الخليج في الممر الضيق: حين لم تعد واشنطن ضمانة ولم تعد طهران مجرد تهديد

أحمد هلال‎
"بدا مجلس التعاون في لحظة الخطر الحقيقي أقل من أن يكون كتلة أمنية، وأكثر من أن يكون مجرد إطار دبلوماسي متوتر الأعصاب"- مجلس التعاون
"بدا مجلس التعاون في لحظة الخطر الحقيقي أقل من أن يكون كتلة أمنية، وأكثر من أن يكون مجرد إطار دبلوماسي متوتر الأعصاب"- مجلس التعاون
شارك الخبر
يتضح من مسارات المواجهة بين أمريكا وإيران أنها ليست مواجهة حسم لأحد طرفيها، بل محاولة رسم مناطق النفوذ وبقاء الفواعل ويسعى كل طرف الى تحقيق توازن يصحبه مكاسب كبرى ومساحات نفوذ أوسع.

ليست المشكلة في الخليج اليوم أن الحرب اندلعت بين الولايات المتحدة وإيران، فهذه المنطقة اعتادت منذ أربعة عقود أن تكون المسرح الأكثر قابلية للاشتعال كلما ارتفع منسوب التوتر بين الطرفين؛ المشكلة الأعمق أن الحرب الأخيرة لم تكشف فقط حدود القوة الإيرانية ولا حدود القوة الأمريكية، بل كشفت بصورة أكثر قسوة حدود الخليج نفسه: حدود قدرته على حماية ثروته، وحدود استقلاله السياسي، وحدود الوهم الذي عاش عليه طويلا بأن شراء الأمن يساوي امتلاك الأمن.

لقد بدا المشهد منذ الساعات الأولى لإغلاق مضيق هرمز كأنه امتحان فجائي لبنية النظام الخليجي برمته. فمن جهة، أثبتت إيران أن الجغرافيا ما تزال سلاحها الأكثر فتكا، وأنها لا تحتاج إلى تفوق بحري كلاسيكي حتى تزرع الخوف في شرايين الاقتصاد العالمي، بل يكفيها أن تحول المضيق إلى منطقة شك دائم: شك في المرور، وشك في التأمين، وشك في مواعيد التسليم، وشك في قدرة القوى الكبرى على فرض الانسياب الطبيعي للطاقة. ومن جهة أخرى، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة لا تخطئها العين: حضور عسكري كثيف، وقواعد منتشرة، وأساطيل جاهزة، ولكن من دون قدرة على إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل لحظة التعطيل؛ أي من دون قدرة على فرض ذلك المعنى القديم للردع الذي تربى عليه الوعي الخليجي منذ حرب الناقلات في الثمانينات.

هذا التآكل في صورة الضامن الأمريكي لا يعني تلقائيا أن البديل الإيراني أصبح قابلا للتبني أو حتى للتجريب، فالمعضلة الخليجية ليست أنها لم تعد تثق بواشنطن فقط، بل أنها تعرف في الوقت ذاته أن طهران لا تعرض شراكة أمنية

هنا بالذات انكسر أحد أكثر المسلّمات رسوخا في العقل السياسي الخليجي: أن المظلة الأمريكية، مهما شابها من تردد، تظل في اللحظة الحاسمة قادرة على إغلاق باب الفوضى. ما جرى أثبت أن هذه المظلة لا تمنع بالضرورة سقوط الشظايا، بل قد تكتفي بتنظيم سقوطها وتقليل حجمها.

والفرق بين المعنيين هائل، فالدول التي أنفقت لعقود مئات المليارات على أنظمة الدفاع والارتباطات الأمنية مع واشنطن لم تكن تبحث عن إدارة الخسارة، بل عن استحالة الخسارة نفسها. لكن الحرب كشفت أن واشنطن لم تعد ذلك الحارس القادر على فرض اليقين، وإنما أصبحت قوة تدير الأزمة ضمن حدود كلفة مقبولة لها هي، لا ضمن حدود الطمأنينة الكاملة لحلفائها.

غير أن هذا التآكل في صورة الضامن الأمريكي لا يعني تلقائيا أن البديل الإيراني أصبح قابلا للتبني أو حتى للتجريب، فالمعضلة الخليجية ليست أنها لم تعد تثق بواشنطن فقط، بل أنها تعرف في الوقت ذاته أن طهران لا تعرض شراكة أمنية بقدر ما تعرض اعترافا ضمنيا بحقها في أن تكون جزءا من تعريف الأمن ذاته.

إيران لا تتحدث بلغة دعونا نبني الخليج معا، وإنما بلغة أكثر خشونة: لن يكون هناك أمن في الخليج من دون موافقتي. والفارق بين العبارتين هو الفارق بين التعاون والوصاية. وهذا ما يجعل العواصم الخليجية عالقة في لحظة تردد تاريخية لا تشبه الحياد بقدر ما تشبه العجز عن الانحياز الكامل. فهي لا تستطيع الذهاب بعيدا مع الولايات المتحدة كما كانت تفعل سابقا؛ لأن كلفة التحول إلى منصات متقدمة في حرب مفتوحة مع إيران باتت أكبر من أن تُحتمل سياسيا واقتصاديا ومجتمعيا.

وهي لا تستطيع في المقابل أن تذهب بعيدا في التفاهم مع إيران؛ لأن ذلك يعني القبول بإعادة صياغة توازن المنطقة على قاعدة الاعتراف بامتياز جيوسياسي لطهران فوق مياه الخليج وممراته وملفاته الأمنية.

