نتنياهو وتفكيك الجبهات

رائد ناجي
"إسرائيل وجدت نفسها مضطرة إلى تخصيص جزء معتبر من قدراتها العسكرية والاستخباراتية للجبهة الشمالية"- الأناضول
"إسرائيل وجدت نفسها مضطرة إلى تخصيص جزء معتبر من قدراتها العسكرية والاستخباراتية للجبهة الشمالية"- الأناضول
شارك الخبر
منذ اندلاع المواجهة الكبرى في غزة، سعت إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو إلى إدارة الصراع وفق مبدأ قديم متجدد: تفكيك ساحات المواجهة ومنع تشكل جبهة إقليمية موحدة. فالحروب الحديثة لا تدار بالسلاح وحده، بل بإعادة تشكيل الخرائط السياسية والنفسية والإعلامية، بحيث تصبح كل ساحة منشغلة بحساباتها الخاصة، منفصلة عن محيطها، وعاجزة عن التحول إلى عنصر ضغط استراتيجي متكامل. ومن هنا يبرز السؤال: هل استطاع نتنياهو بالفعل فصل الساحة اللبنانية عن المشهد الإقليمي الأوسع؟

في الظاهر، قد تبدو الإجابة إيجابية إلى حد ما، فلبنان، الذي كان يوصف لعقود بأنه الساحة الأكثر التصاقا بالصراع مع إسرائيل، لم ينزلق إلى حرب شاملة رغم أشهر طويلة من التوتر والمواجهات الحدودية. وقد نجحت إسرائيل، عبر الضربات المركزة والاغتيالات النوعية والضغوط الدولية، في إبقاء الاشتباك ضمن سقف معين، يمنع تحوله إلى مواجهة إقليمية مفتوحة. كما أن الواقع اللبناني الداخلي، المثقل بالأزمات الاقتصادية والانقسامات السياسية والفراغات المؤسساتية، أسهم في تكريس منطق الحذر وتجنب الانفجار الكبير.

المواجهات التي شهدها جنوب لبنان طوال الفترة الماضية لم تكن معزولة عن السياق الإقليمي، بل جاءت في إطار ما بات يعرف بوحدة الساحات، حتى وإن اختلفت مستويات الانخراط وحدود الاشتباك

غير أن قراءة المشهد من زاوية النتائج الآنية فقط قد تكون مضللة، فالفصل الحقيقي بين الساحات لا يعني مجرد منع اندلاع حرب شاملة، وإنما يعني تفكيك الروابط السياسية والاستراتيجية والنفسية التي تجعل الأحداث في غزة أو سوريا أو العراق أو اليمن تؤثر مباشرة في القرار اللبناني. وهنا تبدو الصورة أكثر تعقيدا مما يرغب نتنياهو في إظهارها.

فالمواجهات التي شهدها جنوب لبنان طوال الفترة الماضية لم تكن معزولة عن السياق الإقليمي، بل جاءت في إطار ما بات يعرف بوحدة الساحات، حتى وإن اختلفت مستويات الانخراط وحدود الاشتباك. صحيح أن كل طرف حافظ على حساباته الخاصة، لكن الترابط السياسي والرمزي بقي قائما. ولذلك فإن إسرائيل وجدت نفسها مضطرة إلى تخصيص جزء معتبر من قدراتها العسكرية والاستخباراتية للجبهة الشمالية، رغم تركيزها الأساسي على غزة.

لقد أدرك نتنياهو أن الخطر الأكبر لا يتمثل في الصواريخ وحدها، وإنما في بقاء فكرة الترابط بين الجبهات حية وفاعلة. فحين تتحول أي مواجهة في غزة إلى عامل استنفار في لبنان والعراق واليمن، تصبح إسرائيل أمام معادلة استنزاف متعددة الاتجاهات. ولهذا ركزت استراتيجيته على إقناع الداخل الإسرائيلي والخارج الدولي بأن ما يجري في لبنان شأن منفصل يمكن احتواؤه وإدارته بعيدا عن بقية الملفات.

