في الساحة
السياسية؛ زادت مساحة
الخطابات السياسية التي تكتسي بالسطحية والسذاجة وربما
الغباء أحيانا، وأصبحت ظاهرة عالمية كسرت قواعد البروتوكولات على المستوى الإعلامي
والسياسي والدبلوماسي.
وكلما
ضاقت مساحة الحرية والعدالة الاجتماعية والهوياتية كلما تدنت مستويات الحوارات
والتصريحات، وأصبحت غطاء كثيفا لتمرير حالة الخضوع والاستسلام أو ارتكاب جرائم
إنسانية، أو تكريس حكم الأنظمة الشمولية الاستبدادية.
في زمن
الأزمات الدولية، لا تُخاض الحروب بالصواريخ والطائرات فقط، بل بالكلمات أيضا. فقبل
أن تنطلق الرصاصة الأولى، يكون الخطاب السياسي والإعلامي قد بدأ بالفعل معركته
الخاصة: معركة تشكيل الوعي، وصناعة الرواية، وتحديد من هو المنتصر ومن هو المهزوم
في عيون
الجمهور.
لقد شهد
العالم في السنوات الأخيرة تحوّلا ملحوظا في طبيعة الخطاب السياسي والإعلامي، سواء
في الغرب أو في الشرق الأوسط. هذا التحول لا يقتصر على لغة أكثر حدّة أو تصريحات
أكثر إثارة، بل يعكس تغيرا أعمق في طريقة إدارة السياسة الخارجية، وفي العلاقة بين
السلطة والإعلام والجمهور.
الإعلام المعاصر لم يعد يعمل في بيئة هادئة كما كان في العقود الماضية، بل في فضاء شديد التنافس تحكمه سرعة الخبر ودرامية الحدث
في
الولايات المتحدة، مثلا، تجسّدت ظاهرة دونالد ترامب نموذجا جديدا وصارخا في الخطاب
السياسي. فقد كسر كثيرا من الأعراف الدبلوماسية التقليدية التي حكمت السياسة
الخارجية الأمريكية لعقود، واستبدل اللغة الدبلوماسية الحذرة بخطاب مباشر ساخر وصدامي.
هذا
الأسلوب لم يكن مجرد مسألة شخصية أو أسلوب فردي، بل كان جزءا من موجة أوسع من
الشعبوية السياسية التي اجتاحت العديد من الدول.
في هذا
السياق، لم يعد الخطاب السياسي موجّها أساسا إلى الدبلوماسيين أو النخب السياسية،
بل إلى الجمهور الواسع عبر وسائل التواصل مثل منصة إكس وفيسبوك. هذه المنصات تكافئ
الرسائل القصيرة، والعبارات الحادة، والتصريحات المثيرة. ومن هنا تتم صناعة
التفاهة مع تكريس الاستبداد وتسطيح التفكير العميق والنقدي، أما التحليل المعقّد
أو الخطاب المتوازن فغالبا ما يضيع في زحام المعلومات المتدفق.
لكن هذه
الظاهرة لا تقتصر على الولايات المتحدة، ففي الشرق الأوسط، شهد الخطاب الإعلامي
أيضا تحولات عميقة، خصوصا بعد أحداث 2011. في مصر مثلا، أصبح النقاش حول الخطاب
الإعلامي في عهد عبد الفتاح السيسي يثير جدلا أوسع حول دور الإعلام بين التعبئة
السياسية والتحليل الموضوعي، حيث إن الخطاب الإعلامي في مجمله يميل أحيانا إلى
التبسيط المفرط أو الشعارات، بينما يرى مؤيدون أنه خطاب مباشر يخاطب الجمهور بلغة
قريبة من الناس لتثبيت رواية واحدة يقصدها النظام في مصر.
في
الواقع، كلا الاتجاهين يعكس جانبا من الحقيقة؛ فالإعلام المعاصر لم يعد يعمل في
بيئة هادئة كما كان في العقود الماضية، بل في فضاء شديد التنافس تحكمه سرعة الخبر
ودرامية الحدث.
في مثل
هذا المناخ، يصبح الجدل أكثر جذبا للجمهور من التحليل، وتصبح العناوين الصادمة
أكثر انتشارا من الدراسات المتأنية، ويصبح الترند أكثر انتشارا وتأثيرا من رأي
الخبير الحقيقي أو التفكير المنطقي. وكلما زاد عدد المتابعين كلما كان اختبار
الحقيقة أمام تحدي الأغلبية التي تتجمع حول الإثارة والكذب الذي يتبناه خوارزميات
الإعلام الرقمي.
