تحالف الضرورة.. اتفاق مكة المكرمة للدفاع المشترك

بحري العرفاوي
"التحالف يؤكد أصحابُه أنه ليس تحالفا عدائيا هجوميا، بل إنه تحالف دفاعي"- الأناضول
"التحالف يؤكد أصحابُه أنه ليس تحالفا عدائيا هجوميا، بل إنه تحالف دفاعي"- الأناضول
شارك الخبر
الأحداث الكبرى دائما تُنتج عمليات تشكّلٍ جديد على مختلف المستويات، وطنيا وإقليميا ودوليا. الحرب الدائرة منذ أشهر بين العدوان الصهيوأمريكي والدفاع الإيراني فاجأت نتائجُها الجميع، وأول المصدومين هم من خططوا للعدوان ومن نفذوه ومن باركوه ومن انتظروا منه مغانم، تفاجأ الجميع بقوة الرد الإيراني وفنون التفاوض، وأيضا كشفت المعركة عن علوّ همة الشعب الإيراني ورفضه التنازلات والتهديدات ورفضه التدخل الخارجي للمساعدة في تغيير النظام.

كما تكشّف بشكل واضح وجود محور على أتم الاستعداد الاستعداد لخوض مواجهات كبرى وطويلة المدى ولتوسيع دائرة الاستهداف إلى حيث يرابط الأعداء وحيث يختبئون (رغم مرارة إزعاج الأشقاء من عموم شعوبنا العربية).

هذه المفاجآت ليست مفاجآت خَبَرية أو فنية، إنها مفاجآت ميدانية استراتيجية تاريخية، إن الإيرانيين وحلفاءهم يديرون المعركة باقتدار وبجدوى عسكرية غير متوقعة، وهم يكسبون تعاطفا واسعا ودعما كبيرا، بل إنهم استفادوا من غباء من خاضوا ضدهم معارك الصغار فلم يكونوا كبارا ولا استعدوا كما يستعد أصحاب القضايا الكبرى، لقد انكشف هوان وضعف وزيف من انشغلوا طويلا بمعارك غير ميدانية وبددوا طاقاتهم ووقتهم في "تقليب الموتى" وتحريك الرماد البارد.

الاتفاق لن يكون بعيدا عن أعين الأمريكان، فأمريكا محرجة جدا أمام أصدقائها إذ عجزت عن حمايتهم وربما قصّرت في ذلك وبجّلت عليهم أمن "الكيان"، لذلك فهي لن تتركهم يواجهون مخاطر دون أن تفكر معهم في بديل عن تلك القواعد

لم يعد الرهان على هزيمة إيران وحلفائها جدّيا ولا واقعيا، والتعويل على القواعد الأمريكية صار وهما، ورحيل الأمريكان من المنطقة صار مرجّحا جدا، وصار أصدقاء أمريكا من المتعاونين معها في مرمى صواريخ ومُسيّرات إيران وحلفائها.

لقد صارت دول الخليج بالذات تحتاج طمأنة متزامنة مع تفكيك القواعد الأمريكية، وقد صار تخوفها مشروعا ومنطقيا، أمام تحول إيران الى قوة إقليمية بل ودولية، قد تكتفي بكف العدوان عنها وتثبيت مواقع جديدة لها في العالم، وقد تغري القوة بعض قادتها فيفكرون في "الانتقام" من كل من ساهم بأي مقدار في العدوان وفي "قتل" مرشدها الأعلى.

هذا الاتفاق لن يكون بعيدا عن أعين الأمريكان، فأمريكا محرجة جدا أمام أصدقائها إذ عجزت عن حمايتهم وربما قصّرت في ذلك وبجّلت عليهم أمن "الكيان"، لذلك فهي لن تتركهم يواجهون مخاطر دون أن تفكر معهم في بديل عن تلك القواعد.

هذا التحالف يؤكد أصحابُه أنه ليس تحالفا عدائيا هجوميا، بل إنه تحالف دفاعي، وقد قال أردوغان إن أي اعتداء عسكري على أي دولة من دول التحالف سيعتبر اعتداء على الدول الثلاث، فهو تحالف حمائي دفاعي، وهو بالتأكيد ليس تحالفا لمواجهة الكيان المحتل رغم ما صادر من تهديدات متكررة من رئيس وزراء الكيان ضد تلك الدول الثلاث، ولا هو تحالف لمواجهة إيران وحلفائها الذين يقاومون العدوان، وإنما وأساسا هو تحالف لـ"ضبط" المشهد بعد تسوية يبدو أن الأمريكان صاروا واقعيين ورضخوا أمام العناد الإيراني.

