الحرب على إيران وثورة الجغرافيا

غازي دحمان
"أدت حرب إيران إلى إعادة رسم خطوط جديدة للتجارة ونقل الطاقة"- الأناضول
"أدت حرب إيران إلى إعادة رسم خطوط جديدة للتجارة ونقل الطاقة"- الأناضول
شارك الخبر
دخلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحرب على إيران وكأنها تدخل حفلة ألعاب نارية، رسمت منذ أول طلقة شارة النصر، ووعدت بعالم خال من إيران ونماذجها وأشباهها؛ كان ذلك في العلن، أما في السر فكان المُراد الأمريكي إضعاف أوراق المنافسين الجيوسياسيين، الصين وأوروبا وروسيا، وتقليل خياراتهم بحيث تصب في خانة الرضوخ للأمريكي.

يبدو أن النتائج جاءت معاكسة لطموحات ترامب، مثلما كانت تقديراته خاطئة إلى حد بعيد، فلا النصر تحقّق، ولا إدارة ترامب قادرة على إيجاد استراتيجية خروج من المآزق لا ينطوي على شبهة هزيمة للأمريكيين، في أكثر مفاصل التاريخ خطورة، وفي لحظة بات فيها النموذج الأمريكي مهددا بالزوال، جراء التوحش الذي يُمارس في أكثر من مكان تحت نظر وموافقة أمريكا وتشجيعها. والمثال الغزاوي لا يزال شاهدا على ذلك، والتمرد الغربي على السياسات والقيم الأمريكية يؤيد هذا التحوّل من الانبهار بالنموذج الأمريكي إلى الإحساس بالعار لدى المنتمين للحضارة الغربية من هذا التردي الفظيع الذي وصلوا له جراء سياسات لا أخلاقية.

من الواضح من مؤشرات اتجاهات السياسات العالمية، بروز أنماط جديدة من إدارة الجغرافيا والبحث عن ترتيبات جديدة تستثني أمريكا منها، أو تشكّل بداية لثورة جيوسياسية تعزل أمريكا، وتضعف موقفها وتلغي تأثيرها السابق، ثورة تقوم على أساس الاعتماد على طرق ووسائط للتجارة الدولية بعيدا عن الخطوط والمعابر التي تقع تحت هيمنة الأساطيل الأمريكية،
الواضح أن هذه المسارات ستتوسع مستقبلا وتترسخ كبدائل لمضيق هرمز الذي يبدو أنه سيتحوّل إلى عقدة دائمة ما دام الصراع بين أمريكا وإسرائيل مع إيران لا أفق لحله في المستقبل المنظور
ومن المؤكد أن يتبع ذلك إعادة تقييم لموازين القوى العالمية، وفرض تراتبية جديدة للقوى في ظل نظام مختلف تتعدد فيه مراكز القوى والتأثير.

لقد أدت حرب إيران إلى إعادة رسم خطوط جديدة للتجارة ونقل الطاقة، فقد تنبهت الكثير من دول العالم إلى خطورة الاعتماد على نقاط اختناق معينة، والبقاء تحت رحمة القوى المتنفذة، ويبدو أن المرحلة المقبلة ستعتمد مبدأ توزيع الاعتماد اللوجستي بحيث تصبح خيارات الدول أوسع وأكثر مرونة، بدل الاعتماد على منفذ واحد يمكن أن تتعرض من خلاله للابتزاز، كما يحصل الآن في مضيق هرمز، حيث وقعت التجارة الدولية ضحية صراع أمريكا وإيران دون اعتبار لمصالح الشعوب واحتياجاتها الأساسية.

إيران نفسها اتجهت تحت ضغط الحاجة إلى تفعيل إمكانياتها الجغرافية والاستفادة من مما تملكه من خطوط نقل، سواء عبر البر مع دول الجوار، أو من خلال بحر قزوين للتجارة مع روسيا، وكذلك تفعيل السكك الحديدية للتجارة مع الصين والهند. وفي دول الخليج يجري السعي إلى الاعتماد على طرق ومسارات بديلة عبر البحرين الأحمر والمتوسط وخليج عُمان، للوصول إلى آسيا وأوروبا. والواضح أن هذه المسارات ستتوسع مستقبلا وتترسخ كبدائل لمضيق هرمز الذي يبدو أنه سيتحوّل إلى عقدة دائمة ما دام الصراع بين أمريكا وإسرائيل مع إيران لا أفق لحله في المستقبل المنظور.

هذه التحولات ستنتج بالطبع خريطة مختلفة للتحالفات الإقليمية والدولية، تبعا للمصالح التي سترعاها، كما ستنتج أنماطا جديدة من التعاون جراء هذه التحولات. ويبدو أن دولا مثل الصين وتركيا والاتحاد الأوروبي ستشهد زخما قويا في علاقاتها الخارجية وتحالفاتها مع أطراف في المنطقة، وزيادة الروابط فيما بينها، وكل ذلك سيكون على حساب رصيد أمريكا على المستوى العالمي، وبالتأكيد سينعكس هذا الأمر على دور واشنطن في الاقتصاد العالمي، ولا سيما على الدولار بوصفه العملة الأولى للتجارة العالمية.

ما فعلته أمريكا بالحرب على إيران أنها أيقظت الجغرافيا من سباتها ودفعت الدول للبحث عن طرق للاستفادة من مساراتها، وبذلك تكون أمريكا قد فتحت ثقبا خطيرا في سفينة قيادتها للعالم لن يتأخر في إغراقها

وفق ذلك، يعيش العالم مرحلة "انتقام الجغرافيا" التي سبق وتنبأ بها الاستراتيجي الأمريكي روبرت كابلان، وإن كانت تنبؤاته قد اتجهت باتجاه مختلف، حيث أكد على انتصار الجغرافيا على قدرات البشر والدول وقدرتها على فرض حقائق جيوسياسية؛ منها تفكك الدول التي لا تمتلك ما يكفي من المياه الصالحة للشرب والزراعة، واضطرار أقاليمها للالتحاق بدول الجوار، وضرب مثالا على ذلك سوريا التي توقع تقاسمها بين تركيا ولبنان نتيجة نقص المياه.

لكن الجغرافي فريديريك راتزل، مؤسس الجغرافيا السياسية، يرى أن الجغرافيا عنصر قوّة مهم في بناء الدول، وما لم يقله أنها عنصر فاعل في تشكيل النظام الدولي، ولا سيما إذا تم توظيفها بشكل صحيح، وليس سرا أن الصين صاحبة مشروع "الحزام والطريق" كانت قد أدركت أهمية هذا العامل في سعيها لتصبح قوّة عالمية مهيمنة، كما أدركته روسيا والهند لاحقا، ويبدو أن التطورات العالمية تسير باتجاه تحقيق تلك المطامح.

ما فعلته أمريكا بالحرب على إيران أنها أيقظت الجغرافيا من سباتها ودفعت الدول للبحث عن طرق للاستفادة من مساراتها، وبذلك تكون أمريكا قد فتحت ثقبا خطيرا في سفينة قيادتها للعالم لن يتأخر في إغراقها، حينها سيقولون " إنها الجغرافيا.. يا غبي".

x.com/ghazidahman1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)