عادت مساعي لملمة حزب المؤتمر الشعبي العام في
اليمن واستعادة دوره إلى الواجهة، في ظل انقسامات عميقة تعصف به منذ مقتل زعيمه، علي عبدالله صالح، الأمر الذي يفتح الباب واسعا أمام تساؤلات عدة بشأن نجاح هذه الخطوة وما دلالاتها من ناحية التوقيت؟
وفي السابق، تكررت مثل هذه المساعي، لكنها انتهت بالفشل، إلا أن هذه المرة، بدت الخطوات مغايرة من خلال إعلان كيان لاستعادة دور حزب المؤتمر الشعبي العام الذي حكم اليمن لأكثر من ثلاثة عقود.
وأواخر نيسان/ أبريل الماضي، أعلنت قيادات في حزب المؤتمر الشعبي العام، إشهار "تيار استعادة دور المؤتمر"، برئاسة وزير الإعلام في الحكومة المعترف بها دوليا، معمر
الإرياني، عقب اجتماع خُصص لمناقشة أوضاع الحزب في ظل الظروف التي تمر البلاد.
اظهار أخبار متعلقة
توحيد الصف واستعادة دوره
وفي بيان صادر عن التيار، أكد أن هذه الخطوة تأتي انطلاقا من المسؤولية الوطنية، "وإيمانا بالدور التاريخي للمؤتمر الشعبي العام كأحد أعمدة الدولة منذ تأسيسه، وما يمتلكه من قاعدة جماهيرية".
وبحسب البيان فإن التيار المعلن يهدف إلى "تعزيز التلاحم داخل الصف المؤتمري، واستعادة الدور الوطني الريادي للمؤتمر، وتفعيل مؤسساته" بما يواكب متطلبات المرحلة، ويعزز حضوره كشريك أساسي في معركة استعادة الدولة وبنائها.
ودعا تيار استعادة دور حزب المؤتمر إلى "إنهاء حالة التباين داخل القيادة العليا للمؤتمر"، مشيرا إلى أن استمرارها لم يعد مقبولاً في ظل التحديات الراهنة، مطالبا في الوقت ذاته، تلك القيادات إلى تغليب المصلحة الوطنية والعمل على توحيد الصف، واختيار قيادة مؤقتة، وإعادة تفعيل مؤسسات الحزب، وصياغة رؤية سياسية موحدة إلى حين استعادة الدولة وعقد المؤتمر العام وانتخاب قيادة جديدة.
ترتيب المشهد السياسي
وفي السياق، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء، والقيادي في حزب المؤتمر، عادل الشجاع، إن عودة مساعي لملمة حزب المؤتمر الشعبي العام في اليمن تشير إلى "إدراك متزايد لدى مختلف الأطراف بأهمية إعادة إحياء الحزب واستعادة دوره السياسي، خصوصا في ظل حالة التشظي والانقسام التي يعيشها منذ مقتل زعيمه الرئيس السابق علي عبدالله صالح".
وأضاف الشجاع في حديث خاص لـ"عربي21" : "غير أن نجاح هذه المساعي ما يزال مرهونا بقدرتها على تجاوز الحسابات الشخصية ومراكز النفوذ التي عطلت محاولات سابقة".
وأشار إلى أن عودة هذه التحركات تعكس شعورا متناميا بأن "المرحلة المقبلة في اليمن ستفرض إعادة ترتيب المشهد السياسي، خاصة مع تراجع الرهان الدولي على قوى الإسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني".
وتابع الأكاديمي اليمني بأن المجتمع الدولي بات أكثر تحفظا تجاه صعود "الإسلام السياسي"، سواء في نسخته الحوثية المرتبطة بالمشروع الإيراني، أو في نسخته السنية المرتبطة بجماعات الإسلام السياسي التقليدية، الأمر الذي يدفع بعض القوى إلى التفكير في إعادة تقديم المؤتمر الشعبي كقوة سياسية مدنية قادرة على ملء الفراغ.
واستدرك الشجاع قائلا: "لكن الواقع يشير إلى أن جزءا من هذه المساعي لا يزال محكوما بدوافع مرتبطة بالمصالح الشخصية"، موضحا أن بعض التحركات تدور حول المال والنفوذ، وبعضها الآخر يتمحور حول الصراع للاستحواذ على رئاسة المؤتمر وأمانته العامة، أكثر من انشغاله بإعادة بناء الحزب وتنظيم قواعده الشعبية.
وبحسب القيادي في حزب المؤتمر فإن هذا ما جعل كثيرا من "المحاولات السابقة تنتهي إلى الفشل"، لأنها بقيت أسيرة صراع القيادات ولم تتحول إلى مشروع سياسي وتنظيمي حقيقي.
وأوضح أن هناك حراكا آخر بدأ يتخلق بهدوء داخل قواعد المؤتمر وبين قطاع من كوادره التاريخية والشبابية، وهو "الحراك الذي يمكن وصفه بالتحرك الحقيقي لإعادة تنظيم الحزب من الداخل"، مؤكدا أن هذا التوجه يبدو أكثر إدراكا لأهمية وجود المؤتمر الشعبي العام في المرحلة المقبلة، ليس فقط كحزب سياسي، بل كقوة توازن في مواجهة احتكار المشهد من قبل قوى الإسلام السياسي المختلفة.
