تحالف مكة وسد فجوات الأمن العربي

نزار السهلي
"تحالف مكة الدفاعي بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد، من شأنه أن يشجع أطرافا عربية وإسلامية للانضمام إليه"- الأناضول
"تحالف مكة الدفاعي بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد، من شأنه أن يشجع أطرافا عربية وإسلامية للانضمام إليه"- الأناضول
شارك الخبر
التحالفات السياسية والشراكة بين الدول في أبعادها الأمنية والسياسية والاقتصادية، منذ نشأتها حتى الوقت الحاضر، ضرب من المحاولة للنجاة من المخاطر، أو التصدي لها وللأطماع التي تحوم حول الكيانات المتحالفة، سواء باستخدام الطرف الأقوى فيها درعاً للجميع للنهوض بهذا العبء، أو تسخير الكل الذين تتشابك مصائرهم مع بعضهم البعض؛ لمواردهم.

عربياً كانت التحالفات تُقر وتؤخذ ضمن قنوات الاجتماعات العربية في مجلس الجامعة، أو من خلال توطيد علاقات ثنائية أو ثلاثية ورباعية.. الخ، فتصاغ بيانات التأكيد على التحديات المشتركة لهذه الدولة مع تلك، لكن أيا منها لم يرقَ لمستوى شراكة حقيقية على الأرض؛ لا لدرء مخاطر الاحتلال الإسرائيلي وتوسعه في المنطقة العربية رغم وضوح مطامعه الاستعمارية في الجغرافيا العربية، ولا في تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية بالشكل المطلوب، رغم قِدم المشاريع والتحديات والقرارات المتخذة على هذا الصعيد منذ إنشاء الجامعة العربية قبل 81 عاما.

في عقودٍ عربية ماضية، ظهرت تحالفات بينية وتكتلات سياسية في مشرق ومغرب العالم العربي، ظلت مسقوفة بشعاراتها وعجزها المضني للإنسان العربي وتطلعاته وتحدياته الباقية؛ مثل مشروع الاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن 1958، وبين مصر وسوريا في العام نفسه، واتحاد الجمهوريات العربية 1972، وجبهة "الصمود والتصدي" 1979، واتحاد المغرب العربي 1989. وتبقى معاهدة الدفاع العربي
من الصعوبة أن يفي بحاجات الشراكة والتحالف المفترض، في ظل تطورات التردي المستمر للأمن العربي، وتعرض المنطقة للعدوان المستمر واتساع شهية الأطماع الإسرائيلية الأمريكية والإقليمية واضحة، فإذا استطاع تحالف مكة سد فجوة من فجوات الأمن العربي ماذا عن بقية الخواصر الأمنية العربية المثخنة؟
المشترك لعام 1950، من أقدم المعاهدات التي وقعت في إطار الجامعة العربية لتكون نظرياً أول نواة حلف عسكري عربي، لكن من دون فاعلية كما بقية التحالفات المجهضة، لتستبدل بتكتلات مثل درع الجزيرة لمنطقة الخليج العربي عام 1984، فيما يمثل جانبها الاقتصادي أيضا الاستثناء الأبرز لسوق عربية مشتركة واتحاد جمركي وحرية تنقل.

شكل الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 واحتلال عاصمة عربية (بيروت)، ثم الغزو العراقي للكويت عام 1990، والغزو الأمريكي للعراق 2003 واحتلال بغداد، ضربات قاضية للأمن العربي وتحالفاته الهشة، وإذا نظرنا لنتائج عدم الأخذ بالتهديدات التي طرحتها المشاريع العربية، واستسهال ترك مصالح عربية تزعم اهتمامها بالشراكة والتنمية ووحدة المصير ومواجهة المخاطر، لا يجد الإنسان العربي ما يصطدم به سوى واقع مريع من الأزمات والكوارث والفشل يعود اسبابها لعدة عناصر أهمها:

- أن كل شراكة وتحالف عربي في السابق، لم يراعِ المصالح الوطنية، مع اختلاف تحديد المخاطر.

- افتقاد معظم التفاهمات والشراكة البينية العربية لشفافية مصداقية الفعل، وتصادمها مع بنية بيروقراطية حاكمة وهياكل فساد إدارية.

- غياب المشاركة الشعبية والبرلمانية المنتخبة التي تقرر مع المؤسسات خطط ومصالح المجتمع والدولة.

-تباين المصالح بالنظر للمخاطر التي تهدد الأمن الوطني والقومي العربي، فالجميع يعتبر أن بقاء الحاكم واستمرار النظام نفسه هو"الأمن الوطني"، والتعاون مع بقية الأنظمة يقوم على معادلة "مكافحة الإرهاب" كورقة ضمان للبقاء على كرسي الحكم.

