تهجير الفلسطينيين بثوب جديد

رائد ناجي
"الدفاع عن حق الفلسطيني في البقاء لا ينبغي أن يتحول إلى حرمانه من حقه في السفر"- جيتي
"الدفاع عن حق الفلسطيني في البقاء لا ينبغي أن يتحول إلى حرمانه من حقه في السفر"- جيتي
شارك الخبر
لم يعد مشروع تهجير الفلسطينيين يُطرح اليوم بالخطاب الصريح الذي عرفته العقود السابقة، بل بات يعيد إنتاج نفسه بمفردات أكثر نعومة وأقل استفزازا للرأي العام الدولي. ومن هنا يبرز الحديث الإسرائيلي عن خطة "حرية العبور" أو "المرور الحر" بوصفها بديلا لغويا وسياسيا لمصطلح "الهجرة الطوعية"، في محاولة لإعادة تسويق الفكرة ذاتها بأدوات جديدة، تستفيد من المأساة الإنسانية التي يعيشها قطاع غزة، ومن الإرهاق النفسي والاجتماعي الذي أصاب سكانه بعد سنوات طويلة من الحصار والحروب.

إن تغيير المصطلحات لا يعني بالضرورة تغيير الجوهر. فالسياسات الكبرى غالبا ما تبدأ بإعادة تعريف المفاهيم قبل إعادة تشكيل الوقائع. وعندما يتحول الخروج من الوطن إلى "حرية اختيار"، يصبح الاحتلال في موقع من يمنح الفرصة، لا من يصنع أسباب الرحيل. وهنا تكمن أخطر صور الحرب السياسية؛ إذ يجري تحويل الضحية إلى صاحب قرار، بينما يتم إخفاء الظروف القسرية التي دفعت إلى ذلك القرار.

المواطن الغزي، سواء كان طالب علم، أو مريضا يبحث عن العلاج، أو رب أسرة يسعى إلى لم الشمل، لا ينظر إلى هذا الملف من زاوية الصراع السياسي، بل من زاوية حقه الإنساني في الحركة والكرامة

وفي المقابل، يثار جدل واسع حول مواقف الأطراف الفلسطينية الرسمية والفصائلية من ملف السفر والخروج من غزة. فهناك من يتهم السلطة الفلسطينية بأنها تضع قيودا إدارية أو سياسية أمام إصدار الوثائق أو تسهيل حركة بعض الفئات، في حين تنفي الجهات الرسمية هذه الاتهامات أو تقدم تفسيرات مختلفة مرتبطة بالإجراءات القانونية والسيادية. كما تتبادل القوى الفلسطينية الاتهامات بشأن المسؤولية عن تعقيد هذا الملف، الأمر الذي يعكس حجم الانقسام السياسي أكثر مما يقدم حلولا حقيقية لمعاناة المواطنين.

والحقيقة أن المواطن الغزي، سواء كان طالب علم، أو مريضا يبحث عن العلاج، أو رب أسرة يسعى إلى لم الشمل، لا ينظر إلى هذا الملف من زاوية الصراع السياسي، بل من زاوية حقه الإنساني في الحركة والكرامة. فهو لا يريد أن يتحول إلى مادة في سجالات الفصائل، ولا إلى ورقة ضغط في الحسابات الإقليمية والدولية، وإنما يريد أن يعيش حياة طبيعية تحفظ له إنسانيته وحقه في الاختيار الحر، بعيدا عن الإكراه الذي تفرضه الحرب أو الحصار.

ومن هنا، فإن أخطر ما في مشروع "حرية العبور" ليس في عنوانه، وإنما في البيئة التي يُطرح فيها. فالإنسان الذي فقد بيته، وعمله، ومدرسته، ومستشفاه، وأمنه، قد يبدو وكأنه يختار الرحيل بإرادته، بينما هو في الحقيقة يفر من واقع لم يعد يحتمل، وعندئذ يصبح التهجير نتيجة طبيعية لصناعة ظروف لا تسمح بالبقاء، وهو ما يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة حول مفهوم "الاختيار" في ظل الكارثة الإنسانية.

مواجهة مشاريع التهجير لا تكون بالشعارات وحدها، بل بإزالة الأسباب التي تدفع الناس إلى التفكير في الرحيل، وبتوحيد الموقف الوطني، وبتحصين الجبهة الداخلية، وبإعلاء المصلحة الإنسانية فوق الاعتبارات الفصائلية الضيقة

وفي الوقت نفسه، لا يجوز أخلاقيا ولا وطنيا تخوين كل من يقرر المغادرة لأسباب إنسانية، كما لا يجوز التقليل من قيمة من يختار البقاء والصمود. فلكل إنسان ظروفه الخاصة، ولكل أسرة حساباتها التي قد ترتبط بالعلاج أو الدراسة أو حماية الأطفال أو لم الشمل. والانتماء الوطني لا يقاس بمكان الإقامة، وإنما يبقى مرتبطا بالهوية والحق التاريخي والتمسك بالقضية، سواء بقي الإنسان في وطنه أو اضطر إلى مغادرته مؤقتا.

كما أن الدفاع عن حق الفلسطيني في البقاء لا ينبغي أن يتحول إلى حرمانه من حقه في السفر عندما تقتضي الضرورة، لأن الحقوق الإنسانية لا تتعارض مع الثوابت الوطنية، بل تكملها. ومن هنا، فإن أي سياسة، أيا كان مصدرها، تجعل المدنيين أسرى للجغرافيا أو للخلافات السياسية، تستحق المراجعة والنقد، تماما كما تستحق مشاريع التهجير الإسرائيلية الرفض والإدانة.

إن المشهد الحالي يكشف أن الصراع لم يعد يدور فقط حول الأرض، بل أيضا حول الإنسان الفلسطيني نفسه؛ حول بقائه، وحركته، وخياراته، ومستقبله. ولذلك فإن مواجهة مشاريع التهجير لا تكون بالشعارات وحدها، بل بإزالة الأسباب التي تدفع الناس إلى التفكير في الرحيل، وبتوحيد الموقف الوطني، وبتحصين الجبهة الداخلية، وبإعلاء المصلحة الإنسانية فوق الاعتبارات الفصائلية الضيقة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا: هل المطلوب حماية الأرض فقط، أم حماية الإنسان الذي يحمل هذه الأرض في ذاكرته وهويته؟ فالأوطان لا تُقاس بعدد الشعارات التي تُرفع دفاعا عنها، وإنما بقدرتها على صون كرامة أبنائها، وإبقاء أبواب الأمل مفتوحة أمامهم، حتى لا يصبح الرحيل هو الخيار الوحيد، وحتى لا يتحول التهجير الناعم إلى واقع دائم يصعب التراجع عنه.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل