حرب لم يربحها أحد

غازي دحمان
"استثمار ورقة مضيق هرمز"- الأناضول
"استثمار ورقة مضيق هرمز"- الأناضول
شارك الخبر
من مفارقات الحرب في إيران وعليها، أنها حققت خسائر لجميع أطرافها، ولا تشي مخرجاتها بإمكانية تحقيق مكسب جيوسياسي أو اقتصادي أو سياسي، وإذا كانت الحروب في مختلف الأزمان والعصور تكون نتائجها مدمرة على جميع أطرافها، إلا أن طرفا ما قد يحصل على قيم إضافية مستقبلية كناتج لاستثمار القوة وتعويض عن خسائر وقتية لحقت به.

الحرب في إيران كان لها خسائر ثقيلة مؤكدة على جميع الجبهات، فالولايات المتحدة الأمريكية وضعت قيادتها للعالم على المحك، بعد عجزها عن إرضاخ إيران، وظهور بوادر لتفكّك هيمنتها العالمية، بعد تمرد أوروبا والحلفاء في آسيا، وبحثهم عن مقاربات جديدة لتدبير أمنهم. وسينجحون في ذلك بالنظر لامتلاكهم قواعد تكنولوجية وصناعية ضخمة، إن لم يكن اليوم سيكون قريبا، وهذا يعني أن سيطرة واشنطن وقبضتها على النظام الدولي ستضعف مع تراكم القوى لدى هذه الأطراف، ولن يقتصر الأمر على البعد العسكري بل سيشمل الاقتصاد والسياسة والثقافة، في ظل سياسات الاعتماد على الذات وتقوية التحالفات بعيدا عن أمريكا.

لعل خطورة الأمر تكمن في أن أطراف اللعبة الجديدة لن يكونوا منضبطين ضمن قواعد اللعبة القديمة التي صممتها واشنطن، وهذا ما يتضح من الحديث عن برامج الحماية الذاتية

من جهة إسرائيل، وإن تم تدمير جزء مهم من منظومات الدفاع الجوي الإيراني والصواريخ البالستية، إلا أن تل أبيب تدرك أنها عجزت مع واشنطن تحويل النصر العسكري لإنجاز سياسي، بمعنى دفع إيران للتسليم بالأمر الإسرائيلي، وبالتالي فإن ما تم تدميره سيسهل إعادة إنتاجه بعد شهور، لكن إسرائيل انكشفت في المنطقة بوصفها عنصر تخريب خطير لا يهمه سوى مصالحه على حساب أمن ومصالح بقية دول الإقليم.

ويمكن القول إن خسارات اسرائيل، هي مراكمة لخساراتها على الصعد الدبلوماسية والدولية، نتيجة الحرب على غزة، وتمثلت أكبر الخسارات في خسارة مكانتها المركزية في السياسة والحسابات الأمريكية. لقد تم كسر هذا المعطى الذي دام أكثر من سبعين عاما، وهذا تحول خطير، فقد خسرت إسرائيل السردية وقادة الرأي والنخب الأمريكية، ما يعني خسارتها لأكبر استثمار سياسي منذ نشأتها، والذي طالما شكّل الدرع الواقع لوجودها والداعم الأساسي لحروبها، وبات مطلوب منها، إن أرادت استمرار الدعم والساندة، العمل تحت سقف الأجندة الأمريكية في المنطقة، والتي ثبت مؤخرا أنها لا تتطابق دائما مع أهداف إسرائيل.

أما إيران، وإن ربحت استمرارية نظامها، واكتشفت كيف تستطيع استثمار ورقة مضيق هرمز بنجاح، لكن في الوقت نفسه لا تتعدى هذه المكاسب أن تكون آنية. أما من الناحية الاستراتيجية فقد نشأت ديناميات جديدة ستضر بموقعها وتلغي مكاسبها، فقد دفعت دول المنطقة إلى العمل بشكل جدي على تأمين بدائل لمضيق هرمز قد تحوّل المضيق بعد سنوات إلى ممر مهجور، لكن خسارتها الأكبر تتمثل بتفكيك نفوذها الإقليمي، فقد بدأت في العراق عملية تفكيك للهياكل المليشياوية التي صنعتها إيران هناك، وهي عملية لن تتوقف حتى ينتهي هذا الملف، الذي بدأ يأخذ زخما داخليا وشرعية رسمية لن يلبث أن يحوز على شرعية دينية في ظل أحاديث عن إمكانية إصدار الإمام السيستاني فتوى لاندماج الحشد الشعبي في أطر الدولة الرسمية.

