"يا راحلين إلى منى بقيادي".. كيف خلدت قصيدة عبد الرحيم البرعي شاعرها وأخفت اسمه؟

لماذا يعرف الملايين "يا راحلين إلى منى" ويجهلون صاحبها؟ - جيتي
لماذا يعرف الملايين "يا راحلين إلى منى" ويجهلون صاحبها؟ - جيتي
شارك الخبر
"يا راحلين إلى منى بقيادي..." قصيدة شعرية تجاوزت صاحبها شهرة وذيوعا وصارت أيقونة تتردد في كل بلدان العالم خلال موسم الحج، بينما ظل شاعرها "عبدالرحيم البرعي" مغمورا لا يعرفه أحد.

البرعي، شاعر يمني من منطقة برع التابعة لمحافظة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر، غربي اليمن، حضرت قصائده وطارت في الآفاق تتناقلها الألسن في كل بقاع العالم الإسلامي، لاسيما أنها تنتمي للوجد والمديح النبوي.

أسئلة عدة تثيرها قصة "البرعي" من قبيل: لماذا يجهل الغالبية العظمى من الناس سيرته وشخصه وحتى اسمه، بينما تردّد الملايين حول العالم قصائده يومياً دون أن يدركوا أنها له؟

وقد ألقى تداخل الروايات والتواريخ بشأن حياته ووفاته، والتي عانى منها البرعي، الأمر الذي جعل ترجمة سيرته خفية مقارنة بحجم انتشارها، فبينما جازوته مؤلفاته في الشهرة والذيوع ظل الرجل طي النسيان.

أسباب شتى

وفي السياق، قال الكاتب والباحث اليمني، خالد بريه، إنَّ النَّاظر في تراث الأمم يدرك أنَّ ثَمَّة أعمالًا جاوزت أصحابها شهرةً وذيوعًا، حتى استقرت في ألسنة الناس وذاكرتهم، وباتت جزءًا من وجدانهم الجمعي، في حين غاب أصحابها في ظلال النِّسيان، لا يعرفهم إلا قليل، ومن عرف أسماءهم لم يعرف من أخبارهم إلا النزر اليسير. فكأنَّ العمل خُلد، وصاحبه طواه الزَّمان.

وأضاف بريه في حديث خاص لـ"عربي21" أن هذا الحال ينطبق على الشاعر المفلق عبد الرحيم البرعي (ت: 803هـ)، فقد شحَّت كتب التراجم والسير والتاريخ وقواميس الأعلام بمعرفةٍ وافيةٍ بحياته، ولم يفرد له أصحاب الطبقات ترجمةً تستوعب أطوار عمره ومناحي شخصيته. وما تناثر من أخباره في المصادر قليلٌ مضطرب، يكتنفه الاختلاف، ويعتريه النقص.

ومع ذلك، بحسب الكاتب اليمني  ـ ما أكثر من يردد أبياته الخالدة:
يا راحلينَ إلى منىً بقيادي
هيَّجتُمُ يومَ الرحيل فؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتي
والعيسُ أطربني وصوتُ الحادي
حرمتمُ جفني المنامَ لبعدكم
يا ساكنين المنحنى والوادي


وتابع : "ترددها الملايين في مواسم الحج، وتخفق لها القلوب، ويجري بها اللسان، بيْدَ أنَّ أكثرهم لا يعرفون قائلها، ولا يدركون أنَّ وراء هذه الأبيات شاعرًا عاشَ ومات، وأودع فيها قطعةً من روحه".

وأوضح الباحث اليمني أن هذه ظاهرة متكررة في تراثنا العلمي والأدبي؛ فكم من كتابٍ ذاعَ ذكره، وخفي اسم مؤلفه، وكم من متنٍ جرى على ألسنة الطلاب جيلاً بعد جيل، وصاحبه في حكم المجهول.

وخير مثال على ذلك "متن الآجرومية"، الذي يكاد يعرفه كل طالب علم، بينما يجهل كثير من الناس سيرة مؤلفه وأخباره.

اظهار أخبار متعلقة


وأورد أسبابا عدة تقف وراء ذلك من أهمها : أن العمل يتحول إلى جزءٍ من الذَّاكرة الشعبية، فيتداوله الناس دون أن يسألوا عن صاحبه، كأنَّ النَّص قد استولى على ذائقتهم، واستبدَّ بمشاعرهم، فاستغنوا به عن الالتفات إلى منشئه.

وهنا تبرز تلك المسألة الشائكة: هل يبقى النص ملكًا لصاحبه، أم أنه منذ خروجه إلى النَّاس يصبحُ ملكًا للمتلقين؟، وفق تساؤله.

ومن الأسباب أيضا، يشير المتحدث ذاته إلى أن المؤلف يموت مبكرًا، أو يؤثر العزلة والخمول، أو ينتسب إلى بيئة لا تُعنى ببناء الحضور الاجتماعي حول الأفراد، فيبقى أثره ظاهرًا واسمه خافتًا، مؤكدا أن هذا أمرٌ يتكرر في طائفة من نجباء اليمن وأدبائها وعلمائها.

