مفارقة مسار المنطقة والسلطة في لبنان

بلال اللقيس
"صار الأمر مسألة تتجاوز لبنان إلى تصور لتفاهم إقليمي إيراني مع قوى رئيسة أخرى تتضرر من أي نفاذ أمريكي إسرائيلي في لبنان"- الأناضول
"صار الأمر مسألة تتجاوز لبنان إلى تصور لتفاهم إقليمي إيراني مع قوى رئيسة أخرى تتضرر من أي نفاذ أمريكي إسرائيلي في لبنان"- الأناضول
شارك الخبر
عندما يقول الرئيس أردوغان إن أمن أنقرة من أمن بيروت ودمشق، وعندما تقول طهران من قبل المعنى نفسه، وعندما توحي القاهرة بمعنى قريب من ذلك، فهذا يعني أن إدراكا وواقعا جديدا في الإقليم نشأ وتخطّى الأفهام والسلوكيات القديمة. لم يعد الأمر مسألة تدخل في سياسة دولة كلبنان ولا تجاوزا لحدود بمعناه الكلاسيكي، إنما صارت المسألة مسألة حسابات الجيوبوليتيك أو علم النخبة كما يقول عنها المفكر ألكسندر دوغين، وليس علم المترفين ولا الحالمين ولا السذج.

القضية أن أمن دول مثل إيران وتركيا ومصر صار يمر من بيروت ودمشق تباعا. الصراع والاشتباك وموضوعه -أي بكلمة أخرى طبيعته- اختلفت عما قبل. لم يعد الصراع بين قطبين عالميين كما في القرن الماضي حيث تتجه دول في منطقتنا لتبحث عن حياد بين القطبين، بل صار بين دول إقليمية صاعدة تتشارك مع الدول المجاورة لها في الثقافة والانتماءات والمصالح الأمنية المباشرة وتتقاطع رؤاها بنيويا، وبين العدو الإسرائيلي ومن خلفه أمريكا.

لم يعد الصراع بين قطبين عالميين كما في القرن الماضي حيث تتجه دول في منطقتنا لتبحث عن حياد بين القطبين، بل صار بين دول إقليمية صاعدة تتشارك مع الدول المجاورة لها في الثقافة والانتماءات والمصالح الأمنية المباشرة وتتقاطع رؤاها بنيويا، وبين العدو الإسرائيلي ومن خلفه أمريكا

فإيران وتركيا وأيضا مصر إلى حد معتد به؛ دول مستقلة لكنها متصلة اتصالا عضويا ببعضها وبلبنان وسوريا من أكثر من منظور، في سياق المواجهة الوجودية مع إسرائيل ونجاح نموذج لبنان المقاوم. ولم تعد القسمة بين أيديولوجيا يسار شرقي ويمين غربي، بل بين مصالح المسلمين وقواهم الرئيسة وبين العدو الذي أشهر كل حقده التاريخيّ وسلوكه الإجرامي بدعم أمريكي مطلق لتغيير الخرائط والهويات والتوسع وتهديد أمن المنطقة الأمني والأنطولوجي. فالصراع -لمن لم يتنبه بعد- منهجه تغير وشهادة غزة أرخت بظلالها على مجمل المسار والمستقبل، فهي الشرارة وهي موجه كل ما يحدث حتى لو لم يتكرر ذلك يوميا في مقولات السياسيين والإعلاميين، لكن هي الحقيقة في مقولات الجيوبوليتيكيين.

وأيضا يبدو أن الإرادة العامة للمسلمين وكذلك القوى الوطنية في لبنان -وسوريا- غير المتغربة (حتى من غير المسلمين) تنحو إلى دعم هذا التوجه الإقليمي والتفاعل معه، وهي تدرك أن مستقبلها صار رهن تعزز حضور قوى الإقليم وتعاونها بدلا عن أمريكا، وأن مستقبلها صار رهن فشل مشروع إسرائيل في كل من لبنان وسوريا بعد أن فشل فشلا ذريعا أمام إيران، لذلك فإنّ التفاعل البنيوي بين الشعوب في لبنان وسوريا والعراق وتركيا ومصر وبطبيعة الحال إيران، يسير بسرعة.

فالاتجاه الشعبي العام اليوم ينحو إلى أقلمة مقارباتنا وتحدياتنا بعيدا عن الغرب وعن العدو الإسرائيلي، وهناك فرص واعدة لذلك بعدما أفشلنا كل الحروب ومحاولات الانقلابات التي سعى إليها الغرب بأدوات (سلطات عربية أحيانا) في دول كتركيا وإيران، ولم تكن مصر بعيدة عن ذلك يوما ما، بل دوما مهددة من الصهاينة الأمريكيين.

والشاهد على هذه الرغبة الجامحة والعقلانية المستجدة وهذا السعي؛ أن الأمة الإسلامية تطوي الخلاف المذهبي إلى حد كبير، وتطوي خلاف ثورات الربيع العربي في مصر وليبيا وسوريا واليمن، وها هي العلاقات تعود إلى مجاريها بين مصر وتركيا والسعودية، ناهيك عن العلاقات التي لا يمكن أن
فرصة للعب دور إسلامي عالمي بات ممكنا، وكلهم علنا وضمنا مع إضعاف النفوذ الأمريكي في المنطقة فضلا عن الإسرائيلي، بمعزل عن درجة انخراط وقوة كل مجتمع من مجتمعاتهم في خوض المواجهة المباشرة
تنقطع بين إيران وتركيا بل تستمر رغم ظاهر أن تركيا دولة ناتو. فالدول الثلاث هذه تطور من تقاربها التدريجي من جهة لمنع الاستفراد بأي منها، وأيضا تطور من حضورها بأشكال دبلوماسية أو عسكرية أو سياسية مختلفة في قضايا المنطقة على قاعدة حد وإضعاف النفوذ الصهيوني وأذياله. كلهم يرون في اقترابهم فرصة للعب دور إسلامي عالمي بات ممكنا، وكلهم علنا وضمنا مع إضعاف النفوذ الأمريكي في المنطقة فضلا عن الإسرائيلي، بمعزل عن درجة انخراط وقوة كل مجتمع من مجتمعاتهم في خوض المواجهة المباشرة كما تفعل إيران.

لذلك من يظن أنه يمكن أن يعطي للعدو الصهيوني ما لم يأخذه منذ 1983 فهو واهم جدا ولا يعرف ألف باء السياسة ويقرأ بعقلية ضيقة وفي الفنجان كما يقولون، ومن يظن أنه سيستطيع أن يقرن خروج إسرائيل الإجباري بملف المقاومة فهو غارق إلى أذنيه في الوهم وحتى الثمالة. فالسلاح اليوم لم يعد مسألة حزب الله فحسب، ولا بيئته، ولا مجتمع المقاومة الذي صار أكثر قناعة بحماية السلاح، لقد صار الأمر مسألة تتجاوز لبنان إلى تصور لتفاهم إقليمي إيراني مع قوى رئيسة أخرى تتضرر من أي نفاذ أمريكي إسرائيلي في لبنان. لذلك لا يمكن أن يتم أي نقاش في السلاح والمقاومة وثقافتها دون هذه المظلة التي ترى ضرورة تكريس هوية لبنان السياسية بعيدا عن أمريكا وإسرائيل، وهو ما تبنّته أغلبية الشعب اللبناني. فالذي لم تحصل عليه أمريكا في لبنان منذ عقود وفي حربها الكونية الأخيرة لتغيير موقعه وهويته وبأشد الظروف والضغوط قسوة على لبنان ومجتمع المقاومة، فلا يمكن أن تحصل عليه اليوم.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)