كلما زاد الغضب الشعبي حول العالم من جرائم
إسرائيل
وعدوانها على الشعب
الفلسطيني، تزداد محاولات إسرائيل لتنفيس هذا الغضب وشيطنته
وربطه "بمعاداة السامية". وإلى حد ما تبدو بعض السياسات الغربية
الأمريكية الرسمية متماسكة حول سردية "حق إسرائيل الدفاع عن نفسها"، لتبرير
جرائم الإبادة وسياسة الفصل العنصري، بينما لا يخفي البعض مقته وغضبه من سياسة
الاحتلال التي قوضت كل شيء متعلق بالقانون الدولي وشرعته، لكن دون اتخاذ مواقف
تغضب وتعاقب وتحاسب إسرائيل، وحدها المواقف الشعبية والأكاديمية والفنية والإعلامية
تُسجل كل يوم مواقف لافتة في الغضب من سياسة الأبارتهيد الإسرائيلي على
الفلسطينيين، ومتضامنة بشكل عميق مع الشعب الفلسطيني.
اتسمت مواقف السياسات الغربية من جرائم الاحتلال
الإسرائيلي في غزة بنفاق مفضوح، وباتت عمليات إرهاب عصابات المستوطنين في الضفة
التي تقضي على حل الدولتين ومشروع السلام، مع سياسات وخطط ضم الأراضي وتوسيع
الاستيطان فيها، وفرض قوانين هدم المنازل وإعدام الأسرى، وتدمير المخيمات وتهجير
سكانها، تنسجم مع رؤية التطهير العرقي التي تنفذها المؤسسة الصهيونية. والآن، ماذا
نجد من آثار التساهل الدولي مع جرائم الإبادة المستمرة على الشعب الفلسطيني وأرضه؟
فرض مزيد من العدوان والإرهاب على الفلسطينيين وعلى
العرب، والقائمة طويلة
لتصريحات وزراء وسياسيين وحاخامات وقادة مستوطنين عن الأطماع في الأرض، وعن فرض
وقائع جديدة كحق توراتي تلمودي لا يمكن تكرار خطأ التراجع عنه والتفريط به كما حدث
في "أوسلو".
ماذا نجد من آثار التساهل الدولي مع جرائم الإبادة المستمرة على الشعب الفلسطيني وأرضه؟ فرض مزيد من العدوان والإرهاب على الفلسطينيين وعلى العرب، والقائمة طويلة لتصريحات وزراء وسياسيين وحاخامات وقادة مستوطنين عن الأطماع في الأرض، وعن فرض وقائع جديدة كحق توراتي تلمودي لا يمكن تكرار خطأ التراجع عنه والتفريط به كما حدث في "أوسلو
إسرائيل اليوم وفي كل تاريخها، ثابتة على منطق صهيوني
استعماري، يقوم على نفي الآخر والحلول مكانه، تدوس القوانين الدولية وتتحلل من
معاهدة "سلام" لم تطبق مع الفلسطينيين، فالضفة والقدس وغزة تحت الاحتلال
وتوسع الاستيطان والحصار، وتخضع لأوامر الحاكم العسكري للمناطق المحتلة، والعالم
كله يراقب ذلك، ويمنح الاحتلال الدعم للمضي في العدوان.
حديث السياسة الغربي المتداول في المنطقة العربية عن
تداعيات العدوان الإسرائيلي المستمر، غامض وضبابي بشأن مستقبل السلام وإزاء القضية
الفلسطينية، فما الذي يعنيه القول السياسي العربي الرسمي أنه يدعم السلام في
المنطقة، ويقف بجانب القضية الفلسطينية، ومع حل الدولتين الذي تدعمه دول غربية؟
حقيقة الموقف من القضية الفلسطينية عربياً، أمام النفاق
الدولي المتماسك لأعلى درجة في دعم إسرائيل والدفاع عنها من منابر عربية وأمام
جمهور عربي، تمثل هذه الحقيقة انعكاساً لمفهوم سلبي ومشوه بصناعة عربية، فلم نعد
نسمع تسريبا عن موقف عربي رسمي تمسكه بمرجعيات وقوانين دولية متعلقة بالحقوق
الفلسطينية، أو احتجاجا على منع الضحية من إيصال صوتها أمام اجتماعات الأمم
المتحدة بإعلان موقف عربي وإسلامي جماعي بمقاطعة جلسات الأمم المتحدة، أو موقفا
جديا يدعو لانسحاب إسرائيل إلى خط الرابع من حزيران/يونيو 1967، أو تسريبا عربي اعن
دعم إنساني واسع للشعب الفلسطيني، برفع الحظر والحصار عنه، ليتمتع بحرية الحركة أو
العمل والسفر أو التفكير السياسي للتعبير عن قضيته وحشد التضامن معها، في الوقت
الذي تعلو أصوات غربية تصدح بالتضامن مع الفلسطينيين.