وأعتبر أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء أن نجاح أي مساع جديدة "مرهون بانتقالها من مرحلة الصفقات والتنافس على المواقع إلى مرحلة إعادة بناء التنظيم، واستعادة ثقة القواعد، وتقديم مشروع وطني يتجاوز الانقسامات الحالية".
وقال أيضا، إن المؤتمر لا يزال يمتلك حضورا اجتماعيا وسياسيا واسعا، لكن إعادة تفعيل هذا الحضور تحتاج إلى قيادة جماعية ورؤية تتعامل مع المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية بعيدا عن الحسابات الضيقة.
اظهار أخبار متعلقة
تململ ومرحلة تاريخية
من جانبه، قال عضو تيار استعادة دور حزب المؤتمر المعلن حديثا، رماح الجبري إن عودة الحديث عن لملمة المؤتمر الشعبي العام واستعادة دوره نابعة من ادارك القيادة الشبابية في الحزب بأن "استمرار حالة الانقسام والجمود يضعف الحزب ويفقده جزء كبير من تأثيره الوطني في مرحلة مهمة من تاريخ اليمن".
وأضاف الجبري في حديثه لـ"عربي21" أنه من دون شك، فإن المؤتمر العشبي العام ما يزال يمتلك ثقل سياسي وشعبي واسع إلا أن غياب القيادة الموحدة خلق حالة من التشظي أثرت على حضوره ودوره، سواء داخل معسكر الشرعية أو على مستوى المشهد السياسي عموماً.
وأشار إلى أن إعلان عدد من قيادات المؤتمر عن "تيار استعادة دور المؤتمر" والذي ضم حتى الآن أكثر من 200 قيادي من قيادات الصف الأول والثاني والثالث غالبيتهم من قيادات المؤتمر الشبابية وهو ما يمثل حراك حزبي نابع من وعي سياسي بأهمية أن يستعيد الحزب عافيته ودوره الوطني.
وأوضح الجبري أنه يمكن النظر إلى هذا التيار باعتباره "جماعة ضغط" داخل حزب المؤتمر تدفع بضرورة أن تنتهي خلافات القيادات التاريخية للمؤتمر لتغليب مصلحة الحزب على أي خلافات أو ارتباطات شخصية.
وبشأن توقيت هذا الحراك، فلفت عضو تيار استعادة دور حزب المؤتمر إلى أن هناك عوامل عدة دفعت عدد من القيادات لهذا التحرك، الذي لم يعد الأول من نوعه، منها "الشعور المتزايد لدى كثير من المؤتمريين بأن المرحلة الحالية تتطلب وجود حزب أكثر تماسكاً وفاعلية، خصوصاً في ظل معركة استعادة الدولة ومواجهة المشروع الحوثي الإيراني"، إضافة إلى وجود قناعة بأن استمرار التشرذم يخدم المليشيا الحوثية بالدرجة الأولى كونها تستفيد من القاعدة الجماهيرية لحزب المؤتمر,
وبحسب الجبري فإنه المحاولات السابقة فشلت، لكن الجديد اليوم أن هناك حالة تململ حقيقية داخل القواعد والكوادر المؤتمرية، وضغط متزايد باتجاه إعادة تفعيل المؤسسات ولم الشمل، بعيداً عن الحسابات الشخصية أو الصراعات التقليدية التي عطلت كثيراً من المبادرات السابقة.
وأكد على أن نجاح هذه المساعي سيظل مرتبط بقدرة مختلف الأطراف المؤتمرية على تقديم تنازلات متبادلة والاتفاق على صيغة مرنة لإدارة المرحلة داخل الحزب، بعيداً عن منطق الإقصاء أو احتكار القرار، على حد قوله.
ويبدو أن صراع الأجنحة داخل حزب المؤتمر، وفق مراقبين، يجعل هذه المهمة معقدة جدا، لاسيما في ظل هيمنة جماعة الحوثي على جناح الداخل، الذي يقف معها في خندق واحد، ويتبنى الموقف ذاته من التحالف العسكري الذي تقوده الرياض، وهو الأمر قد يعوق حدوث أي اختراق في جدار التصدعات الجاثم عليه.
ويشهد حزب المؤتمر تشظيا وانقساما غير مسبوق، منذ اندلاع ثورة 11 شباط/ فبراير في العام 2011، مرورا بما يعرف بـ"الانقلاب الذي قاده الحوثيون خريف 2014، وصولا إلى أحداث كانون الأول/ ديسمبر 2017، التي انتهت بمقتل زعيم الحزب صالح".
وبعد مقتل صالح، انقسم الحزب إلى تيارات عدة، الأول "موال للحوثي في صنعاء"، والثاني "محسوب على نجله أحمد"، بالإضافة إلى تيار ثالث موال للرئيس عبدربه منصور هادي.