ما الذي تتذكره السلطة
الفلسطينية بعد 33 عام من توقيع
اتفاق
أوسلو الشهير مع إسرائيل؟ وكيف يتذكر رعاة هذا الاتفاق والضامنون له ما تبقى
منه؟ لا شك أن كلا الطرفين، ونقصد الفلسطيني والضامن الدولي، تخطيا حالة الشعور
بالصدمة، بعد عقود من البراهين التي قالت إن كل ما حدث كان منصة عبور إسرائيلية
نحو أهداف كبرى، وبقاء عصارة أوسلو في تنسيق أمني فاعل من سلطة فلسطينية محدودة
الأثر والفعل لم يبدد المرارة التي يعيشها شعب فلسطين. وما دامت المقدمات قد اختلت
بذاك المستوى الفاضح في 13 أيلول/سبتمبر 1993، فإن النتائج لن تأتي إلا متناغمة مع
معادلة قسرية فرضت على الشعب الفلسطيني، ومن خلال التخلي عن ركائز وأعمدة القضية
الفلسطينية الناظمة والأساسية.
لا زلنا نذكر الجملة الفلسطينية الرسمية الخادعة التي
قيلت قبل أوسلو، وأثناء مفاوضات "السلام" في مدريد 1991، "إن لم
نسرع سيفوتنا القطار"، فتمخض هذا المنطق بإمساك إسرائيل بخناق المرجعيات
الدولية وتحييد القرارات الدولية، ليصبح الطرف الفلسطيني وحيداً معزولاً، في مواجهة
هيمنة إسرائيلية شاملة أدت لتغول استيطاني واسع، وتفريغ السلطة الفلسطينية من
مضمونها بالتركيز على أداء جهاز أمني قمعي تابع لشروط
الاحتلال وينفذ بصور مذهلة
أوامره.
السلطة الفلسطينية لا تزال تحرك أقدامها على لوح ساخن، مشتتة مربكة، لم يعد يهمها من كل ما جرى ويجري بعد 33 عاما إلا الحفاظ على هيكل وجودها ورأسها، وليذهب كل شيء إلى الجحيم
وفي ذات السياق كانت الاتفاقات الاقتصادية (اتفاق باريس)
تحكم القبضة الإسرائيلية الاقتصادية على مصالح الشعب الفلسطيني، فلا تجارة خارجية
حرة، والصناعة والزراعة تخضع للمصالح الإسرائيلية التي حرمت الفلسطينيين من إمكانية
أي نهوض صناعي. وذات الشيء يمكن تأكيده في النظام النقدي والسطو على أموال المقاصة
الفلسطينية، وغيرها من أساليب
العدوان والسطو على الأرض وتدمير المنازل وتهجير
السكان.
السقوط السريع لوعود الرخاء والرفاه من سلام أوسلو، لم
تكن أسبابه فلسطينية بحتة، ولا أسطوانة "التطرف والإرهاب" التي نُعت بها
الشعب الفلسطيني ومقاومته، قبل الانقسام وبعده، بل بسبب عدم الإدراك الفلسطيني والعربي
الرسمي بأن الصراع مع احتلال استعماري إحلالي عنصري، أعقد بكثير من ابتسامة مفتعلة
ومصافحة وكلمات وخطابات تعبر عن دفء العلاقة معه، والتطبيع والتحالف مع عدو لم
يتراجع عن طموحاته الاستعمارية التوراتية في الهيمنة والسيطرة وإخضاع المنطقة
وشعوبها، وهو ما تؤكده كل الحكومات الإسرائيلية منذ أوسلو وإلى اليوم. فبرامج
حكومة نتنياهو الفاشية والمتطرفة والأكثر عنصرية اتجاه الفلسطينيين، لا تحيد
بالجوهر عن برامج إسحاق رابين وشمعون بيريز، مؤيدي وموقعي أوسلو.
وهنا لن نمضي في سرد التفاصيل من انتفاضة الأقصى عام
2000، وإعادة احتلال الضفة إلى "طوفان الأقصى" وجريمة الإبادة الجماعية في
غزة، وما يجري في الضفة والقدس، فهي من الاتساع والضخامة لتضم قرائن استخدام أوسلو
لتمزيق أوصال الشعب الفلسطيني واستيطان أرضه وقتله وطرده منها، وكيف انعكس هذا
التمزق على الشعب الفلسطيني وفقدانه لمرجعياته الوطنية بعد أن جرى تعطيل منظمة
التحرير الفلسطينية ومؤسساتها وتفريغ الميثاق الوطني.. الخ.
صدرت في نقد أوسلو مجلدات وكتب ودراسات، وأُعلنت مواقف
وعُلقت أجراس خطرٍ وصدحت تنبيهات ورجاءات وطنية وعربية، لكن دون جدوى، حتى مع
إعلان رسمي صهيوني بالتخلي عن هذا الاتفاق، والإعلان عن مشاريع الضم والسيطرة
والاستيطان والعدوان، والاعلان رسمياً عن نهاية أوسلو إسرائيلياً بوقائع التهويد
والتهجير ومشاريع العدوان الواضحة وجرائم الإبادة والتطهير العرقي وفرض نظام الفصل
العنصري.. مع كل ذلك لم يصدر إعلان الشجاعة الرسمي من السلطة الفلسطينية لا بموت
ونهاية اتفاق أوسلو، واستحالة السلام مع احتلال فاشي السلوك والعقيدة، ولا إعلان
جدي بجردة حساب لخيارات لم يتبق منها شيء، فالسلطة الفلسطينية لا تزال تحرك
أقدامها على لوح ساخن، مشتتة مربكة، لم يعد يهمها من كل ما جرى ويجري بعد 33 عاما
إلا الحفاظ على هيكل وجودها ورأسها، وليذهب كل شيء إلى الجحيم.
حل مأزق السلطة التاريخي والخروج من حقول الألغام المتفجرة بمدن شعبها ومخيماته، يتطلب جهدا جماعيا منسق، يتفق على الأساسيات التي تحكم المرحلة، لا على رخاوة كارثية على الأرض وعلى الشارع
ضاعت أوقات ثمينة في عقود وهم أوسلو، وترسخت أنماط مدمرة
للعمل الوطني الفلسطيني، فحين يستهجن الطرف الفلسطيني الرسمي مآلات قضيته وأوضاع
شعبه وأرضه، دون أن يتمكن من إعادة النظر بحساباته على الأقل كما يتصرف محتله، وشد
عصب الشارع وقواه الوطنية والسياسية والتخلي عن منطق الرضوخ وبلورة بديل فاعل عن
البدائل المجربة، فإن السؤال هو: هل بحالة السلطة الفلسطينية الحالية وحال كل
الفصائل والقوى السياسية والوطنية، ستتم مواجهة مشاريع تصفية القضية؟
إنه سؤال بسيط ومكرر في أزمنة سابقة لحرب الإبادة
وابتلاع الاستيطان للكيان الفلسطيني، لكن يمكن شق طريق آخر إن اقتنع من بقي في
عُصارة الوهم الأوسلوي، أن حل مأزق السلطة التاريخي والخروج من حقول الألغام
المتفجرة بمدن شعبها ومخيماته، يتطلب جهدا جماعيا منسق، يتفق على الأساسيات التي
تحكم المرحلة، لا على رخاوة كارثية على الأرض وعلى الشارع.
هذا ما وصلت إليه حال فلسطين قضية وشعبا وأرضا؛ من تردٍ
وخذلان ذاتي وعربي ودولي، وما دام الأمر كذلك دون جردة حساب ومراجعة، فإن عملية
التصفية والإجهاض لأحلام التحرر مستمرة إن لم تُستدع دون مواربة ومناورة وتراخٍ
وقفةٌ جدية تجاه الذات وممارستها وتبعثرها وتباطئها؛ للارتقاء بمستوى دينامية فعل
شعبي في قصرة أو جنين ونابلس ومخيمات الأمعري وشعفاط والقدس، أو تزامل غضبا شعبيا
في عواصم وشوارع غير عربية؛ لم تعد بحاجة لمن يقنعها بخطورة سلوك مستعمر فاشي،
بقدر حاجتها لمن يعيد تأطير فاعلية نضالها وتضامنها وصواب بوصلتها دفاعاً عن عدالة
قضية وحق شعب بالتحرر. لم يعد هناك ما يحتاج لاختبار وتجربة وانتظار، فعصابات
المستوطنين يدنسون المقدسات كل يوم ويقتلون ويحرقون الفلسطينيين، وقادتهم في
الحكومة والجيش يصرخون بحقدهم العنصري الأبدي بالموت للفلسطيني والعربي. تلك عصارة
ما بقي من اتفاق أوسلو وسّعت قرحة العدوان والاستيطان والتهويد، ولا يجرؤ الطرف
الفلسطيني على التراجع عن خيبة خياره كأضعف الإيمان أمام شعبه ومن يناصره.
x.com/nizar_sahli
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.