وتظهر هذه
الظاهرة بوضوح خلال الحروب والأزمات الدولية، ففي كل صراع تقريبا، وعلى صعيد التوترات
حول مضيق هرمز إلى المواجهات الجيوسياسية الكبرى، تتنافس الروايات الإعلامية بقدر
ما تتنافس الجيوش. كل طرف يسعى إلى إقناع جمهوره بأنه يحقق الانتصار، أو على الأقل
أنه ليس الطرف الخاسر.
ورغم
المعلوماتية المفرطة والسائلة يصبح ميدان
الحرب من المجاهيل التي لا يجدي معها
التخمين أو التأويل أو التحليل. ومع تطور هذه الظاهرة، دخلت السياسة مرحلة جديدة
يمكن وصفها بـ"سياسة الميمز". فالتعليق الساخر أو الجملة الاستفزازية قد
ينتشر في دقائق ليصل إلى ملايين الأشخاص، بينما تحتاج المقالات التحليلية أو الدراسات
الجادة إلى وقت أطول كي تجد جمهورها.
لكن هذا
الأسلوب يحمل مخاطر كبيرة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالحروب والأزمات الدولية. ففي
سياق التوترات الأخيرة المرتبطة بالمواجهة مع إيران، ظهرت تصريحات وتصرفات إعلامية
من مسؤولين أمريكيين عكست أحيانا ارتباكا في الخطاب السياسي.
حين يصبح الخطاب السياسي قائما على الشعارات السريعة والانفعالات اللحظية، تتراجع المساحات المخصصة للنقاش العقلاني، ويتحول المجال العام إلى ساحة استقطاب حاد، حيث ينقسم الجمهور بين روايات متعارضة، كل منها يرى العالم من زاوية مختلفة
فقد صدرت
تصريحات متناقضة بين التهديد بالتصعيد العسكري والدعوة إلى التفاوض، وهو ما جعل
بعض المراقبين يشيرون إلى أن الخطاب السياسي بدا أحيانا أقرب إلى ردود فعل إعلامية
منه إلى استراتيجية واضحة المعالم. هنا يظهر ما يسميه الباحثون "حرب
المعلومات"، فالتصريحات العسكرية، والبيانات الرسمية، وحتى مقاطع الفيديو
المتداولة على الإنترنت، تصبح جزءا من معركة رمزية موازية للمعركة العسكرية.
وغالبا ما
تتداخل الحقيقة مع الدعاية، ويصبح التحقق من الأخبار عملية بطيئة مقارنة بسرعة
انتشارها. لكن الأثر الأعمق لهذه التحولات لا يتعلق فقط بالحروب، بل بطبيعة
السياسة نفسها. فحين يصبح الخطاب السياسي قائما على الشعارات السريعة والانفعالات
اللحظية، تتراجع المساحات المخصصة للنقاش العقلاني، ويتحول المجال العام إلى ساحة
استقطاب حاد، حيث ينقسم الجمهور بين روايات متعارضة، كل منها يرى العالم من زاوية
مختلفة.
ولعل
المفارقة أن السخرية السياسية أصبحت بدورها أحد أهم أشكال النقاش العام في هذا
العصر. فالميمات والبرامج الساخرة تنتشر أحيانا أسرع من البيانات الرسمية، وتصل
إلى جمهور أوسع. هذه الظاهرة تعكس في جانب منها فقدان الثقة في الخطاب السياسي
التقليدي، وفي جانب آخر رغبة الجمهور في فهم الأحداث عبر لغة أخف وأكثر مباشرة.
السياسة
في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُدار فقط في غرف الاجتماعات أو قاعات
الدبلوماسية، بل أيضا على شاشات الهواتف. وبينما تستمر الصراعات الجيوسياسية في
رسم خريطة العالم، تستمر المعركة الإعلامية في رسم خريطة الوعي.
ولهذا فإن
السؤال لم يعد فقط من يربح الحرب على الأرض، بل أيضا من يربح الحرب على الرواية. ففي
عالم تتحرك فيه المعلومات بسرعة الضوء، قد تكون الكلمة أحيانا أقوى من الصاروخ،
وقد يكون الخطاب الإعلامي هو الساحة التي تُحسم فيها معارك كثيرة قبل أن تبدأ.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.