"إسرائيل" بين الانكفاء الإقليمي وإعادة التموضع في الضفة وغزة

حازم عيّاد
"هناك تدافع داخلي إسرائيلي يُتوقع أن يطول كونه يجري تحت تاثير الانقسام الداخلي التقليدي"- جيتي
"هناك تدافع داخلي إسرائيلي يُتوقع أن يطول كونه يجري تحت تاثير الانقسام الداخلي التقليدي"- جيتي
شارك الخبر
عشية الإعلان الأمريكي توقيع مذكرة إنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وشمولها لبنان وحزب الله كطرف في الاتفاق، عادت الأسئلة لتطرح عن طبيعة التموضع الإسرائيلي المستقبلي في الضفة الغربية وقطاع عزة، فهل يذهب الاحتلال الإسرائيلي بعيدا لفرض استراتيجيته المعلنة بضم الضفة الغربية وإفراغ قطاع غزة من ساكنيه؛ متجاهلا بذلك تراكم الفشل الاستراتيجي في المواجهة مع إيران وحزب الله في لبنان، ليضيف إليها مخاطر توتر العلاقة مع الأردن ومصر والمجموعة العربية وعلى رأسها السعودية.

التموضع الإسرائيلي بهذا المعنى غاية في التعقيد بعد توقيع الرئيسان الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأربعاء، مذكرة التفاهم التي أوقفت الحرب، إذ وقبل أن يعيد تموضعة في الضفة الغربية وقطاع غزة، لا زال الاحتلال يدرس خياراته في لبنان بين سيناريوهات ثلاثة: الانسحاب ووقف العمليات العسكرية، أو تكثيف العمليات العسكرية وتوسعتها، وأخيرا الاحتفاظ بمنطقة عازلة في جنوب لبنان ويد مطلقة للعمل العسكري ضد حزب الله ونزع سلاحه.

التموضع الإسرائيلي بهذا المعنى غاية في التعقيد بعد توقيع الرئيسان الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأربعاء، مذكرة التفاهم التي أوقفت الحرب

إنها خيارات تأزيمية؛ إذا ما استثنينا خيار الانسحاب ووقف إطلاق النار الذي يأتي كتفاهم شكلي مع الرئاسة والحكومة اللبنانية، مقابل حوافز وأثمان تدفعها الولايات المتحدة الأمريكية وإدارة ترامب للجانب الإسرائيلي ونتنياهو في الضفة والقطاع، أو كنتاج لضغوط تمارسها إدارة ترامب والدولة العميقة في الكيان على نتنياهو وائتلافه الحاكم لتجنب الصدام مع الولايات المتحدة وخسارة الشراكات الأمنية مع دول الجوار والإقليم.

هذه الهواجس عكستها الرسالة الأخيرة لقادة أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي وقادة الأمن وجنرالاته السابقين، وعلى رأسهم رئيسا الوزراء السابقان إيهود باراك وإيهود أولمرت، ورئيسا الأركان السابقان موشيه يعلون ودان حالوتس، والرئيس السابق للموساد تمير باردو، والرئيسان السابقان للشاباك كرمي غيلون ويعقوب بيري، والرئيس السابق لمجلس الأمن القومي عوزي أراد، والقاضي السابق في المحكمة العليا يورام دانتسيغر، إضافة إلى جنرالات سابقين وشخصيات أكاديمية وستة من الحاصلين على "جائزة إسرائيل"، بينهم الكاتب دافيد غروسمان. فهي رسالة ضمت حشدا من أركان الدولة العميقة وعرابيها دعوا فيها نتنياهو وقادة الجيش والأمن الحاليين لوقف هجمات المستوطنين في الضفة الغربية، بالتزامن مع ما كشفته استطلاعات الرأي الأخيرة التي أظهرت تقدم حزب "يشار" الذي يتزعمه رئيس الأركان الأسبق غادي إيزنكوت على باقي أحزاب المعارضة بحصوله على 21 مقعدا، وبفارق مقعدين عن حزب الليكود الذي لا يزال متقدما.

فهناك تدافع داخلي إسرائيلي يُتوقع أن يطول كونه يجري تحت تاثير الانقسام الداخلي التقليدي بين التيار اليميني القومي العلماني واليميني الديني القومي، والضغوط الأمريكية لإنفاذ اتفاق واشنطن مع إيران، وإلى جانبها القوى الإقليمية والدولية خصوصا الأوروبية لتثبيت حالة الاستقرار السياسي والاقتصادي لإعادة توجيه اهتمامها نحو روسيا والصين، الأمر الذي ظهرت إرهاصاته مباشرة بعد توقيع مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية الأربعاء؛ بضربات أوكرانية مباشرة للمنشأت النفطية الروسية بضوء أخضر من أوروبا وأمريكا أمس الخميس.

الأجندة الإسرائيلية يمكن أن تعاد جدولة أولوياتها لتتناسب مع متطلبات الحلفاء الغربيين دون تعديلات جوهرية في استراتيجيتها التوسعية في الضفة الغربية وقطاع عزة، لتعود بالاحتلال إلى حدود وقيود ما قبل السابع من أكتوبر 2023، أملا بتغير الأولويات والأجندة الغربية الأمريكية الأوروبية مستقبلا، يقابلها خشية اليمين القومي الديني وقطاع مهم من الدولة العميقة من اليمين الديني القومي بفقدان
الرهان على نجاح عملية إعادة التموضع الإسرائيلي خسارة صافية، سواء كانت على طريقة آفي بلوط وإيال زامير وسموتريتش أو كانت على طريقة غادي إيزنكوت وموشيه يعلون
فرصة ثمينة بابتزاز دول المنطقة والولايات المتحدة للمضي قدما في استراتيجية الضم والتهجير في الضفة الغربية، فالاستراتيجية واحدة والأولويات مختلفة لمن يراهن على التوراة ونبوءتها، ومن يراهن على العلاقة مع الغرب وأجندته المتغيرة.

الانقسام داخل الكيان الإسرائيلي، رغم أنه بنيوي بين يمين متدين وآخر قومي، لم يتحول بعد إلى انقسام هيكلي حاد رغم تسلل وتغلغل اليمين الديني إلى مؤسسات الدولة العميقة في القضاء والأمن والخارجية على حساب اليمين العلماني القومي المتطرف، ما يعني أن حالة التشرذم وغياب الحسم ستبقى الناظم الأساس للسلوك الإسرائيلي على نحو يستنزف الدولة العميقة الإسرائيلية بمرور الوقت، والأخطر مراهنة الدول الإقليمية والعربية على عقلانية الكيان الإسرائيلي ودولته العميقة المنقسمة والممتدة جذورها في أمريكا وأوروبا.

ختاما.. التموضع الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة والإقليم عملية مستحيلة في ظل الاستراتيجية اليمينية الثابتة والأولويات السياسية سريعة التغير، فعملية التكيف أعقد وأكثر كلفة وسلبية في اتجاهاتها المحلية والإقليمية، ما يجعل من مواكبة دول الجوار لها والرهان عليها -خصوصا في الأردن ومصر- عملية محفوفة بالمخاطر، والأخطر أنها تعكس غياب للخيارات لصالح حالة من الديموغاجية والجمود لدى دول الجوار العربي التي حصرت رهاناتها بالعودة إلى تفاهمات قديمة، وبنى أمنية متآكلة عفا عليها الزمن وتجاوزتها الأحداث الإقليمية والدولية في التعامل مع الضفة الغربية وقطاع غزة، فالرهان على نجاح عملية إعادة التموضع الإسرائيلي خسارة صافية، سواء كانت على طريقة آفي بلوط وإيال زامير وسموتريتش أو كانت على طريقة غادي إيزنكوت وموشيه يعلون.

x.com/hma36


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)