطفاله في لبنان، بقي طوال حياته يحلم بلمّ شمل الأسرة، كان هذا هاجسه الدائم، كثير من العائلات الفلسطينية تفككت بعد 1948، والدي اضطر إلى اتخاذ قرارات مصيرية في ظل تغيّرات فُرضت عليه، وهذا انعكس ارتباكًا داخل العائلة نفسها، لقد فقد والدي كل ما كان يملك".

وتشير الوقائع على الأرض، أن مأساة سعادة وعائلته تعكس مأساة مئات آلاف الفلسطينيين في مختلف المناطق، وهي ما زالت مستمرة ومتصاعدة، لأن الحقوق لم ترد لأصحابها، كما أن المغتصبين لم ينالوا جزائهم وما زالوا يتفلتون من المحاكمة والعقاب العادل وتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني المنكوب.
التعليقات (0)