دخلت عملية السلام بين الحكومة التركية وحزب العمال
الكردستاني الكردي مرحلة من الجمود الحذر، مع تصاعد تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران واتساع حالة الاضطراب الإقليمي، ما دفع الطرفين إلى التردد في اتخاذ خطوات جديدة رغم الزخم الذي رافق المبادرة خلال العامين الماضيين.
وبينما تتمسك أنقرة بمطلب نزع السلاح الكامل قبل تقديم أي تنازلات سياسية أو قانونية، يطالب
حزب العمال بضمانات وتشريعات تحمي مقاتليه قبل تسليم السلاح، في مشهد يعيد إلى الأذهان تعثر محاولات السلام السابقة التي انتهت بجولات دامية من العنف.
وبحسب تقرير لوكالة "رويترز"، فإن الحرب على إيران وما تبعها من اضطرابات إقليمية دفعت
تركيا إلى إعادة حساباتها الأمنية، وسط مخاوف من تنامي التحركات الكردية المسلحة في العراق وإيران وسوريا، وهو ما انعكس سلبا على مسار المفاوضات غير المباشرة الجارية مع الحزب.
ونقلت الوكالة عن مسؤول حكومي تركي قوله إن أنقرة لعبت دورا أساسيا في إحباط مقترح أمريكي إسرائيلي كان يقضي بدعم تحرك بري تنفذه جماعات كردية مسلحة ضد إيران انطلاقا من الأراضي العراقية، قبل أن يتم التخلي عن الفكرة لاحقا.
ومنذ اندلاع الحرب، تتابع تركيا عن كثب تحركات الفصائل الكردية المسلحة في المنطقة، لا سيما تلك المرتبطة تاريخيا بحزب العمال الكردستاني، وسط تحذيرات رسمية من أن الفوضى الإقليمية قد تعيد تنشيط التعبئة المسلحة عبر الحدود.
وفي هذا السياق، أفادت صحيفة "تركيا جازيتسي" المقربة من الحكومة، بأن رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم كالن أبلغ نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم بأن الحزب لم يقدم خطوات فعلية لنزع السلاح، باستثناء مراسم رمزية لإحراق بعض الأسلحة في شمال العراق خلال صيف 2025، ما تسبب في تباطؤ عملية السلام.
اظهار أخبار متعلقة
الحزب يرفض نزع السلاح دون ضمانات
في المقابل، يرى حزب العمال الكردستاني أن تسليم السلاح في ظل الأوضاع الحالية سيجعله مكشوفا أمنيا وعسكريا، خاصة مع تصاعد التوترات الإقليمية.
ونقلت وكالة "فرات" المقربة من الحزب عن القيادي البارز مراد كارايلان قوله إن "إلقاء السلاح دون ضمانات قانونية تركية أمر غير منطقي، في وقت تطير فيه الطائرات المسيّرة والصواريخ فوق رؤوسنا".
كما اتهم المتحدث باسم الجناح السياسي للحزب زاكروس هيوا، الحكومة التركية بـ"تجميد عملية السلام من جانب واحد"، معتبرا أن أنقرة تؤجل الإصلاحات المرتبطة بالقضية الكردية لأسباب سياسية داخلية وإقليمية.
وتتزايد الانتقادات داخل الأوساط الكردية لبطء الحكومة التركية في تنفيذ الإصلاحات السياسية والقانونية التي أوصت بها لجنة برلمانية شكلت مطلع العام الجاري لمتابعة ملف السلام.
وقالت النائبة عن حزب المساواة والديمقراطية للشعوب الكردي٬ جولستان كيليج كوجيجيت، إن العملية تمر بحالة "توقف مؤقت"، مشيرة إلى أن مطالبة الحكومة بنزع السلاح الكامل قبل أي خطوات إصلاحية "أمر غير واقعي".
وأضافت أن السلطات التركية تبدو وكأنها "تنتظر اتضاح المشهد في إيران والشرق الأوسط قبل اتخاذ قرارات حاسمة".
وأكدت أن استمرار التأخير في تنفيذ الإصلاحات الديمقراطية قد يؤدي إلى تقويض الثقة التي تشكلت خلال الشهور الماضية بين الأطراف المعنية بالعملية.
كيف بدأ الصراع؟
ويعد الصراع بين تركيا وحزب العمال الكردستاني واحدا من أطول النزاعات المسلحة في المنطقة، إذ بدأ الحزب تمرده ضد الدولة التركية عام 1984، مطالبا في البداية بإقامة دولة كردية مستقلة، قبل أن يتحول لاحقا إلى المطالبة بحقوق سياسية وثقافية وحكم ذاتي محدود للأكراد.
ويعيش
الأكراد في تركيا وسوريا والعراق وإيران، ويعدون من أكبر المجموعات القومية في العالم التي لا تمتلك دولة مستقلة بعد انتهاء الاستعمار وتقسيم العالم العربي والإسلامي.
وأسس عبد الله أوجلان الحزب عام 1978 في جنوب شرق تركيا، قبل أن يتحول لاحقا إلى تنظيم مسلح خاض مواجهات طويلة مع الدولة التركية، تركزت في البداية داخل الولايات الجنوبية الشرقية، ثم امتدت لاحقا إلى شمال العراق وسوريا.
اظهار أخبار متعلقة
وتعتبر تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حزب العمال الكردستاني "منظمة إرهابية".