لكن الوقائع الميدانية كشفت حدود هذا الرهان، فكل تصعيد في غزة كان ينعكس توترا على الحدود اللبنانية، وكل تفاوض يتعلق بوقف إطلاق النار كان يثير أسئلة موازية حول مستقبل الجبهة الشمالية. وهذا الترابط لم يكن وليد قرار سياسي فقط، بل نتاج بنية إقليمية تشكلت خلال سنوات طويلة من التحالفات والتقاطعات والمصالح المشتركة.

ومن زاوية أخرى، فإن نتنياهو لم ينجح في تحقيق هدف أكثر أهمية، وهو إعادة لبنان إلى مرحلة الردع الكامل التي كانت إسرائيل تطمح إليها. فالردع يعني أن يمتنع الخصم عن الفعل خوفا من النتائج، بينما ما جرى خلال الأشهر الماضية أظهر أن الجبهة اللبنانية بقيت قادرة على فرض حضورها في الحسابات العسكرية الإسرائيلية، وأن المؤسسة الأمنية في تل أبيب لم تتعامل معها بوصفها ملفا هامشيا أو منفصلا.

يبقى لبنان، رغم أزماته وانقساماته، جزءا من معادلة إقليمية أكبر من حدوده الجغرافية. وقد ينجح الفاعلون الدوليون في تخفيض مستوى التوتر أو تأجيل المواجهة، لكنهم لا يستطيعون بسهولة فصل الساحات التي نسجتها عقود طويلة من الصراعات والتحالفات والتوازنات

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن إسرائيل حققت بعض المكاسب التكتيكية. فقد استفادت من التباينات اللبنانية الداخلية، ومن حالة الإنهاك الاقتصادي، ومن الضغوط الدولية التي تدفع نحو تجنب الحرب. كما أنها حاولت الاستثمار في المخاوف الشعبية من تكرار سيناريوهات الدمار الواسع، بما يخلق فجوة بين المزاج الشعبي ومتطلبات المواجهة العسكرية.

غير أن المكاسب التكتيكية تختلف عن الإنجازات الاستراتيجية، فالفصل الحقيقي للساحة اللبنانية يقتضي تحويل لبنان إلى فضاء سياسي منفصل تماما عن معادلات المنطقة، وهو أمر لم يتحقق حتى الآن. فما تزال التطورات الإقليمية تنعكس مباشرة على المشهد اللبناني، وما يزال أي تغير في موازين القوى الإقليمية يترك أثره الواضح على حسابات جميع الفاعلين داخل لبنان.

لذلك يمكن القول إن نتنياهو نجح جزئيا في ضبط إيقاع الجبهة اللبنانية ومنع تحولها إلى حرب شاملة، لكنه لم ينجح في فصلها استراتيجيا عن محيطها الإقليمي. لقد استطاع تأجيل بعض الاستحقاقات، وإدارة بعض التحديات، لكنه لم يتمكن من تغيير الحقائق العميقة التي تربط لبنان بمسارات الصراع الكبرى في المنطقة.

وهكذا يبقى لبنان، رغم أزماته وانقساماته، جزءا من معادلة إقليمية أكبر من حدوده الجغرافية. وقد ينجح الفاعلون الدوليون في تخفيض مستوى التوتر أو تأجيل المواجهة، لكنهم لا يستطيعون بسهولة فصل الساحات التي نسجتها عقود طويلة من الصراعات والتحالفات والتوازنات. وفي هذا تحديدا تكمن المعضلة التي ما زالت تؤرق نتنياهو؛ فالمشكلة ليست في إدارة المعركة الراهنة فقط، بل في عجزه عن تفكيك الروابط التي تجعل أي شرارة في المنطقة قابلة لإعادة رسم المشهد بأكمله.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)