شواهد كثيرة يمكن أن تحصى في باب فشل بناء أمن عربي، وقيام تحالف عربي مشترك لدرء مخاطر لن تتوقف عند حدود تحالف مكة بين كل من المملكة العربية السعودية وتركيا باكستان، على أهميته والحاجة إليه؛ في ظل غياب المزايا الواضحة لهذا التحالف، وضبابية إشاراته لمكامن الخطورة التي يواجهها. فمن الصعوبة أن يفي بحاجات الشراكة والتحالف المفترض، في ظل تطورات التردي المستمر للأمن العربي، وتعرض المنطقة للعدوان المستمر واتساع شهية الأطماع الإسرائيلية الأمريكية والإقليمية واضحة، فإذا استطاع تحالف مكة سد فجوة من فجوات الأمن العربي ماذا عن بقية الخواصر الأمنية العربية المثخنة؟

لقد ركزت التطورات التي شهدتها المنطقة مؤخراً الانتباه على عدة فوارق سياسية وأمنية واقتصادية، من معركة "طوفان الأقصى" وحرب الإبادة الجماعية على غزة، وتوسيع العدوان الإسرائيلي على المنطقة في فلسطين وسوريا ولبنان، وصولاً لشن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، إلى عدوان إيران على دول عربية. كل ذلك خلق أجواء الشعور بعدم الاستقرار والافتقار إلى الأمن، خاصة المعاناة الجديدة للمجتمعات الخليجية، والارتباك الأمني والاقتصادي أيضاً ولّد شعورا من الغبن التاريخي في طريقة التحالفات الأمنية والاقتصادية.

وساهم عدوان أمريكا وإسرائيل على إيران وردها على الأمن العربي، إلى إدراك بصورة متزايدة لضرورة مراجعة التحالفات غير المتكافئة والانتباه لخطورة الاعتلال فيها، وأن الاستمرار فيها يؤدي لفرض شروط سياسية واستراتيجية أمريكية وإسرائيلية وإيرانية وغربية لها طابع أمني بالغ القسوة على الأمن العربي دون استثناء.

لا ريب في أن تحالف مكة "الدفاعي" بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد، من شأنه أن يشجع أطرافا عربية وإسلامية للانضمام إليه، كما أن عدم تفعيل الدفاع العربي المشترك، وعدم تحديد إسرائيل ومشروعها الاستعماري على جدول الأعمال ورأس المخاطر، يزيد في تعميق الأزمات العربية حيال أمنها لنفس
أهم تحالف يمكن أن يقدم عليه أي نظام عربي بمقدوره توفير المجال في حده الأدنى من الأمن والتماسك ضد أي فجوة واختراق؛ هو باللجوء للتحالف مع الشعب والشارع، وهما أقوى سلاح ممكن أن يصد أي عدوان
الأسباب التي قادت لفتح ثغرات كبرى في الأمن، وفاقمت من حدة الصعوبات العربية. ولعل من الجدير هنا إضافة ملاحظة قصيرة إلى قائمة الإخفاق الطويلة في تحديات إنشاء تحالف للأمن العربي، فلقد وُضع أفول نجم شعارات التحالف والتنسيق الفعلي بين العالم العربي، لصالح الاعتماد على أمريكا، ثم إسرائيل كقوة مهيمنة على المنطقة.

وفي ظننا أن أهم تحالف يمكن أن يقدم عليه أي نظام عربي بمقدوره توفير المجال في حده الأدنى من الأمن والتماسك ضد أي فجوة واختراق؛ هو باللجوء للتحالف مع الشعب والشارع، وهما أقوى سلاح ممكن أن يصد أي عدوان، وهذا الشكل من التحالف واحد من أبرع الخطوات التي يمكن اللجوء إليها، خاصة إذا كانت محمولة بدفعات سياسية واقتصادية واجتماعية تشد ساعد الدولة والمجتمع.

عندما تُعطل التحالفات السياسية والأمنية، الإصلاحات السياسية، وتُقمع الحريات وتغيب المواطنة والديمقراطية، وتبرم المعاهدات على قمع واضطهاد وسجون وقتل، ويتم تضخيم مخاطر "الإرهاب" والمؤامرات الداخلية، وتقزّم مخاطر الاحتلال ومشروعه الاستعماري، خضوعاً لتفسير رؤية أمريكية وصهيونية عنه، فإنه يُعطل أيضا تحصين الدول والمجتمعات وتعاق نهضتها وتطورها.

وأخيراً، التحالفات السياسية والأمنية التي تعطلها قواعد وركائز الاستمرار، لا يمكن اعتبارها ملجأ آمنا يقيها من عالم عربي عاصف بمطامع كثيرة في مقدمتها العدوان الإسرائيلي المتسع، إلا إذا استمر البعض في اعتبار المشروع الصهيوني لا يهدد أمنه ولا يستدعي تحالفا وتنسيقا عربيا وإسلاميا مشتركا؛ فلينظر بأحواله وحاجاته لتحالف حقيقي يمنح مواطنة وحرية وكرامة تشد أزره وأمنه قبل التسلح بالطائرة والقنبلة والصاروخ.

x.com/nizar_sahli


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل