الدولة العراقية والأمواج المليشياوية!

جاسم الشمري
"تعلن صراحة بأنّها لن تسلّم سلاحها للحكومة لأنّها تراها قضيّة عقائديّة"- جيتي
"تعلن صراحة بأنّها لن تسلّم سلاحها للحكومة لأنّها تراها قضيّة عقائديّة"- جيتي
شارك الخبر
الدول الناضجة هي التي تمتاز بالتقسيمات الإداريّة الواضحة، وكلّ مسؤول في الدولة يعرف الواجبات الملقاة على عاتقه، ولا تسمح قوانينها بتداخل الواجبات والصلاحيّات بين مسؤوليها ومؤسّساتها!

وأكّدت المادّة (47) من دستور العراق للعام 2005 على "مبدأ فصل السلطات التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة"، ولكنّ واقع غالبيّة القرارات والملفّات مُتداخل وَمُربك!

واقعيّا لا أحد يعرف مَنْ الذي يقود العراق: هل هو رئيس الحكومة التنفيذيّة: علي الزيدي، أم رئيس مجلس النوّاب: هيبت الحلبوسي، أم رئيس مجلس القضاء الأعلى: فائق زيدان، أم رئيس أركان الحشد الشعبيّ: أبو فدك المحمداوي، أم مقتدى الصدر، المعتزل للميدان السياسيّ والمتحكّم بالشارع، أم بقيّة قادة الكيانات المسلّحة والسياسيّة؟

يفترض بالقضايا الخارجيّة والداخليّة التنفيذيّة أن تكون من اختصاص الحكومة، والملفّ التشريعيّ لمجلس النوّاب، والقضائيّ لمجلس القضاء، ولكن حينما تتداخل الصلاحيّات والتصريحات والقرارات، فما المصير المرتقب للدولة داخليّا وخارجيّا؟

ومن هذه البوّابة الخطيرة لاحظنا أنّ الزيدي أُقْحِم بمأزق سياسيّ وأمنيّ معقّد، حيث إنّه -وخلال زيارته لتركيا- تعرّضت السعوديّة في يومي 27 و28 تمّوز/ يوليو 2026 لهجوم بطائرات مسيّرة للمليشيات العراقيّة!

نجحت الفصائل المسلّحة في كسر هيبة الدولة، وتذويب قرارات الزيدي، وجعل البلاد على حافّة الهاوية، وهي غير ساعية للوصول إلى حلّ داخليّ يحمي العراق من التحكّم الأجنبيّ، وينهي أسباب استهدافه من الخارج!

وبعد ساعات من نهاية زيارة الزيدي لأنقرة تعرّضت عدّة محافظات عراقيّة ليلة 28 تمّوز/ يوليو 2026 لعشرات الهجمات الدقيقة بالطائرات السعوديّة والأمريكيّة، وخلّفت عشرات الضحايا والجرحى من العراقيّين والإيرانيّين!

والسؤال الكبير: لمصلحة مَنْ تُسْتَهدف السعوديّة والكويت والأردن وغيرها انطلاقا من الأراضي العراقيّة؟ وهل هذه الهجمات بتوجيه رسميّ وداخليّ، أم بتوجيهات خارجيّة؟

الضربات المليشياوية يُمكن ترميم تداعياتها بزيارة الزيدي للسعوديّة عوضا عن زيارته "المؤجلة"، والتي كانت مقرّرة يوم 30 تمّوز/ يوليو 2026، رغم أنّ توقيت الضربات المليشياوية مُتعمّد لإجهاض الزيارة!

مصلحة العراق تكمن في الذوبان بمحيطه العربيّ، وأن يكون جزءا من القوّة الخليجيّة، لا أن يَستعدي دول المنطقة لمصلحة الغرباء الذين يُفكّرون بمصالحهم فقط!

وبخصوص مستقبل الزيدي في مواجهة المليشيات، يمكن أن نقف عند تداعيات تصريح الرئيس دونالد ترامب بعد الهجوم السعوديّ، والتي أكّد فيها بأنّ "واشنطن نَسَّقت مع العراقيّين قبل ضربات مشتركة مع السعوديّة".

والتصريح وضع الزيدي في موقفين معقّدين:

الأوّل: أنّ الزيدي سيقف في وجه المليشيات لسحب سلاحها، وهذا الاحتمال يصعب حدوثه إلا بدعم أمريكيّ عبر قوّات خاصّة، أو عبر دعم بعض الدول العربيّة وأبرزها السعوديّة والأردن.

