نشرت صحيفة "
نيويورك تايمز" مقالاً لأستاذ العلوم السياسية في كلية بارد، عمر إنكارناسيون، أشار فيه إلى تجمع لافت جرى في نيسان/أبريل ضم العديد من الشخصيات التقدمية البارزة في العالم كان هدفهم إظهار دعمهم للديمقراطية والتعددية في مواجهة خطر اليمين المتطرف.
ومن بين الشخصيات البارزة التي توافدت إلى التجمع في برشلونة، "الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، والرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم، والرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا".
وأضاف "من الطبيعي أن يظن المرء أن الغرض الحقيقي من زيارتهم هو تكريم رئيس الوزراء الإسباني،
بيدرو سانشيز؛ فهو أطول زعيم يساري وسطي خدمةً في الغرب، وقد اشتهر مؤخراً بأمر آخر: قيادة المعارضة العالمية للرئيس
ترامب".
اظهار أخبار متعلقة
وعلى النقيض من نهج "عدم إثارة غضب الدب" الذي يتبعه معظم القادة الأجانب، تحدّى سانشيز الرئيس الأمريكي بجرأة، مُديناً إطاحة ترامب بنيكولاس مادورو من السلطة، ورافضاً استخدام الولايات المتحدة للقواعد العسكرية في إسبانيا في حربها على إيران.
وقد سبقت هذه المواقف سلسلة من المواجهات مع واشنطن؛ ففي العام الماضي، كان سانشيز الزعيم الوحيد في حلف الناتو الذي عارض مطالبة ترامب بزيادة كبيرة في الإنفاق العسكري، وتصدّى لتهديد فرض تعريفات جمركية، وقاد حملة الاعتراف بدولة فلسطين ووصف حرب غزة بالإبادة.
يرى
منتقدو سانشيز أن هذا التحوّل إلى خصم
لدود لترامب هو أحدث تجلٍّ لما يُسمى بـ"السانشية"، وهي سياسة شعبوية لا
مبادئ لها، تهدف إلى البقاء في السلطة بأي ثمن. إلا أن هذا الوصف المُهين لا
يُعبّر بدقة عن حقيقة الأمر.
على مدار ثماني سنوات في منصبه، نجح سانشيز في جعل إسبانيا آخر معاقل الديمقراطية الاجتماعية
في
أوروبا، حيث صمدت - بل وازدهرت - في بيئة قاسية على السياسيين التقدميين. وقد
حقق هذا الإنجاز بمزجه بين الطموح والمثالية والواقعية، إلى جانب معارضته لترامب.
وعلى
غرار ترامب، وصل سانشيز إلى السلطة كشخصية مُثيرة للجدل لا تصبر
على التغيير. ففي عام 2017، استعاد السيطرة على حزب العمال الاشتراكي الإسباني،
وجاب إسبانيا بسيارته بيجو 407 لنشر رسالته المناهضة للمؤسسة الحاكمة والتواصل مع
قواعد الحزب الشعبية.
وفي العام التالي، دبر إقالة رئيس الوزراء ماريانو راخوي -
الذي كان حزبه الشعبي المحافظ غارقا في فضائح فساد - من منصبه عبر تصويت بحجب
الثقة في مجلس النواب. بعد أن نجح في إسقاط حكومة لأول مرة في تاريخ إسبانيا ما
بعد فرانكو، برز سانشيز كزعيم للبلاد.
وبمجرد
توليه منصبه، أظهر سانشيز جرأة لافتة. ففي
عام 2023، وبعد دعوته لانتخابات مبكرة، أبرم صفقة مثيرة للجدل مع الانفصاليين
الكتالونيين في مقابل دعمهم، عرض العفو عن كل من له صلة بالاستفتاء غير القانوني على استقلال كتالونيا الذي أُجري
عام 2017.
عارض العديد من أعضاء السلطة
القضائية هذه الصفقة، ما أدى إلى انهيار المحافظين وانطلاق احتجاجات شعبية واسعة.
لكن الرهان أتى ثماره. فقد بقي سانشيز في
السلطة، وبعد أن تم ترسيخ اتفاقية العفو في القانون، تراجع الدعم لاستقلال
كتالونيا بشكل ملحوظ.
لقد
كانت هذه المخاطرة في خدمة أجندة مثالية يُطلق عليها سانشيز اسم "التقدمية الناجحة". فبين
عامي 2018 و2025، رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 61 بالمئة، كما أدخل إصلاحات في قوانين
العمل للحد من البطالة، والحد من العقود قصيرة الأجل.
