في أوان تخطي الخراب الفلسطيني

نبيل السهلي
جيتي
جيتي
شارك الخبر
لم تكن فلسطين وشعبها بحاجة لأشقائهما العرب كما هي حاجة اليوم، ولم يكن العرب في أمسّ الحاجة لبعضهم البعض كما هم اليوم؛ في ظل مخاطر تضع على المحك الأمن والمصالح العربية الجماعية والفردية التي تترنح تحت ضربات توسع وعدوان وسيطرة إسرائيلية مع تحديات إقليمية ودولية كبرى.

والفلسطينيون في هذا المقام يفترض أن تكون حاجتهم سريعة وفعالة لإنهاء شرذمتهم كونها مدماكا لكل ذلك، فالاستخفاف بقضايا تتفاقم بمعزل عن تشخيص دقيق ورصد، ومحاولة استدراك التحديات وإخراجها من دائرة التحذير منها، والشكوى ضدها، تضع الجميع أمام عجزٍ؛ الاستنقاع فيه ألحق أضرارا بمجل القضايا العربية، وما كان يحذر منه الجميع بما يخص القضية الفلسطينية، صار ضمن الأمر الواقع الجديد المتصل بقديم تجاهل تآكل الحقوق الفلسطينية وزوال خريطة الدولة الفلسطينية واستفحال العدوان على الشعب الفلسطيني.

ضعف العناوين السياسية وتراجع المبادئ المتعلقة بقضية فلسطين، بالنظر إلى التحرك السياسي العربي والدولي، في ظل اتساع العدوان الإسرائيلي والمضي بخطط الاستيطان والسيطرة وهجمات المستعمرين وتهجير السكان وجرائم الإبادة الجماعية، يدلل على مضمون وأهداف سياسة استعمارية صهيونية، تستغل لأبعد الحدود ضياع العرب والفلسطينيين في متاهة عدم البحث عن استخلاص التجربة ودروس وعِبر ماضٍ وحاضرٍ يفتك بما تبقى من حقوق الشعب الفلسطيني، فالذي يطغى ويستأثر من نقاش عربي فلسطيني ودولي هو البحث مجدداً عما ضاع من عملية "سلام" وكيفية لجم العدوان الإسرائيلي، لكن هذا البحث العربي الفلسطيني لا زال يستند الى عملية عدم فهمه للخصم الإسرائيلي، ويحصر ما يدعيه من فهم للمخاطر على مصالحه ومصالح القضية الفلسطينية من زاوية التخلص من أي مقاومة فلسطينية وعربية للاحتلال.

الوضع الفلسطيني وحاجاته الداخلية لم تُولّد حتى اللحظة حالة من التماسك في الحد الأدنى، لامتلاك عناصر قوة وأوراق ضغط لتغيير قواعد مواجهة العدوان الاسرائيلي، على العكس، تمعن السياسة الفلسطينية أكثر في التخلي عن معظم أوراقها المفترض التمسك بها. وآليات الخطاب السياسي وإدارته لمواجهة العدوان، ثبت في كل المراحل السابقة والحالية أنها غير مفيدة على أحسن تقدير، وفي حقيقة الأمر كانت السبب في بعض الخسائر الكبرى التي لحقت بالقضية الفلسطينية، والتي أدت بطبيعة الحال، لتخفيض سقف المواقف العربية والدولية بما يخص التصدي للسياسة الاستعمارية الإسرائيلية، والارتباك الحاد والتشويش في المواقف من جرائم الإبادة في غزة والتغول في العدوان على الضفة والقدس مع توسيع دائرة العدوان الإسرائيلي على لبنان وسوريا، أضف إلى ذلك جولة العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران وتبعاتها على المنطقة العربية، والتي زادت المشهد الفلسطيني تعقيد وهشاشة لجهة استفراد إسرائيل بالفلسطينيين.

