بعد توقيع الاتفاق: هرمز.. عندما حسم الاقتصاد ما عجزت عنه السياسة!

محمد موسى
"أثبتت الأزمة الأخيرة أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري استراتيجي، بل تحول إلى أحد أهم أدوات التأثير في الاقتصاد العالمي"- الأناضول
"أثبتت الأزمة الأخيرة أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري استراتيجي، بل تحول إلى أحد أهم أدوات التأثير في الاقتصاد العالمي"- الأناضول
شارك الخبر
في الوقت الذي جرى فيه تسويق الاتفاق الأمريكي- الإيراني على أنه إنجاز سياسي وأمني يهدف إلى خفض التوتر العسكري واحتواء الملف النووي الإيراني، تكشف القراءة الاقتصادية العميقة أن جوهر الاتفاق كان اقتصادياً في المقام الأول، وأن العامل الحاسم الذي دفع الأطراف نحو التفاهم لم يكن الخوف من المواجهة العسكرية بقدر ما كان الخوف من تداعياتها الاقتصادية على العالم بأسره.

لقد أثبتت الأزمة الأخيرة أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري استراتيجي، بل تحول إلى أحد أهم أدوات التأثير في الاقتصاد العالمي. فالمضيق الذي تمر عبره نحو 20 في المئة من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً وما يقارب خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، أظهر أن تعطيل حركة الملاحة فيه أو حتى التلويح بذلك كفيل بإرباك الأسواق العالمية وإعادة رسم اتجاهات الأسعار والتضخم والنمو خلال أيام قليلة. ومع تصاعد المواجهة الأمريكية- الإيرانية، بدأت الأسواق تستشعر خطورة المساس بهذا الشريان الحيوي، فارتفعت أسعار النفط بصورة ملحوظة، وقفزت كلفة التأمين والشحن البحري، وعادت المخاوف من موجة تضخمية جديدة تهدد الاقتصادات الكبرى التي لم تتعافَ بالكامل بعد من تداعيات جائحة كورونا والحرب الأوكرانية وأزمات سلاسل الإمداد المتلاحقة.

أهمية التوقيع لا تعني أن الطريق بات معبداً بالكامل، فالتجارب السابقة بين واشنطن وطهران تؤكد أن الاتفاقات السياسية غالباً ما تكون أسهل من تنفيذها. وما زالت الملفات الجوهرية الأكثر تعقيداً مطروحة على الطاولة، بدءاً من البرنامج النووي والعقوبات الاقتصادية، مروراً بالنفوذ الإقليمي، وصولاً إلى شبكة الحلفاء والوكلاء

من هنا، لم يعد السؤال يتعلق فقط بمن يمتلك السلاح الأقوى، بل بمن يمتلك القدرة على التأثير في شرايين الاقتصاد العالمي. وقد أثبتت الأحداث أن هرمز بات في كثير من الأحيان سلاحاً أكثر تأثيراً من الملف النووي نفسه، لأن تأثيره لا يقتصر على دولة أو منطقة بعينها، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره، من أسواق الطاقة إلى النقل البحري والصناعة والغذاء والأسواق المالية. ولذلك، يمكن القول إن الاقتصاد العالمي كان المستفيد الأول من الاتفاق. فاستقرار الملاحة في المضيق يعني استقرار تدفقات النفط والغاز، وتراجع الضغوط التضخمية، وحماية سلاسل الإمداد الدولية من اضطرابات جديدة، كما يعني تعزيز الثقة في الأسواق المالية العالمية التي كانت تتعامل مع احتمال توسع الحرب باعتباره أحد أكبر المخاطر الجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة.

وعلى المستوى الإقليمي، استفادت دول الخليج بصورة مباشرة من التهدئة، إذ إن أمن الملاحة البحرية ينعكس استقراراً في الإيرادات النفطية، وانخفاضاً في كلفة التأمين على الشحن، وتحسناً في البيئة الاستثمارية للمشاريع الكبرى المرتبطة بالطاقة واللوجستيات والتجارة الدولية. كما تستفيد الاقتصادات العربية المستوردة للطاقة من تجنب قفزات سعرية كانت ستزيد الضغوط على الموازنات العامة والاحتياطات النقدية.