وفي لبنان تسير الأمور باتجاه نزع سلاح حزب الله، إذ من غير المرجح بقاء السلاح خارج سلطة الدولة، ورغم اعتراضات الحزب، إلا أن الوقائع، وفي ظل تنامي الاعتراض الشعبي، وانقسام البيئة الشيعية، وضعف الحزب، تسير باتجاه تجريد الحزب من سلاحه وقبول أهون الأمرين، أي التحول إلى حزب سياسي بالكامل.

حتى الذين لم ينخرطوا بالحرب مباشرة، وحققوا بعض الأرباح المؤقتة (الصين وروسيا)، تنتظرهم نتائج ليست مثالية، حيث تتغير البيئات الاستراتيجية التي بنوا فيها نفوذهم، عبر التحالفات الناشئة في أوروبا الغربية وجنوب شرق آسيا، واتجاه الدول إلى تبني سياسات دفاعية ذاتية، الأمر الذي من شأنه تغيير المعادلات التي وضعتها أمريكا وكانت تستثمرها في التفاوض على توجيه القوى وضبطها. وفي أحيان كثيرة، استخدمت واشنطن سياسة التخادم مع بكين وموسكو في قضايا استراتيجية مهمة، على حساب الفاعلين الإقليميين في أوروبا وجنوب شرق آسيا. ولعل خطورة الأمر تكمن في أن أطراف اللعبة الجديدة لن يكونوا منضبطين ضمن قواعد اللعبة القديمة التي صممتها واشنطن،
لا تؤشر مخرجات الحرب إلى وجود منتصر، بقدر ما تؤكد ظهور معطيات جديدة سيكون لها دور مهم في تشكيل الواقع الدولي في المرحلة المقبلة، تقوم على أسس وركائز جديدة
وهذا ما يتضح من الحديث عن برامج الحماية الذاتية التي قد تُدخل روسيا والصين في عملية استنزاف مع دول تملك قدرات تكنولوجية هائلة -ولا سيما على الصعيد العسكري- لم يجر تفعيلها من قبل، وبحثها عن خيارات جديدة من شأنها أن تربك استراتيجيات روسيا والصين اللتين تعودتا على أنماط الحوار والصراع مع واشنطن.

المؤكد أنه في ظل التعقيدات والتشابكات التي ينطوي عليها المشهد الدولي وحقل العلاقات الدولية، لم تعد النتائج الميدانية ولا قوائم الخسائر كافية لحسم نتائج الحروب وإعلان طرف منتصر مقابل آخر خاسر، بل باتت الديناميكيات التي تنشأ عن الحروب هي الفاعل الأهم في إعادة تعريف الربح والخسارة للحروب.

لا تؤشر مخرجات الحرب إلى وجود منتصر، بقدر ما تؤكد ظهور معطيات جديدة سيكون لها دور مهم في تشكيل الواقع الدولي في المرحلة المقبلة، تقوم على أسس وركائز جديدة؛ أهمها إعادة توزيع للقوى على المستوى العالمي، ونمط جديد من التحالفات يقوم بين القوى المتوسطة، ومثاله في الشرق الأوسط التحالف التركي- الباكستاني- السعودي، ما يعني أن المرحلة المقبلة ستشهد سيولة جيوسياسية وتوازنات هشة ووضع رخو على مستوى اللعالم، ما يفتح الباب على إمكانية تفجر صراعات مستقبلية على تخوم هذه التحالفات ومناطق الاحتكاك بينها.

x.com/ghazidahman1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)