كما شدد إجراءات فصل العمال،
وحماية النساء من التمييز في مكان العمل. وشكلت هذه السياسات،
إلى جانب زيادة الضرائب على الأثرياء وتقديم دعم سخي للعمال خلال الجائحة، مقدمة
لانتعاشٍ مُظفّر للاقتصاد الإسباني.
وبحلول عام 2024، أشادت مجلة الإيكونوميست
بإسبانيا باعتبارها "أفضل اقتصاد غني أداء" في العالم، كما
سعى سانشيز إلى محاسبة المسؤولين عن ماضي
إسبانيا الديكتاتوري.
ففي عام 2019، نجح في إزالة رفات الجنرال فرانشيسكو فرانكو
من وادي الشهداء، وهو أضخم نصب تذكاري عام في إسبانيا، ونصب تذكاري للديكتاتور
يُخلّد انتصاره في الحرب الأهلية الإسبانية.
وفي عام 2022، ورغم معارضة شديدة من
المحافظين، سنّ قانون الذاكرة الديمقراطية. والجدير بالذكر أن هذا القانون
التاريخي ألزم الحكومة بتحديد مواقع نحو ألفي مقبرة جماعية، واستخراج رفات ما يصل
إلى 150 ألف ضحية من ضحايا الحرب الأهلية وديكتاتورية فرانكو، وإعادة دفنها.
مع ذلك،
لا ينبغي لأحد أن يظن أن سانشيز
أيديولوجي. فبراغماتيته واضحة لا لبس فيها، لا سيما فيما يتعلق بالاقتصاد. وقد
رافق ما يُسمى بـ"المعجزة الإيبيرية"، القائمة على قطاع سياحي مزدهر،
وصادرات خدمات عالية القيمة، وصناعة السيارات، والطاقة المتجددة.
ومن
ركائز هذه المعجزة سياسة هجرة سخية - إذ دخل قانونٌ حيز التنفيذ هذا العام يُسوّي
أوضاع 500 ألف شخص غير موثق - تُعطي الأولوية لسكان أمريكا اللاتينية القادرين على
الاندماج في المجتمع الإسباني، ولمن يرغبون في شغل وظائف لا يرغب بها الإسبان.
لا شك أن تكرار نجاح سانشيز في أماكن أخرى لن يكون سهلاً. فمن جهة، فإن نفور إسبانيا من اليمين المتطرف - المتجذر في تجربتها الحديثة نسبياً مع الديكتاتورية - قد حدّ من جاذبية اليمين الراديكالي، على عكس ما هو عليه الحال في أماكن أخرى من أوروبا.
علاوة على ذلك، فإن وجود قوى كبيرة على يسار سانشيز قد مكّنه من تبني أفكارهم دون أن يفقد مكانته كسياسي مسؤول: إذ يمكنه التمسك باليسار أو التنصل منه، حسبما تقتضيه الظروف. أما مهارته في التغلب على خصومه اليمينيين وتجنب الفضائح، فسيكون من الأصعب تقليدها.
اظهار أخبار متعلقة
وقد أعلن سانشيز نيته الترشح لإعادة انتخابه العام المقبل. ومن المؤكد أن معارضته لترامب ستكون في صميم اهتماماته، ووفقاً لاستطلاعات الرأي الأخيرة، فإن 51 بالمئة من الإسبان يرون أن أمريكا تشكل "تهديداً" لأوروبا.
ولقد شهد سانشيز بالفعل ارتفاعاً ملحوظاً في استطلاعات الرأي ونسب التأييد بفضل نهجه الحازم تجاه ترامب. ولكن بغض النظر عن نتيجة الانتخابات العام المقبل، فقد رسّخ مكانته كواحد من أبرز القادة الإسبان في حقبة ما بعد فرانكو.
والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو الأهمية العالمية لسانشيز. فانطلاقاً من إيمانه بأن قادة يسار الوسط قد حكموا لفترة طويلة كنسخ باهتة من نظرائهم اليمينيين، فقد رسم تمييزاً واضحاً بينهما.
وفي خضم ذلك، أسس سانشيز فلسفة حكم بديلة عن الترامبية، فلسفة ناجحة أيضاً. فلا عجب إذن أن قادة ذوي توجهات مماثلة، يواجهون عالماً مضطرباً، قد أقبلوا عليه تقديراً له، ورأوا بأنفسهم كيف يمكنهم الاستفادة من تجربة إسبانيا.