الجنوب السوري.. إلى المقاومة سِر

غازي دحمان
"إسرائيل تسعى إلى إعادة هندسة المنطقة، وتريد رسم معادلات جديدة، تقوم على قاعدة ما يستطيع جيشها السيطرة عليه فهي أرض لها"- سانا
"إسرائيل تسعى إلى إعادة هندسة المنطقة، وتريد رسم معادلات جديدة، تقوم على قاعدة ما يستطيع جيشها السيطرة عليه فهي أرض لها"- سانا
شارك الخبر
هل بدأت تتشكل في قرى حوض اليرموك معادلة جديدة؟ خلال أقل من أسبوع حصلت ثلاث مواجهات بين سكان قرى عابدين والعارضة ومعرية وقوات الاحتلال الإسرائيلي، وفي المواجهات الثلاث استخدم سكان القرى سلاح الجارة لرشق عناصر جيش الاحتلال، وقاموا بسد الطرقات أيضاً بالحجارة لمنع تحركات القوّة الصهيونية من التحرك من ثكنة الجزيرة باتجاه هذه القرى.

قد يكون من المبكّر الحديث عن ولادة مقاومة منظّمة، فالناس هناك منهكون تحاصرهم التحديات المعيشية والواقع الاقتصادي الصعب، وما تركته سنوات مقاومة نظام الأسد من ندوب كبيرة في جسد هذه المنطقة التي خسرت أعداد كبيرة من الشهداء، وهاجر المئات من أبناء المنطقة إلى الخارج، وستحتاج المنطقة لسنوات طويلة لترميم ما تدمّر وإصلاح ما تخرّب.

لكن يبدو أن إسرائيل التي تسعى إلى إعادة هندسة المنطقة، وتريد رسم معادلات جديدة، تقوم على قاعدة ما يستطيع جيشها السيطرة عليه فهي أرض لها، ستدفع أهالي منطقة جنوب سوريا إلى خيار المقاومة بوصفه الخيار الممكن الوحيد، فالتهجير وترك الأرض أمر غير وارد لدى هؤلاء، وإمكانية التعايش مع الوجود الإسرائيلي غير مقبول، واستمرار السكوت على الانتهاكات الإسرائيلية يعني انتظار رفع سقف توقعات إسرائيل وأطماعها إلى حدود لا يمكن تحمّلها من قبل أهالي الجنوب في سوريا.

التهجير وترك الأرض أمر غير وارد لدى هؤلاء، وإمكانية التعايش مع الوجود الإسرائيلي غير مقبول، واستمرار السكوت على الانتهاكات الإسرائيلية يعني انتظار رفع سقف توقعات إسرائيل وأطماعها إلى حدود لا يمكن تحمّلها من قبل أهالي الجنوب في سوريا

في هذا السياق، كان لافتاً ما طالبت به ما تُسمى حركة "رواد الباشان" حكومةَ نتنياهو بفتح باب الاستيطان في جنوب سوريا، الغنية بالمياه والتربة الخصبة، وحسب قول هذه الحركة فإن القنيطرة أنتجت هذا العام أكثر من ألفي طن من القمح، وأن اليهود إذا استلموا تلك المنطقة سينتجون أكثر مما ينتجه "السكان السوريون المؤيدون لحماس". والواضح أن ذكر حماس هنا مقصود بهدف التلطي خلف شعار حكومة نتنياهو من أن الإجراءات التي تقوم هذه الحكومة المتطرفة؛ وقائية بهدف منع تكرار 7 أكتوبر وإعادة إنتاج ما فعلت حماس في غزة.

يُدرك سكان المنطقة أن لا طاقة لهم بمواجهة قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تقوم باستعراض عناصر تفوقها عليهم، من دبابات مصفحة وطائرات مسيرة لا تغادر سماء المنطقة، وحوامات تقصف عن بعد، ولا يغفل ضباط جيش الاحتلال عن تذكير سكان المنطقة أن مصيرهم سيكون مثل مصير غزة وجنوب لبنان إذا قاموا بأي تحرك ضد قوات الاحتلال، ويعرفون (أهل المنطقة) أنهم لا يملكون الموارد اللازمة للتصدي لتلك القوات، سوى بنادق عادية، وحتى لو أرادوا بناء قوة لمواجهة العدو، فإنهم سيفتقرون لخطوط إمداد تمدهم بالذخيرة والغذاء، إذ من السهل قطع الطرق الواصلة من درعا عبر سهل مكشوف من قبل قوات الاحتلال التي تتحكم بالتلال والمرتفعات المشرفة على المنطقة.

لكن ذلك لم يمنعهم من اتباع نمط مواجهة يتناسب مع هذه المعطيات، ويبدو أن نمط المقاومة الذي استخدمته الإنتفاضة الفلسطينية في ثمانينيات القرن الماضي، هو الأنسب، فهذه المنطقة القريبة من فلسطين، ويشكّل الفلسطينيون أحد مكونات سكانها الأساسيين، ربما وجدوا اجتراحاً لحل معضلة موازين القوى، عبر رمي جنود الاحتلال بالحجارة، وإقامة الحواجز التي تمنع قوات الاحتلال من التقدم داخل القرى، ومحاصرة المواقع التي تتخذها قوات الاحتلال مراكز لها، والابتعاد عن استخدام السلاح لمنع منح العدو ذريعة البطش بالمنطقة بأسلحته الفتّاكة التي يستخدمها في غزة وجنوب لبنان.

لا يملك أهل الجنوب سوى خيار الصمود في الأرض، ما يعني أنهم سيكونون مضطرين لتطوير استراتيجية مواجهة مع العدو، وسيجدون الوسائل اللازمة لفعل ذلك

استراتيجية المواجهة هذه يبدو أنها بدأت تتعمّم في قرى حوض اليرموك والشريط الحدودي الذي تحتله قوات الاحتلال حتى القنيطرة، وقد جرى اختبارها في أكثر من مكان، ويبدو أن إسرائيل بدأت تُدرك مدى خطورة هذه الاستراتيجية على وجودها في جنوب سوريا، ولا سيما أن هذه الاستراتيجية تنزع من يدها ذريعة وجود مسلحين يهددون أمن مستوطناتها وجنودها، وتضطر قواتها إلى خوض معارك غير مدربة عليها، ما يعني كسر توازن القوى بأساليب بدائية وبسيطة، وإحراج إسرائيل أمام الرأي العام العالمي، بعد هزيمتها الأخلاقية والسياسية المدوية في غزة.

لكن من قال إن إسرائيل ستبتلع هذا الأمر وتخضع لمخرجاته، وتلملم قواتها المنتشرة على طول الشريط الحدودي مع سوريا وترحل؟ بالتأكيد لن تفعل ذلك، فهي تسير وفق خطة هندسة المناطق الآمنة في مناطق الجوار، وقد وضعت الموارد اللازمة لتنفيذ هذه الخطة، وبنت استعداداتها من أجل مواجهة أي طوارئ قد تعترض تنفيذ الخطة، وبالأصل هي تتعامل مع خطة المناطق العازلة كأحد مكونات استراتيجيتها للسيطرة على المنطقة وإخضاع أنظمتها السياسية لشروطها. وفي المقابل لا يملك أهل الجنوب سوى خيار الصمود في الأرض، ما يعني أنهم سيكونون مضطرين لتطوير استراتيجية مواجهة مع العدو، وسيجدون الوسائل اللازمة لفعل ذلك.

x.com/ghazidahman1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)