وقال أيضا؛ إنَّ التاريخ كثيرًا ما يحفظ الأعمال أكثر مما يحفظ أصحابها؛ فقد تبقى القصيدة، ويختلف الناس في قائلها، ويخلد الكتاب، ويُنسى مؤلفه. وكأنَّ الأصل هو بقاء النص وتحقيق حضوره، أما صاحبه فوجوده وعدمه سواء في ميزان التلقي.

ومن أهم الأسباب وفقا للكاتب والباحث بريه أيضا "وجود عملٍ استثنائي يبتلع ما سواه من سيرة صاحبه، حتى يصبح عنوانًا عليه، وتصبح شهرته حجابًا بين الناس وبين بقية آثاره".

وأوضح أن ما وقع لعبدالرحيم البرعي؛ فقد كانت قصيدته «يا راحلين إلى منى بقيادي» عملًا وجدانيًّا آسرًا، اجتمع له صدق العاطفة، وعذوبة اللفظ، وصفاء الروح، فوقع من القلوب موقع القبول، واقترن بالمشاعر المقدسة، حتى غدا جزءًا من طقوس الوجدان الإسلامي في مواسم الحج.

ولفت إلى أن من أعجب سنن الخلود؛ ثمة أعمالٌ يكتب الله لها البقاء، حتى تكاد تنفصل عن أصحابها، وتمضي في الزمان وحدها، تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل. وقد يكون هذا أسمى ألوان النجاح الأدبي؛ أن يغيب الاسم، ويبقى الأثر، وأن يأفل الشخص، وتظل كلماته حيةً في الأفواه والقلوب.

وقال الباحث اليمني إن البرعي كان هكذا؛ غاب الرجل في بطون التاريخ، وبقي صوته يصدح كل عام مع قوافل الحجيج...وكأنَّ القدر شاء أن يطوي السيرة، ويُبقي القصيدة، وأن يجعل الشاعر ظلًّا عابرًا، ويهب قصيدته عمرًا أطول من عمر الرجال.

وختم حديثه قائلا : "ففي عالم الأدب كثيرًا ما يرحل المؤلف، ويبقى العمل شاهدًا عليه؛ يذكره الناس من حيث لا يشعرون، ويترحمون عليه من حيث لا يعلمون".

اظهار أخبار متعلقة


غمط محاسن الآخرين

من جهته يرى القاص والكاتب محمد مصطفى العمراني أن الشاعر عبد الرحيم البرعي اليماني من الشعراء الفحول الذين ظهروا في زمن الدولة الرسولية في اليمن _ 626 _ 958  هجرية وهو شاعر له العديد من القصائد أغلبها في المديح كعادة الشعراء من المتصوفة.

وقال العمراني في حديثه لـ"عربي21" إنه للأسف لم تقم مؤسسة ثقافية يمنية بالاهتمام بتراثه وطبع ديوانه طبعة جديدة رائعة، ولم تقدم له ترجمة وافية شاملة. فيما لم تقم مؤسسة أو جهة ثقافية يمنية بتقديم فيلم وثائقي أو برنامج عن الشاعر البرعي حتى اليوم.

وأضاف القاص اليمني أن النخبة اليمنية للأسف يصدق فيها قول الشوكاني "إن أهل اليمن جبلوا على غمط محاسِن بعضهم لبعض ودفن مناقِب أفاضلهم، فهم على تعاقب الأعصار لهم عناية كاملة ورغبة وافرة في دفن محاسن أكابرهم وطمس آثار مفاخرهم فلا يرفعون إلى ما يصدر عن أعيانهم من نظم أو نثر أو تصنيف رأسا وهذا مع توفر رغباتهم إلى الاطلاع على ما يصدر من غيرهم والاشتغال الكامل بمعرفة أحوال سائر الطوائف والإكباب على كتبهم التاريخية وغيرها وإني لأكثر التعجب من اختصاص المذكورين بهذه الخصلة التى كانت سببا لدفن سابقهم ولاحقهم وغمط رفيع قدر عالمهم وفاضلهم وشاعرهم وسائر أكابرهم ولهذا أهملهم المصنفون في التاريخ على العموم".

وأشار إلى أن البرعي له ترجمة في موسوعة أعلام اليمن ومؤلفيه وفي بعض الكتب، لكن حتى الآن "ما يزال مغمورا ويحتاج إلى أن تهتم به مؤسسة ثقافية وتصدر عنه كتابا وتقدم فيلما وثائقيا عنه".

ولفت الكاتب اليمني إلى أن قصيدته اشتهرت لما فيها من عاطفة جياشة ومشاعر فياضة ولغة رشيقة وشدة محبة وإخلاص، مضيفا أنها آهات خرجت من القلب ووصلت إلى كل القلوب فيرددها كل مشتاق للديار المقدسة حيث لامست مشاعر الناس وعزفت على وتر الشوق إلى مكة وهو وتر حساس عند كل مسلم.