رئيس وزراء باكستان يقول: "اتفاقية الدفاع المشترك مع تركيا والسعودية ستكون درعا للسلام والرخاء للأجيال القادمة". وزير الخارجية التركي صرّح بأن "الاتفاق مع باكستان والسعودية يماثل فنيا المادة 5 من ميثاق النيتو الخاصة بالدفاع الجماعي، ستكون هناك أمانة عامة ولجنة وزارية في إطار الاتفاق مع السعودية وباكستان غرار النيتو.. الاتفاقية الدفاعية لا تستهدف إيران ولا أحد يعد هدفا ما دام لا يهاجم الدول الأعضاء"، مضيفا أن "مصر قد تنضم إلى اتفاقية الدفاع المشترك بمجرد تسوية بعض المسائل الفنية".

ردود فعل الإيراني والحوثي كانت سلبية تجاه هذا الاتفاق. القيادي في جماعة الحوثي محمد البخيتي وجه تحية للشعب التركي وللشعب الباكستاني "اللذين يتعاطفا مع مظلومية الشعب اليمني"، وخاطب حكام السعودية بتحدّ مقللا من أهمية "التحالف" ومؤكدا استمرار الهجمات، بل وهدد تركيا إن هي ساعدت في مهاجمة الحوثيين.

نائب وزير الخارجية الإيراني علق على الاتفاق بالقول: "إذا عدنا مجددا لظروف السلام فمن المرجح أن تُعقد اجتماعات أمنية بين دول المنطقة"، مضيفا: "وثّقنا بمجلس الأمن تواريخ هجمات انطلقت من أراضي دول مجاورة ضدنا في الحرب الأخيرة".

يكون هذا التحالف الدفاعي مهما جدا لملء فراغ سينتج عن تفكيك القواعد الأمريكية في المنطقة وسيكون تحالفا مانعا لفوضى محتملة إذا حسمت القوة الإيرانية أمر شبكة العنكبوت المهترئة

إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، علق على الاتفاق قائلا: "ينبغي على السعوديين أن يدركوا أن اتفاقاً ورقياً مع تركيا وباكستان لن يجلب لهم الأمن تماماً، كما أن سنوات الاعتماد الأحادي الجانب على الأمريكيين لم توفر لهم ذلك، أصلحوا سياساتكم حتى لا تضطروا إلى استجداء الأمن من الآخرين".

وبالنظر الاستراتيجي، يكون هذا التحالف الدفاعي مهما جدا لملء فراغ سينتج عن تفكيك القواعد الأمريكية في المنطقة وسيكون تحالفا مانعا لفوضى محتملة إذا حسمت القوة الإيرانية أمر شبكة العنكبوت المهترئة، فالقوة دائما مغرية بالذهاب إلى مدايات أبعد ومدارات أرفع، القوة ليست فقط مصدر شعور بالأمان.

في عالم المصالح، المكاسبُ والخسائرُ هي معايير ضبط العلاقات، أما التوصيفات الهَوَوِيّة فهي فقط لتنشيط الحميّات وتحشيد الجموع باسم القبيلة أو اللغة أو المذهب أو الجغرافيا.

ونحن كمسلمين وكقوى خير، يُنتظَرُ منا مباركةُ أي تقارب بين المسلمين، فلا أحد يحب الحرب بين الأشقاء، وما يسعدنا كمسلمين هو توّسع جهد الدفاع عن كرامة الأمة وسيادتها بوجه أعدائها الحقيقيين الذين يحتلون أراضيها ويسلبون ثرواتها ويُهددون ثقافتها وتاريخها ووحدتها.

ولسنا ننتظر منهم تطويق الكيان وحماية غزة، وتحرير القدس، فستكون لذاك الحلم مواقيتُه وأجيالُه التي ستكون قد تعافت من كل اللوثات المعيقة.

x.com/bahriarfaoui1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)