أما إيران، التي دخلت سنوات طويلة من الضغوط الاقتصادية والعقوبات، فتبدو من أكثر الأطراف حاجة إلى نجاح الاتفاق. فالاقتصاد الإيراني يواجه تحديات كبيرة مرتبطة بالتضخم وتراجع قيمة العملة والحاجة إلى استثمارات جديدة وتدفقات نقدية خارجية، وبالتالي فإن أي تسهيلات لصادرات النفط أو الإفراج عن جزء من الأصول المجمدة أو تخفيف القيود المالية تمثل مكاسب اقتصادية يصعب تجاهلها، وهو ما يفسر جانباً مهماً من المرونة التي أبدتها طهران خلال المفاوضات.

ولعل اللافت أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من قمة إيفيان ركزت بصورة واضحة على إعادة فتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة واستقرار أسواق الطاقة العالمية، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لدى القوى الكبرى بأن أي اضطراب طويل الأمد في هذا الممر الحيوي ستكون كلفته الاقتصادية باهظة على الجميع، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها.

ومع ذلك، فإن أهمية التوقيع لا تعني أن الطريق بات معبداً بالكامل، فالتجارب السابقة بين واشنطن وطهران تؤكد أن الاتفاقات السياسية غالباً ما تكون أسهل من تنفيذها. وما زالت الملفات الجوهرية الأكثر تعقيداً مطروحة على الطاولة، بدءاً من البرنامج النووي والعقوبات الاقتصادية، مروراً بالنفوذ الإقليمي، وصولاً إلى شبكة الحلفاء والوكلاء المنتشرين في عدد من ساحات الشرق الأوسط. وهذه القضايا هي التي ستحدد ما إذا كان الاتفاق سيؤسس لاستقرار طويل الأمد، أم أنه مجرد هدنة مؤقتة قابلة للاهتزاز عند أول اختبار جدي.

الدرس الأهم من الاتفاق الأمريكي- الإيراني لا يقتصر على نجاح الدبلوماسية في منع التصعيد، بل يتمثل في الحاجة الملحة إلى إعادة صياغة مفهوم الأمن الاقتصادي العالمي

لكن بعيداً عن الحسابات السياسية، تكمن أهمية الاتفاق في أنه كشف هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام الاختناقات الجيوسياسية. فقد أثبتت الأزمة أن بضعة كيلومترات مائية في مضيق هرمز قادرة على التأثير في أسعار الطاقة العالمية وفي معدلات التضخم والنمو؛ أكثر مما تفعله أحياناً ترسانات عسكرية كاملة. كما أظهرت أن الاقتصاد العالمي ما زال يعتمد بصورة مفرطة على ممرات بحرية محدودة وسلاسل توريد شديدة الحساسية للصدمات.

والأخطر من ذلك أن الأزمة أعادت تسليط الضوء على ملف الاحتياطات الاستراتيجية والمخزونات الحيوية. فبعد سنوات من الأزمات المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى الحرب في أوكرانيا وصولاً إلى أزمة هرمز، ما زالت دول كثيرة تعتمد على مستويات غير كافية من المخزونات الاستراتيجية للطاقة والمواد الأولية والغذاء، وما زالت سلاسل الإمداد العالمية تفتقر إلى البدائل الكافية في حال تعرض أحد الممرات الرئيسية للاضطراب. لذلك، فإن الدرس الأهم من الاتفاق الأمريكي- الإيراني لا يقتصر على نجاح الدبلوماسية في منع التصعيد، بل يتمثل في الحاجة الملحة إلى إعادة صياغة مفهوم الأمن الاقتصادي العالمي. فالمطلوب لم يعد فقط ضمان تدفق الطاقة، بل بناء منظومة أكثر قدرة على الصمود عبر تنويع مصادر الإمداد، وزيادة الاحتياطات الاستراتيجية، وتطوير مسارات بديلة للتجارة والنقل، وتعزيز المخزونات الحيوية للدول والاقتصادات الكبرى.

فالاقتصاد هو الذي دفع الجميع نحو التفاهم، والاقتصاد هو الذي حسم المعركة قبل السياسة. لكن إذا لم تُستخلص الدروس الحقيقية من أزمة هرمز، وإذا لم تُعَد مراجعة المقاربات الحالية للأمن الاقتصادي العالمي، فإن العالم سيبقى معرضاً في كل أزمة جديدة للسيناريو ذاته: أسواق ترتجف، وأسعار تقفز، ومخزونات تتآكل، واقتصادات تدفع ثمناً متزايداً لهشاشة لم يعد ممكناً تبرير استمرارها في عالم تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية.

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)