وفي عام 1999، ألقت قوات خاصة تركية القبض على أوجلان في كينيا، ونُقل إلى تركيا حيث يقضي حكما بالسجن في جزيرة إمرالي جنوب إسطنبول، لكنه ظل رغم ذلك الشخصية الأكثر تأثيرا داخل التنظيم.
بدأت المبادرة الجديدة في تشرين الأول/أكتوبر 2024 عندما اقترح زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي، الحليف المقرب للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، السماح لعبد الله أوجلان بإلقاء كلمة أمام البرلمان إذا دعا حزب العمال الكردستاني إلى إنهاء تمرده المسلح.
وفي كانون الأول/ديسمبر 2024، زار نواب من حزب المساواة والديمقراطية للشعوب أوجلان في سجنه للمرة الأولى منذ نحو عشر سنوات، في خطوة اعتبرت مؤشرا على انطلاق مسار تفاوضي جديد.
وفي 27 شباط/فبراير 2025، دعا أوجلان الحزب رسميا إلى حل نفسه ونزع السلاح، ليعلن الحزب بعد يوم واحد وقف إطلاق النار.
وفي أيار/مايو 2025 أعلن حزب العمال الكردستاني حل نفسه رسميا وإنهاء الكفاح المسلح، قبل أن يشهد شمال العراق مراسم رمزية لإحراق الأسلحة شارك فيها عشرات المقاتلين.
وعقب ذلك، شكل البرلمان التركي لجنة خاصة لمتابعة العملية، وأقر في شباط/فبراير 2026 تقريرا تضمن مقترحات بإجراء تعديلات قانونية مرتبطة بملف نزع السلاح وإعادة دمج المقاتلين السابقين.
لماذا تعثرت العملية؟
رغم الأجواء الإيجابية التي رافقت المبادرة، فإن الخلاف الأساسي ظل يدور حول ترتيب الخطوات بين الطرفين.
فالحكومة التركية تصر على أن الحزب يجب أن ينزع سلاحه بالكامل قبل إقرار أي قوانين خاصة بالعفو أو إعادة الدمج أو الحماية القانونية.
في المقابل، يؤكد الحزب أن التخلي عن السلاح دون ضمانات قانونية وسياسية واضحة سيجعل عناصره عرضة للخطر، خصوصا في ظل الحرب الإقليمية الحالية.
ويرى مراقبون أن اندلاع الحرب على إيران عقد الحسابات التركية، إذ تخشى أنقرة من أن يؤدي أي فراغ أمني في المنطقة إلى إعادة تنشيط الجماعات المسلحة الكردية في أكثر من ساحة.
كما أن المؤسسة الأمنية التركية تبدو مترددة في تقديم تنازلات سياسية واسعة في وقت يشهد الشرق الأوسط حالة من السيولة الأمنية والعسكرية.
ولا يزال عبد الله أوجلان يمثل الحلقة المحورية في أي تسوية محتملة، إذ يرى الحزب أن مشاركته المباشرة ضرورية لإنجاح العملية.
وفي هذا السياق، اقترح دولت بهجلي مطلع أيار/مايو الجاري إنشاء "مكتب رسمي لتنسيق عملية السلام والتسييس" يسمح لأوجلان بالمساهمة في إدارة المرحلة المقبلة، غير أن الحكومة التركية لم تعلن حتى الآن موقفا واضحا من المقترح.
وبينما يطالب بعض الأطراف بمنح أوجلان دورا رسميا في العملية، ترفض الحكومة الحديث عن أي "وضع خاص" له قبل استكمال ملف نزع السلاح.
اظهار أخبار متعلقة
هواجس من تكرار سيناريو 2015
وتحمل التطورات الحالية مخاوف من تكرار سيناريو انهيار عملية السلام السابقة بين عامي 2013 و2015، والتي انتهت بعودة المواجهات المسلحة بشكل أكثر دموية.
فبعد فشل تلك المحادثات، شهد جنوب شرق تركيا واحدة من أعنف موجات القتال، كما توسعت العمليات العسكرية التركية داخل العراق وسوريا.
ويرى محللون أن فشل المبادرة الحالية قد يعيد المنطقة إلى دائرة العنف، خاصة في ظل تشابك الملفات الإقليمية وارتباط القضية الكردية بالتوازنات الجيوسياسية في سوريا والعراق وإيران.
وتحمل القضية أيضا أبعادا سياسية حساسة بالنسبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خاصة مع اقتراب الانتخابات المقبلة التي يرجح أن يلعب فيها الصوت الكردي دورا مؤثرا.
وأظهرت استطلاعات رأي حديثة تراجع ثقة الشارع التركي بإمكانية نجاح عملية السلام، إذ أشار استطلاع أجرته مؤسسة "كوندا بارومتر" في كانون الأول/ديسمبر إلى أن 79 بالمئة من المشاركين يعتقدون أن الدولة أخطأت في طريقة تعاملها مع أوجلان، بمن فيهم 62 بالمئة من ناخبي حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وفي المقابل، يراهن أردوغان وحلفاؤه على أن نجاح العملية قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار الداخلي، تنعكس على الوضع الاقتصادي والسياسي في البلاد.
لكن في ظل استمرار الحرب على إيران وتصاعد التوترات الإقليمية، تبدو عملية السلام التركية أمام اختبار بالغ الصعوبة، بين حسابات الأمن القومي، وضغوط السياسة الداخلية، ومخاوف عودة العنف إلى واحد من أكثر ملفات المنطقة تعقيدا.