اعترضت
إسرائيل إلى مجلس
السلام الخاص بغزة، على نقاط ثلاث تتعلق بنزع سلاح
حركة حماس وطريقة جمعه وتخزينه، وعلى بند متعلق بضبابية الحظر على عمل قوات
الاحتلال في
غزة في المناطق التي ستنتقل مسؤوليتها لقوة الاستقرار الدولية والشرطة
الفلسطينية التي يشرف عليها مجلس السلام، وعلى مشاركة كل من تركيا وقطر في آلية
التحقق من تنفيذ الأطراف نقاط مبادرة ترامب العشرين. الاعتراض لا يشكل سابقة بعدم
تنفيذ إسرائيل لتفاهمات أو احترام معاهدات مبرمة معها، أو الامتثال لأي قوانين
محلية ودولية، بل هو جوهر عقلية صهيونية تعتمد المماطلة والتسويف لإحباط كل ما
سبق، والمضي بسياسة العدوان وتحقيق أهداف جرائم الإبادة والتطهير العرقي في غزة.
الطريقة التي تتم فيها إدارة مجلس السلام لغزة بإشراف الرئيس الأمريكي
ترامب، كلفت سكان غزة للآن أثمانا غالية من الشهداء والجرحى وأقلها التوسع المستمر
بجرائم الحرب والإبادة، ولم يعد خافياً أن مسألة المماطلة الإسرائيلية في وقف العدوان
الجرائم، وتعطيل مسار "مجلس السلام" واللجنة المشرفة عليه، والاعتراض
على كل بند بتعلق بمستقبل غزة، يهدف لإبقاء حالة التدهور والإرباك والفوضى
الداخلية عامة، وفرض حالة من اليأس والإحباط، كما السخط والغضب على أوضاع مليوني
غزاوي، بما يلائم خطط التطهير العرقي.
ما تم حتى الآن لا ينبئ بسلام لغزة، ولا للفلسطينيين على أرضهم التاريخية، لسبب بسيط متعلق بالتبني الأمريكي الكلي للرؤية الإسرائيلية واعتراضاتها وشروطها، وذلك لم يصنع سلاماً حتى لمن انبطح في التطبيع
ولا يتوقف الأمر عند حدود مراقبة مآل "مجلس السلام" واللجنة
المشرفة وتنفيذ بقية البنود المتفق عليها، فهناك في الضفة والقدس ما يثمر
إسرائيليا عن تدمير متنام لكل شيء متعلق بمعاهدات أبرمتها إسرائيل مع الجانب
الفلسطيني في أوسلو وبعدها، وقلبت أوضاع الفلسطينيين رأساً على عقب بالاستيطان
والعدوان والتنصل من كل شيء مرتبط لفظاً بالسلام، وبإشراف أمريكي مباشر وتواطؤ
دولي.
مثلما أسس مسار أوسلو لسياسة فلسطينية- عربية خاطئة، واحتكمت بسقف رؤية إسرائيلي أمريكي، تعاود الكرّة مرة أخرى في اعتقاد أكثر خطورة، بإعادة رفع الدور
الأمريكي لمرتبة النزاهة بالإشراف على مجلس السلام، وهو ما سيقود لحسابات ونتائج
سياسية وأمنية خاطئة أيضاً. فمنذ اليوم التالي لتوقيع أوسلو الشهير، يعترض
الفلسطينيون للراعي الأمريكي والغربي على سياسات العدوان الإسرائيلي عليهم وعلى
تعطيل مساره، ويكون جواب الاعتراض تفهما مستمرا لحاجات الأمن الإسرائيلي على حساب أمن
الفلسطينيين وحقوقهم التاريخية، وبالتالي فإن إبرام معاهدات "السلام"
الأساسي مع الاحتلال على الأسس التي قامت عليها دمرت بالكامل.