تداخل العامل السياسي  والجغرافي

من جانبه، أكد الكاتب اليمني، وضاح عبدالباري طاهر، على أن قصيدة البرعي الرائعة طارت شهرتها، وسارت مع صاحبها مسير الشمس في جميع أنحاء العالم الإسلامي؛ وهي "يا سائرين إلى مِنىً بقيادي"، ورددها الوشَّاحُون في تهامة، والحجاز، وحضرموت، وغير ذلك من قصائده العذبة الرقيقة التي لا تزال تنبض بالحياة، والمفعمة بالروحانية الشَّفافة الصادقة العميقة.

وأضاف طاهر في حديثه لـ"عربي21" أن البرعي، كان علامة صوفيا وشاعرا كبيرا، وأحد الكواكب السيارة المضيئة التي يفخر بها هذا البلد العريق.

وبشأن سبب جهل الغالبية العظمى من الناس سيرته، وشخصه، واسمه، أوضح الكاتب اليمني أنه أمرا يدعو للأسف، ويبعث على الحسرة؛ بِأن يَجهلَ أبناء هذا الجيل تاريخ بلدهم العريق اليمن ورموزه الثقافية والعلمية والأدبية والحضارية.

اظهار أخبار متعلقة


وتابع بأن مَن يَعرف الشاعر الكبير عبد الرحيم البرعي لا يظن سوى كونه شاعر وأديب ومتصوف فقط، ويجهل أنَّه من علماء اليمن الكبار؛ فهو فقيه كبير شرح كتاب «التنبيه» في فقه الشافعية، للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وهو عالم فلك أيضًا؛ له رسالة في هذا العلم حققها الوالد الأستاذ عبد الباري طاهر، وَنُشِرَت في مجلة «الإكليل».

وأشار إلى أن بقاء "البرعي" طي النسيان، "يتداخل فيها العامل السياسي، والجغرافي، ونوع التعليم الذي كان ولا يزال سَائدًا"، معززا حديثه بكلام المؤرخ الكبير مسلم اللحجي (ت: 550هـ)، حين قال: "إنَّ قِلَّة الرغبة في أهل اليمن في إحياء ما يكون في بلادهم، وفي أهلها من الأخبار والآثار، ولهم الفضائل والمحاسن والعجائب ما قد عرفت. ومعلوم أنه قد كان في اليمن من المحاسن الحسنة في أخبار الدنيا في الجاهلية، والإسلام، وأخبار الدين في الإسلام، وسائر مكارم الأخلاق، ونوادر العجائب التي قد دوَّن أهل العراق، والحجاز، ومصر، والشام، وخراسان ما هو دونها، وأحيوا ما في طبقتها من أخبار ملوكهم، وقوادهم، وشعرائهم، وكُتَّابهم، وخطبائهم، وفقهائهم، وعُبَّادهم، وزهَادهم، ووزرائهم، وسُوقتهم، وعوامهم، وغير ذلك، ولهذا حيوا وماتوا".

واستغرب الكاتب وضاح طاهر من تجاهل القاضي إسماعيل الأكوع بعدم ذكره لمثل هذه الشخصية الكبيرة في تاريخه «هِجَر العلم ومعاقله في اليمن»، وكذلك الأستاذ المؤرخ عبد الرحمن بعكر بإغفاله له في كتابه «كواكب يمنية في سماء الإسلام».

ويشكر الأستاذ القدير والصوفي الجليل عبد العزيز سلطان المنصوب في إعادة تحقيقه لديوان البرعي، والدراسة القيمة التي قدَّمَها له.

وشدد على أن الدراسات والقراءات التي قدمت عن هذه الشخصية العظيمة تظل قليل جدًّا، ومنها الدراسة التي قدمها الأستاذ عبدالعزيز المنصوب، في إعادة تحقيقه لديوان البرعي.

وبحسب الكاتب اليمني فإن البرعي عاش محبا للذات الإلهية، متعلقًا بالذَّات النبوية المصطفوية، مُخلصًا لأسرته وأطفاله وأصدقائه الذين ما فتئ يذكرهم، ويثني عليهم، ويدعو لهم كما نراه في قوله:
وعَافِ أبا السُّعُود صُويحِبي من
   أذى جُرحٍ بطيءِ البُرءِ سَاري
وكن لدخيلِ عِلَّتِهِ طَبيبًا
 بلا نَارٍ ولا طُولِ انتظارِ


وقال طاهر مختتما حديثه : "إنَّ من الواجب علينا أن نكون أوفياء لرموزنا العلمية والثقافية والأدبية؛ ولا سيما من كان منهم كالشيخ الكبير عبد الرحيم البرعي؛ وذلك بإحياء ذكرهم، ونشر سيرهم، وسرد فضائلهم، ومعالم نبوغهم وإبداعهم عن طريق الدراسات والبحوث والنشر والتحقيق وإقامة الندوات والفعاليات والبرامج".
التعليقات (0)

خبر عاجل