في تاريخ
الصراع
الفلسطيني الإسرائيلي، ثمة محطات لا تقاس بما حملته من نصوص فحسب، بل بما
تركته من آثار عميقة في الجغرافيا والوعي والذاكرة. ومن بين تلك المحطات يبرز
بروتوكول
الخليل لعام 1997 بوصفه واحدة من أكثر الاتفاقات إثارة للجدل، ليس لأنه
أنهى أزمة أو أسس لسلام دائم، بل لأنه أعاد رسم حدود السيطرة داخل مدينة تعد من
أقدم المدن الفلسطينية وأكثرها رمزية وحساسية.
كانت
الخليل آنذاك تعيش على إيقاع مرحلة انتقالية بدأت مع اتفاق أوسلو وتفرعاته اللاحقة،
وكان الفلسطينيون ينتظرون استكمال الانسحاب الإسرائيلي من المدن الفلسطينية، غير
أن خصوصية الخليل، بما تحتويه من الحرم الإبراهيمي والمستوطنات اليهودية المقامة
في قلب النسيج العمراني الفلسطيني، جعلتها حالة استثنائية في الحسابات السياسية
والأمنية الإسرائيلية.
في الخامس
عشر من كانون الثاني/يناير 1997، وقعت السلطة الفلسطينية وحكومة
الاحتلال
الإسرائيلي ما عرف ببروتوكول الخليل، الذي جاء باعتباره ترتيبا خاصا للمدينة.
وبموجب الاتفاق تم
تقسيم الخليل إلى منطقتين: الأولى عرفت باسم "H1" وشملت نحو 80 في المئة من مساحة
المدينة، وانتقلت إدارتها المدنية والأمنية إلى السلطة الفلسطينية. أما الثانية،
أكثر ما يلفت الانتباه في بروتوكول الخليل أنه نقل الصراع من مستوى الاحتلال الشامل إلى مستوى الإدارة المجزأة. فبدلا من وجود سلطة واحدة تتحكم بالمدينة، نشأت خرائط متعددة للنفوذ والمسؤوليات، ما جعل الحياة اليومية للفلسطينيين رهينة لتداخلات أمنية وقانونية معقدة
المسماة "H2"، فقد بقيت تحت
السيطرة الإسرائيلية الكاملة، رغم أنها تضم آلاف الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم
يعيشون داخل منطقة يحكمها الاحتلال بصورة مباشرة.
من
الناحية السياسية، قُدم الاتفاق على أنه خطوة نحو تنفيذ الالتزامات السابقة
واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من المدن الفلسطينية. لكن القراءة الأعمق تكشف أن
الأمر لم يكن مجرد انسحاب جزئي، بل إعادة هندسة للسيطرة بأدوات جديدة. فقد احتفظ
الاحتلال بأكثر المناطق حساسية، وبالمواقع الاستراتيجية والدينية والأمنية، بينما
حصل الفلسطينيون على إدارة محدودة ضمن إطار مقيد بسلسلة طويلة من الالتزامات
الأمنية.
لقد شكلت
الخليل منذ ذلك التاريخ نموذجا مكثفا لفكرة "السيطرة دون الانسحاب".
فبينما بدا المشهد أمام العالم وكأن الاحتلال يتراجع، كانت الوقائع على الأرض تشير
إلى استمرار هيمنته على القلب التاريخي للمدينة. ومع مرور السنوات تحولت منطقة "H2" إلى فضاء من الحواجز العسكرية ونقاط
التفتيش والإغلاقات المتكررة، الأمر الذي أثر بصورة مباشرة على حياة السكان
الفلسطينيين وعلى النشاط التجاري والاجتماعي في البلدة القديمة.