الثاني: أنّ المليشيات ستقلب الطاولة على الزيدي، وقد تنهي حكومته لتكون أقصر عمراً لحكومة بعد العام 2003، ومتجاوزة حكومة عادل عبد المهدي التي استمرّت لعامين!

وأرى أنّ حكومة الزيدي عاجزة عن ملاحقة المليشيات بمفردها، وبدليل أنّ أمين حزب الله العراقيّ "أبو حسين الحميداوي"، قال الاثنين الماضي: "نتمسّك بسلاح المقاومة، ولن نُفرّط به، وَسَنُطوّره وَنُعَظِّم ترسانته"، فيما قال هادي العامري، زعيم منظّمة بدر، بعد الهجمات: "سنثأر للشهداء"!

ووجّه الزيدي، السبت الماضي، "بمنع أيّ تهديد ينطلق من الأراضي العراقيّة"! ولكن هل سيُنفّذ هذا التوجيه؟

حزب الله العراقيّ وحركة النجباء وكتائب سيّد الشهداء ومن لفّ لفّها تعلن صراحة بأنّها لن تسلّم سلاحها للحكومة لأنّها تراها قضيّة عقائديّة! فهل سيستعين الزيدي بالمجتمع الدوليّ لضرب المليشيات، أم أنّ المليشيات ستضرب الزيدي قبل أن يتحرّك ضدّها؟

واقعيّا يبدو أنّ الزيدي وضع نفسه بمأزق زمانيّ بتحديده نهاية أيلول/ سبتمبر القادم موعداً لتسليم سلاح المليشيات، والذي يتزامن مع انتهاء مهمّة قوّات التحالف الدوليّ في العراق، وحينها ستكون حكومة الزيدي أمام اختبار تاريخيّ لقدراتها الأمنيّة في حفظ أمن البلاد وسيادتها!

نجحت الفصائل المسلّحة في كسر هيبة الدولة، وتذويب قرارات الزيدي، وجعل البلاد على حافّة الهاوية، وهي غير ساعية للوصول إلى حلّ داخليّ يحمي العراق من التحكّم الأجنبيّ، وينهي أسباب استهدافه من الخارج!

هل العراق على موعد مع عمليّة عسكريّة برّيّة خارجيّة بالتنسيق مع الزيدي لتغيير المعادلة الأمنيّة وضرب المليشيات، وذلك بالتزامن مع الفشل المتوقّع المفاوضات الإيرانيّة- الأمريكيّة واحتماليّة حدوث ضربات أمريكيّة ضدّ إيران؟

التطوّر المدهش أنّ جهاز مكافحة الإرهاب دخل منذ أمس الخميس في حالة انذار (ج)، لانتهاء مهلة المليشيات للحكومة للرّدّ على الضربات السعوديّة!

ولأوّل مرّة أطلّ هادي العامري بتسجيل مصوّر فجر اليوم الجمعة وهو يدعو المليشيات "لتأجيل أيّ رَدَّة فعل ضدّ بالعدوان الأمريكيّ السعودي"، وكأنّ التواصل قد قُطِع معهم، وهكذا فإنّ الساعات القادمة حبلى بالأحداث الجسام، إن لم تتحرّك الحكومة ضدّ المليشيات!

الزيدي على المحكّ، وقد يتحقّق ما ذكرته في مقاليّ "وماذا بعد اختيار الزيدي لرئاسة الحكومة؟!" يوم 15 أيّار/ مايو 2026 في صحيفة "عربي21" الغرّاء: "مهمّة الزيدي خطيرة، وربّما، وُرِّط الرجل برئاسة الحكومة، وقد لا تَستمرّ حكومته لعام واحد"! ويبدو هذا السيناريو الأقرب للواقع اليوم!

ومع الأزمة الماليّة الحاليّة وعجز الحكومة عن دفع رواتب الموظّفين، هل ستربط واشنطن مساعداتها للزيدي بضبط الأمن وحصر السلاح بيد الحكومة؟ وهل سيتمكن الزيدي منفردا من قيادة سفينة العراق لبرّ الأمان دون الدعم الأمريكيّ والعربيّ؟

وأخيرا: هل العراق على موعد مع عمليّة عسكريّة برّيّة خارجيّة بالتنسيق مع الزيدي لتغيير المعادلة الأمنيّة وضرب المليشيات، وذلك بالتزامن مع الفشل المتوقّع المفاوضات الإيرانيّة- الأمريكيّة واحتماليّة حدوث ضربات أمريكيّة ضدّ إيران؟

وهذا السيناريو هو الأخطر، وحينها لكلّ حادث حديث!

x.com/dr_jasemj67


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)