وفي لحظة اشتداد إجرام وفاشية وعنصرية إسرائيل، تخرج
تسريبات أشبه بصفعات عربية على وجوه ضحايا جرائم الإبادة وتمنح المستعمرين
والجلادين طاقة فرجٍ عربية: المغرب وإسرائيل يرفعان مستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما إلى مرتبة السفير، وقبلها تحذير إماراتي لنتنياهو قبل السابع من أكتوبر من خطر
عملية على وشك الحدوث، وأن الكويت وإسرائيل تتبادلان اتصالات سرية على خلفية
الهجمات الإيرانية التي تستهدف دولا في المنطقة، والسعودية تطلب مساعدة
استخباراتية إسرائيلية عبر واشنطن لمنع الحوثيين من إغلاق باب المندب، ودول عربية
تطلب شراء منظومات عسكرية إسرائيلية، وأخرى تسعى للتطبيع مع إسرائيل مقابل أن تكف
الأخيرة العدوان عليها.
هذه الحقائق تقول في مجملها إن هناك حالة تماسك عربي
فرضته إسرائيل على النظام العربي، بمساعدة أمريكية غربية، تكون درعاً لها، انطلاقاً
من نتائج ما حدث بعد الثورات العربية وصولاً لمعركة "طوفان الأقصى"
والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وفي منطقة الخليج يظهر تماسك يزيح إسرائيل
عن مرتبة العداء لمشروع استعماري خطير في المنطقة العربية، مقابل صعود مخاطر
المشروع الإيراني واعتلائه المرتبة الأولى عربياً.
حالة التفكك العربي التي سبقت عدوان إسرائيل وأمريكا على إيران، أُنجزت خلال العقود الثلاث التي أعقبت اتفاق "أوسلو" و"وادي عربة" والاتفاقيات "الإبراهيمية"
فحالة التفكك العربي التي سبقت عدوان إسرائيل وأمريكا
على إيران، أُنجزت خلال العقود الثلاث التي أعقبت اتفاق "أوسلو" و"وادي
عربة" والاتفاقيات "الإبراهيمية". ولا بد من الإشارة إلى أهمية ما
حدث وما تجسد، أنه يعني بكلمات بسيطة فعالة ومؤثرة انهيار التماسك والدعم اللفظي
الطويل لقضية فلسطين عند النظام الرسمي العربي، وكان لصالح إسرائيل، بتسجيلها
انتصارات متتالية لم تكشفها تسريبات أسوأ الظروف العربية وأحلك الساعات وفي أخطر
المراحل.
إسرائيل بلغت إنجازاتها ومن تجربة؛ أن كل المكتسبات التي
تحققت لها، وستتحقق، لن تأتٍ من سلام وتطبيع، إنما من خلال حروب وعدوان وتوسع
وهيمنة، وبتماسك إسرائيلي داخلي على جملة من المبادئ والمفاهيم التي لعبت دوراً
هاماً في إباحة "العداء" للفلسطيني والعربي، إلى جانب خلق حالة من الخوف
والحصار النفسي المؤسس على "وهْم" خطر الوجود الفلسطيني فوق أرضه كعدو
يقلق استمرار "الدولة اليهودية" ويؤثر على نقائها ومستقبلها. لذلك، تحتل
القوة في العقل الإسرائيلي مكان "السلام" الذي لا تؤمن به، ولذلك أيضا
تم في كل الأوقات والمراحل إعلاء شأن المؤسسة العسكرية إلى درجة القداسة، وأي
تراجع عن المكتسبات التي تحققت يعتبر تراجعا وتهديدا لأمن هذه الدولة، كما قال
وزير حرب إسرائيل السابق وعضو عصابة الآرغون الإرهابية، موشي أرينز (1990): إن
وجودنا مرتبط باستعدادنا وقدرتنا على شن الحرب التي تعتبر بمثابة عقد التأمين
الخاص بنا.
تُفتح الأبواب العربية أمام سلاح وتكنولوجيا الإبادة
الإسرائيلية، التي يمول جزء منها من خزائن عربية، تُغلق وتصدأ أمام بوابات الحصار
والجوع والعدوان على الفلسطيني. لكن من قال إن التماسك الرسمي العربي مع إسرائيل
سيصمد إلى ما لا نهاية؟ صحيح أن الصورة قاتمة وتهدد المستقبل العربي كله وليس قضية
فلسطين وحدها، إن لم يتم معالجتها ومواجهتها، مع الإقرار بأن محصلة الواقع
الفلسطيني والعربي هي هزيمة سياسية وتراجع كبير وملموس لمشروع بناء الحريات
والمواطنة والمشاركة السياسية، لكن كل ذلك يتطلب كفاحاً صبوراً، وما يراه البعض
تماسكا بين الاحتلال والطغيان العربي، يراه البعض الآخر مقدمات لتفكك وانهيار
مختلف وأشد على من تشرنق في أحلام وأطماع مفتوحة على كل الاحتمالات، وبما يعيد
الترابط مع فلسطين وشعبها قولاً وفعلاً، ويترجم معاني العدل والتضامن والحرية،
بغير التماسك العربي المفتعل مع المحتل.
x.com/nizar_sahli
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.