في مطلق الأحوال، لا تؤخذ الشكاوى العربية والفلسطينية ضد سلوك المؤسسة
الصهيونية وحكوماتها المتعاقبة في العدوان والتوسع وضم الأرض وفرض نظام الفصل
العنصري الذي يتحقق يوماً بعد آخر، وعلى أنه يمثل تهديدا حقيقيا كما كان يطلق في
السابق في ديباجات عربية، فما تم من انتهاج سلوك درب الشكوى أكد درساً أساسياً
يتغاضى عنه السياسي الفلسطيني والعربي، وما تم حتى الآن لا ينبئ بسلام لغزة، ولا
للفلسطينيين على أرضهم التاريخية، لسبب بسيط متعلق بالتبني الأمريكي الكلي للرؤية
الإسرائيلية واعتراضاتها وشروطها، وذلك لم يصنع سلاماً حتى لمن انبطح في التطبيع
أو يمرن ركبتيه للركوع.
وإذا كان يصح لإسرائيل أن تعتمد التسويف والخداع والاعتراض والقفز على كل
المجتمع الدولي، فإن هذا النموذج لم يواجَه للآن بسياسة عربية وفلسطينية ودولية
رادعة، ما جعله يمضي في العدوان تحت جنح السلام لأكثر من ثلاثة عقود، وما يزال، فلا
أحد في هذا العالم غير إسرائيل يعرف متى سيتم البدء بتنفيذ بنود مبادرة ترامب
للسلام، أو مباشرة مجلس السلام لعمله على الأرض في غزة، رغم سبق معرفة الجميع
بجدول الأعمال الإسرائيلي القائم على العدوان والتوسع والسيطرة والاستيطان وأحلام
اسرائيل الكبرى وتحقيق النبوءات التوراتية التلمودية.
القبول بقرارات مجلس الحرب الإسرائيلي وشروطه الأمنية، بحيث يُظهر حقيقة استسلامية مطلقة على الفلسطينيين والعرب في كل جولة سلام
إزاء كل ذلك، ارتبط مفهوم "السلام" مع إسرائيل معاهدة ومجلس
ومقعداً وملحقاً، بنظرية الحرب والعدوان والذي يشكل من وجهة النظر الإسرائيلية في
كابينيت الحرب وفي الكنيست وعند فتاوى الحاخامات والسياسيين اصطياد العرب وقتلهم
وطردهم، وإلى استناد يقوم على نظرية الاستعلاء لفرض شروط إسرائيل بالكامل على ما
يسمى عملية السلام، وقد حققت في هذه المسيرة شطب قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن
من قاموس عملية "السلام"، وبالتالي تصدعت جبهة المواقف العربية اللفظية
والسياسية تجاه القضية الفلسطينية، وزمن السلام كان كافياً لإفهام البعض أن
مواقفهم الفردية والجماعية جعلت ذراع إسرائيل طليقة في المنطقة وباطشة عليهم لتقرير
مصير المنطقة.
من الصعب أن ينجم عن هكذا سياسة سلامٌ يعيد الحقوق لأصحابها، والأكثر صعوبة
هزيمة إرادة شعب مصمم على نيلها ومقارعة مستعمره بكل الوسائل والإمكانات، الأمر
الذي يجسد نفسه بشكل يثير قلق بن غفير وسموتريتش ونتنياهو وعصابات المستعمرين من
وجود الفلسطيني فوق أرضه، حتى وهو محاصر ويتعرض لشتى أصناف العدوان. وتلك حقيقة
يفهمها المحتل، ولا يفقهها المستسلمون لإرادته، وتلك قصة طويلة للذين هم مقتنعون بأنه
لا بديل آخر غير قبول ما يطرحه عليهم الإسرائيلي من اعتراض، ما دام الأمر لا يحتاج
التزاماً منه، بل التزام الضحية أمام جلادها.
والعالم كله شاهد وسمع حفل مجلس السلام في كانون الثاني/ يناير 2026، مع
ابتهاج عربي ودولي به، والجميع الآن غير معني بإحلال السلام في غزة وفي بقية
فلسطين، بقدر الاستعداد لتفهم الاعتراض الإسرائيلي عليه. والمنسق الخاص نيكولاي
ميلادينوف وبلير وترامب ونتنياهو وغيرهم، شر من يفهم تدوير مجلس السلام، الذي يعني
في النهاية القبول بقرارات مجلس الحرب الإسرائيلي وشروطه الأمنية، بحيث يُظهر
حقيقة استسلامية مطلقة على الفلسطينيين والعرب في كل جولة سلام.
x.com/nizar_sahli
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.