وبين هذين الحدين تتحرك الدبلوماسية الخليجية بحذر شديد: خطاب تهدئة، واتصالات خلفية، ورسائل مزدوجة، ومساعٍ مستمرة لشراء الوقت، كأن الزمن وحده قادر على إنتاج مخرج من معادلة لا يملك أحد شجاعة حسمها.

لكن الزمن في السياسة لا يحل المعضلات التي تكون جذورها بنيوية. والحقيقة البنيوية التي فرضتها هذه الحرب أن الخليج اكتشف فجأة أنه يملك المال والسلاح والعلاقات، لكنه لا يملك ذاتا دفاعية مستقلة. كل ما راكمه خلال العقود الماضية كان قوة مشتراة لا قوة متولدة من الداخل؛ منظومات مرتبطة بمفاتيح تشغيل أمريكية، وعقائد عسكرية مصممة وفق تصورات أجنبية، ومجالس تنسيق أكثر منها مؤسسات سيادة مشتركة.

ولذلك بدا مجلس التعاون في لحظة الخطر الحقيقي أقل من أن يكون كتلة أمنية، وأكثر من أن يكون مجرد إطار دبلوماسي متوتر الأعصاب، ناهيك عن حالة التفكك المرتقبة والتي يرقبها مجلس التعاون الخليجي بخروج الإمارات من منظمة أوبك واختيارها مسارات منفردة ومتباعدة.

دول الخليج دفعت طوال سنوات أثمانا باهظة كي تتجنب هذا اليوم تحديدا، ثم وجدت نفسها فيه من دون إجابة واضحة. فالتبعية لواشنطن لم تعد تنتج الطمأنينة القديمة، والتفاهم مع طهران لا ينتج إلا طمأنينة مشروطة بقبول النفوذ الإيراني، أما التعويل على الحياد فلم يعد ممكنا

ولعل المفارقة الأقسى أن دول الخليج دفعت طوال سنوات أثمانا باهظة كي تتجنب هذا اليوم تحديدا، ثم وجدت نفسها فيه من دون إجابة واضحة. فالتبعية لواشنطن لم تعد تنتج الطمأنينة القديمة، والتفاهم مع طهران لا ينتج إلا طمأنينة مشروطة بقبول النفوذ الإيراني، أما التعويل على الحياد فلم يعد ممكنا لأن جغرافيا الطاقة لا تسمح لأحد بالبقاء خارج مرمى النار.

لقد انتهت المرحلة التي كان يمكن فيها للخليج أن يناور بين الخصمين؛ الصراع الآن يمر من قلب اقتصاده وموانئه ومنشآته وثقته المالية، لا من هامشه السياسي فقط.

وهنا يتبدى المأزق بأوضح صوره: الخليج ليس أمام خصمين يتنازعان فوقه فحسب، بل أمام حقيقتين متزامنتين؛ الأولى أن واشنطن لم تعد قادرة أو راغبة في خوض الحروب اللامحدودة من أجل طمأنة الحلفاء كما في السابق، والثانية أن طهران نجحت في تحويل الجغرافيا إلى ورقة مساومة دائمة تجعل مجرد تجاهلها مستحيلا.

وبين الحقيقة الأولى والثانية يقف الخليج في ممر ضيق: لا يستطيع العودة إلى يقين الحماية الأمريكية القديمة، ولا يستطيع التسليم بحق إيران في أن تكون الممر الإجباري لأمنه.

إن أخطر ما في اللحظة الراهنة ليس حجم الصواريخ ولا عدد السفن المعطلة، بل انكشاف الفراغ الكامن بين الاعتماد على الخارج وعدم امتلاك الداخل. ذلك الفراغ هو الذي يصنع التردد، وهو الذي يفسر لماذا تبدو المواقف الخليجية مترددة أكثر من كونها متناقضة. فالدول حين تعرف ماذا تريد قد تختلف في الوسائل، أما حين لا تجد أمامها خيارا كاملا قابلا للحياة فإنها تكتفي بإدارة القلق. وهذا بالضبط ما يفعله الخليج الآن: إدارة القلق لا إدارة المصير.

ولذلك، فإن المواجهة الأمريكية الإيرانية مهما انتهت إلى هدنة أو تسوية أو جولة تصعيد جديدة، تكون قد تركت أثرا أبعد من نتائجها العسكرية المباشرة. لقد نزعت الغطاء عن سؤال ظل مؤجلا لعقود: ماذا يحدث حين تكتشف الدول أن الحماية التي اشترتها لا تكفي، وأن الجار الذي خافته لا يمكن شطبه، وأن الثروة وحدها لا تنتج سيادة؟ عند هذه النقطة لا يعود الصراع مجرد صراع بين واشنطن وطهران، بل يصبح صراع الخليج مع عجزه التاريخي عن إنتاج معادلته الخاصة.

وفي هذا العجز تكمن المأساة الحقيقية: أن المنطقة الأغنى بالطاقة والأكثر إنفاقا على التسليح ما تزال، عند أول اختبار وجودي واسع، تتحرك كأنها تنتظر من الآخرين أن يقرروا حجم الخطر وحدود النجاة. هنا فقط يتضح أن المشكلة لم تكن يوما في نقص الحلفاء، بل في غياب القدرة على أن تكون هذه الجغرافيا حليف نفسها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل