في
السياسة؛ ليست كل زيارة مصافحة، وليست كل ابتسامة دليلا على التفاهم؛ أحيانا تتحول
الزيارات الكبرى إلى مسارح مغلقة، يجلس فوق خشبتها قادة العالم، بينما تتحرك خلف
الستار خرائط
الاقتصاد، وموازين القوة، وأسئلة الهيمنة القادمة. ومن هنا؛ فإن
السؤال حول نجاح زيارة إلى لا يمكن قراءته بمنطق الصورة البروتوكولية، بل بمنطق
التحولات العميقة التي أصابت النظام الدولي بعد تلك الزيارة.
لقد ذهب
ترامب إلى
الصين وهو يحمل عقيدة مختلفة عن الرؤساء الأمريكيين التقليديين، لم يكن
يؤمن كثيرا بفكرة "الشراكة الحضارية"، ولا بخطاب الليبرالية الناعمة، بل
كان ينظر إلى العالم بوصفه سوقا ضخمة، وإلى الدول بوصفها منافسين في معركة الأرباح
والنفوذ. ولهذا؛ فإن زيارته لم تكن رحلة دبلوماسية عادية، وإنما محاولة لإعادة
تعريف العلاقة مع الصين: هل هي شريك اقتصادي؟ أم خصم استراتيجي؟ أم عدو مؤجل؟
زيارته لم تكن رحلة دبلوماسية عادية، وإنما محاولة لإعادة تعريف العلاقة مع الصين: هل هي شريك اقتصادي؟ أم خصم استراتيجي؟ أم عدو مؤجل؟
الصين، من
جهتها، لم تستقبل ترامب بوصفه مجرد رئيس أمريكي، بل بوصفه ظاهرة سياسية مرتبكة
تحمل داخلها تناقضات الإمبراطورية الأمريكية نفسها. أمريكا التي قادت العالم لعقود
بدأت تشعر بأن مركزها يهتز، وأن التنين الصيني لم يعد مجرد مصنع رخيص، بل مشروع
قوة كونية يمتلك الاقتصاد، والتكنولوجيا، والطموح الجيوسياسي.
ومن هنا؛
يمكن القول إن الزيارة نجحت شكليا، لكنها كشفت عمق الفشل البنيوي بين الطرفين. نجحت؛ لأن الصين استطاعت أن تقدم نفسها أمام
العالم باعتبارها قوة واثقة، قادرة على استقبال رئيس أمريكي صاخب، دون أن تفقد
هدوءها الاستراتيجي. ونجح ترامب؛ لأنه عاد إلى الداخل الأمريكي محملا بصفقات
اقتصادية ضخمة، حاول تسويقها باعتبارها انتصارا قوميا للصناعة الأمريكية.
لكن خلف
الأرقام؛ كانت الحقيقة أكثر تعقيدا، فالزيارة لم تعالج جوهر الأزمة بين البلدين،
بل ربما عمقت إدراكها. إذ اكتشفت واشنطن أن الصين لم تعد مجرد تابع اقتصادي يمكن
ضبطه بالعقوبات أو الضغوط السياسية، بل أصبحت مركزا دوليا يمتلك مشروعه الخاص
للعالم. واكتشفت بكين أيضا أن أمريكا، حتى حين تتحدث بلغة التجارة، فإنها تخفي
خلفها خوفا عميقا من صعود صيني قد ينهي قرنا كاملا من الهيمنة الأمريكية.
لقد كانت
الزيارة أشبه بهدنة مؤقتة بين قوتين تعرفان أن الصدام قادم، لكنهما تؤجلانه إلى
اللحظة المناسبة.
والمثير
أن ترامب نفسه كان يتأرجح بين الإعجاب بالصين والخوف منها. فقد بدا أحيانا منبهرا
بقدرة الدولة الصينية على فرض الانضباط، وإدارة الاقتصاد، وصناعة النفوذ، لكنه في
الوقت نفسه كان يدرك أن هذا النجاح الصيني هو التهديد الأكبر للحلم الأمريكي
التقليدي.
ومن هنا؛
بدأت ملامح الحرب الاقتصادية التي انفجرت لاحقا بين البلدين. الرسوم الجمركية،
والحصار التكنولوجي، ومعارك أشباه الموصلات، والتنافس على الذكاء الاصطناعي؛ كلها
لم تكن أحداثا منفصلة، بل نتائج متراكمة لزيارة كشفت أن التعايش بين القوتين أصبح
أكثر هشاشة مما كان يظن العالم.
الصراع الحقيقي اليوم ليس على الحدود، وإنما على من يملك المستقبل: من يتحكم بالبيانات؟ من يقود الذكاء الاصطناعي؟ من يفرض العملة الأقوى؟ ومن يكتب القواعد الجديدة للعالم؟
إن نجاح
الزيارة لا يقاس بعدد الاتفاقيات فقط، بل بقدرتها على إنتاج استقرار طويل المدى، وهنا
تحديدا يبدو الفشل أكثر وضوحا. فالعلاقة الأمريكية الصينية بعد الزيارة لم تتجه
نحو الثقة، وإنما نحو إدارة الصراع. وهذا فارق خطير في
العلاقات الدولية؛ لأن
الدول حين تفقد الثقة تبدأ ببناء استراتيجيات الاحتواء، لا استراتيجيات الشراكة.
كما أن
الزيارة حملت بعدا رمزيا بالغ الأهمية، لقد ظهر العالم وكأنه ينتقل من مرحلة القطب
الواحد إلى مرحلة القلق من التعددية القطبية. الصين لم تعد تخفي رغبتها في إعادة
تشكيل النظام العالمي، وأمريكا لم تعد قادرة على إخفاء قلقها من هذا التحول.
ولعل أخطر
ما كشفته الزيارة أن المعركة القادمة لن تكون عسكرية بالمعنى التقليدي فقط، بل
حضارية واقتصادية وتكنولوجية. فالصراع الحقيقي اليوم ليس على الحدود، وإنما على من
يملك المستقبل: من يتحكم بالبيانات؟ من يقود الذكاء الاصطناعي؟ من يفرض العملة
الأقوى؟ ومن يكتب القواعد الجديدة للعالم؟
لهذا؛ فإن
زيارة ترامب إلى الصين نجحت إعلاميا، ونجحت اقتصاديا بصورة جزئية، لكنها
استراتيجيا كانت بداية الاعتراف الأمريكي الصريح بأن القرن الصيني لم يعد مجرد
احتمال نظري.
لقد عاد
ترامب من الصين وهو يرفع شعار "أمريكا أولا"، لكن العالم كان يسمع شيئا
آخر: أمريكا تخشى أن لا تبقى أولا إلى الأبد. وهنا تكمن الحقيقة الأعمق للزيارة كلها، لم تكن رحلة رجل إلى دولة، بل
كانت لحظة مواجهة بين إمبراطوريتين؛ واحدة تحاول الحفاظ على عرش العالم، وأخرى
تصعد بهدوء التنين، وصبر الحضارات الطويل.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.