التجاوب العربي مع التحديات القائمة أمامهم، مرهون بالدرجة الأولى بتجاوب الفلسطينيين معها بجدية تعزيز موقفهم بفعل حقيقي على الأرض؛ أكثر من الحديث الشفهي الرنان عن ذاتهم وقضيتهم في مؤتمرات وخطابات ورسائل، والذي لم بعد يستهوي أي فلسطيني في الداخل والخارج، فالاحتياجات الفلسطينية للدعم العربي والإسناد الدولي لتمكين صمودهم أمام عدوان مستفحل لاقتلاعهم من أرضهم؛ يتطلب هدم معظم أوهام الرهان الفاشل على سياسات بعينها. فأمام تضاؤل حجم الدولة الفلسطينية المزعومة، وابتلاعها بالاستيطان وخطط التهجير والحصار، وتحويل المدن والقرى الفلسطينية لمعازل فصل عنصري، واستفحال إقرار مشاريع وخط صهيونية عنصرية ضد الشعب الفلسطيني.. لا يواجه كل ذلك بمواصلة التزاحم على كسب الود الأمريكي الإسرائيلي والتجاوب مع شروط وإملاءات ساهمت أيضاً بضياع الدولة الفلسطينية وإنهاء وهْم أوسلو والسلام.

خداع الفلسطينيين في مشاريع كثيرة، وترويضهم لذاتهم للقبول بهم شركاء مخدوعين، دون عدالة وسلام يعيد إليهم حقوقهم، كان من أخطر عمليات الترويض، والتي دخلت حلبتها أطراف عربية تحت ذريعة قبول ما يقبل به الفلسطينيون أنفسهم، لتخاض ضمنها عمليات التطبيع المجاني مع المستعمر تحت شعار سلام غير موجود، ولن تخلقه حالة تزييف مستمرة للذات، ولحقيقة السياسة الإسرائيلية على الأرض وحرق وهدم كل الأوهام. كل ذلك، وما سبقت معرفته من الفلسطينيين في تجربة العقود الماضية، لم يسهم في حمايتهم، لأن الاحتلال والولايات المتحدة نجحا في تجريد السلطة الفلسطينية وهياكلها القائمة من أي هوية ومضمون وطني، بحيث بقيت فاقدة لأي شكل من أشكال السيادة "المفترضة" لأن معظم الأوهام السابقة مرجعياتها الاحتلال نفسه.

القيام بشيء ما يؤدي لتغيير مسار الأحداث، على صعيد الوضع الفلسطيني، لتوفير فرصة أخرى للخروج من أسر العجز والإحباط الرسمي، هو بتقديم شيء للشارع الفلسطيني مقابل انهيار كل شيء مجرب في السابق. فقبل الدعوة لانتخابات مجلس وطني وتشريعي أو عقد مؤتمرات باتت غير مغرية ودون فائدة باعتبارها غطاء للفشل السابق والمستمر؛ هناك الحد الأدنى من إنهاء الانقسام الداخلي ومراجعة فعلية للبدائل التي بُني عليها خراب المشروع الوطني الفلسطيني. وحتى لا يكون الطرح عدميا في البدائل كما يظن البعض، فإن ما يمتلكه الفلسطينيون في ضعفهم هو سلاح وحدتهم على استراتيجية سياسية نضالية بالمعنى الحقيقي لا المخادع.

وإصلاح الذات، يبدأ بالحاجة الباقية والأبدية لاستعادة الثقة بالشارع الفلسطيني بالإنهاء السريع والحاسم للانقسام، من خلال استعادة مؤسساته وإصلاحها وتقديمها عناوين للبقاء والصمود والنضال، لأنها بديهيات بسيطة للمعاني الدالة على استعادة تضامن عربي واسع، يتجاوز ويصلح حالة التردي الرسمي من قضية فلسطين، ويمنح حالة التضامن الدولي الشعبي مع قضية عدالة وحرية الشعب الفلسطيني البُعد المهم في معركة السردية الفلسطينية ومواجهتها لمنظومة استعمارية آن وقت حصارها وعزلها، وهي مهمة إن لم تدرج على أنها أولوية فلسطينية فالخراب للمشروع الوطني الفلسطيني مستمر، بإهمال وتخلٍ مقصود عن شروط مطلوبة لرد العدوان والحفاظ على الحق الفلسطيني وعلى وجوده فوق أرضه.

x.com/nizar_sahli


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)