ولعل أكثر
ما يلفت الانتباه في بروتوكول الخليل أنه نقل الصراع من مستوى الاحتلال الشامل إلى
مستوى الإدارة المجزأة. فبدلا من وجود سلطة واحدة تتحكم بالمدينة، نشأت خرائط
متعددة للنفوذ والمسؤوليات، ما جعل الحياة اليومية للفلسطينيين رهينة لتداخلات
أمنية وقانونية معقدة، وأصبحت المسافة بين شارع وآخر أحيانا تعني الانتقال من سلطة
إلى أخرى، ومن قانون إلى آخر، ومن مستوى مختلف من الحرية إلى مستوى أشد تقييدا.
اقتصاديا،
دفعت الخليل ثمنا باهظا لهذا الواقع. فقد أدى انتشار الحواجز والإجراءات الأمنية
إلى إضعاف الحركة التجارية في قلب المدينة التاريخي، وأغلقت مئات المحال أبوابها،
بينما تراجعت قدرة السكان على الوصول إلى الأسواق التقليدية التي كانت تمثل شريانا
اقتصاديا حيويا. وهكذا لم يعد التقسيم مجرد خط على الخريطة، بل تحول إلى عامل يومي
يعيد تشكيل الاقتصاد المحلي والعلاقات الاجتماعية.
أما على
المستوى الرمزي، فقد رسخ البروتوكول معادلة شديدة الحساسية: وجود مستوطنين معدودين
في قلب مدينة فلسطينية كبرى أصبح مبررا لإبقاء قوة عسكرية ضخمة وفرض ترتيبات
استثنائية على عشرات الآلاف من السكان الفلسطينيين. وهنا تكمن إحدى المفارقات
الكبرى التي رافقت الاتفاق؛ إذ بدا الأمن الإسرائيلي حاضرا باعتباره الأولوية
المطلقة، بينما ظلت الحقوق الفلسطينية مؤجلة إلى مفاوضات لاحقة لم تصل في كثير من
الأحيان إلى نتائج حاسمة.
ما بين نصوص الاتفاق وواقع الشوارع والأسواق والحواجز، تتجلى حقيقة أساسية مفادها أن السلام لا يصنعه توزيع مناطق النفوذ، بل تصنعه العدالة القادرة على إنهاء أسباب الصراع من جذورها
ومع تعثر
عملية السلام خلال العقود التالية، تحول بروتوكول الخليل من إجراء انتقالي إلى
واقع شبه دائم، فالترتيبات التي كان يفترض أن تكون مؤقتة أصبحت جزءا من المشهد
السياسي والجغرافي للمدينة. ومن هنا يرى كثير من الباحثين أن الاتفاق يعكس أزمة
أعمق في مسار التسوية برمته، حيث تحولت المراحل الانتقالية إلى أوضاع مستقرة،
وأصبحت الاستثناءات قواعد يصعب تجاوزها.
بعد ما
يقرب من ثلاثة عقود على توقيع البروتوكول، لا تزال الخليل شاهدة على تعقيدات ذلك
الاتفاق، فالمدينة التي حملت عبر تاريخها معاني التعايش والتنوع الديني أصبحت
نموذجا مكثفا لصراع السيادة والهوية والحدود. وما بين نصوص الاتفاق وواقع الشوارع
والأسواق والحواجز، تتجلى حقيقة أساسية مفادها أن السلام لا يصنعه توزيع مناطق
النفوذ، بل تصنعه العدالة القادرة على إنهاء أسباب الصراع من جذورها.
لقد كان
بروتوكول الخليل عام 1997 أكثر من اتفاق أمني أو سياسي؛ كان مرآة لمرحلة كاملة من
الرهانات والخيبات. وبينما تغيرت الحكومات والقيادات وتعاقبت السنوات، بقي السؤال
ذاته معلقا فوق المدينة: هل كان البروتوكول خطوة نحو إنهاء الاحتلال، أم أنه منح
الاحتلال صيغة جديدة للبقاء بأسماء مختلفة؟ ذلك سؤال ما زال التاريخ نفسه يواصل
البحث عن إجابته.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.