لم تعد الحروب
الحديثة تُحسم فقط في ساحات القتال، ولا عبر التفوّق العسكري المباشر، بل أصبحت
تُدار بشكل متزايد في الفضاءات غير المرئية، حيث تلعب الولايات المتحدة دورا
محوريّا في صياغة معادلات الصراع عبر أدوات الإعلام والحرب النفسية. فبينما تتّجه
الأنظار إلى تحركات الجيوش والأساطيل، تجري معركة أخرى أكثر عمقا وتأثيرا: معركة
التأثير في الإدراك وتشكيل الوعي الجمعي.
تعتمد
الاستراتيجية الأمريكية في إدارة الصراعات على مزيج معقّد من القوة الصلبة
والناعمة، حيث لا يُنظر إلى الإعلام بوصفه مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل باعتباره
أداة استراتيجية لإعادة تشكيل الواقع نفسه. فمن خلال شبكات إعلامية دولية، ومنصات
رقمية عابرة للحدود، يتم توجيه السرديات الكبرى بما يخدم الأهداف السياسية
والعسكرية، سواء عبر تضخيم أحداث معينة أو تقزيم أخرى، أو إعادة تأطيرها ضمن
سياقات محددة تعيد تعريف من هو "الضحية" ومن هو "المعتدي".
ولا يقتصر هذا
الدور على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل يمتدّ إلى الفضاء الرقمي، حيث تلعب
الخوارزميات دورا خفيّا في ترتيب الأولويات وتوجيه الانتباه. فاختيار ما يُعرض
أوّلا، وما يُحجب أو يُهمّش، أصبح جزءا من معركة التأثير، وهو ما يمنح الفاعلين
الكبار قدرة غير مسبوقة على تشكيل الرأي العام العالمي، خاصة في لحظات الأزمات كما
الشأن في
الحرب المتواصلة بين
إيران من جهة وإسرائيل وأمريكا من جهة أخرى.
في هذا السياق،
تصبح الحرب النفسية عنصرا حاسما في إضعاف الخصوم قبل المواجهة المباشرة. إذ
تُستخدم المعلومات، أو حتى "أنصاف الحقائق"، لإرباك الخصم، وبث الشك
داخل مجتمعاته، وإضعاف ثقته بمؤسساته. وقد تتّخذ هذه الحرب أشكالا متعدّدة، من
تسريبات إعلامية محسوبة، إلى حملات تضليل منظمة، وصولا إلى استعراضات عسكرية تهدف
بالأساس إلى التأثير النفسي أكثر من تحقيق مكاسب ميدانية مباشرة.
ولا يقتصر هذا
التأثير على الخصوم فقط، بل يمتدّ أيضا إلى الحلفاء، حيث تُدار التوقعات وتُضبط
المواقف بما يضمن بقاء التحالفات ضمن الإطار الذي تريده واشنطن. فإدارة التحالفات
في زمن الأزمات لا تقوم فقط على التنسيق العسكري، بل على توحيد السردية وتوجيه
الخطاب السياسي والإعلامي بشكل يحدّ من التباينات ويمنع تشكّل مواقف مستقلة قد
تربك الاستراتيجية العامة.
الإفراط في استخدام الإعلام كأداة توجيه قد يؤدي إلى تآكل المصداقية على المدى الطويل، خاصة في ظل تعدّد مصادر المعلومات وصعود الإعلام البديل. كما أن توظيف الحرب النفسية بشكل مكثف قد يرتدّ بنتائج عكسية، حين يتحوّل إلى عامل تعبئة مضادة لدى الخصوم بدل إضعافهم
أما على المستوى
الاقتصادي، فإنّ ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد الحرب" يمثّل بعدا آخر لا يقلّ
أهمية. فالولايات المتحدة لا تدير الحروب فقط، بل تدير أيضا تداعياتها الاقتصادية
على المستوى العالمي. من خلال العقوبات، والتحكّم في سلاسل الإمداد، والتأثير في
أسواق الطاقة، يتمّ إعادة توزيع موازين القوة الاقتصادية بما يتماشى مع المصالح
الاستراتيجية الأمريكية. كما تتيح هذه الأزمات فرصا لإعادة تموضع الشركات الكبرى،
وفتح أسواق جديدة، وتعزيز دور الصناعات العسكرية والتكنولوجية.
وفي هذا الإطار،
لا تكون الحرب مجرّد صراع عسكري، بل أداة لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي،
حيث تُستخدم الأزمات كوسيلة لإعادة ترتيب الأولويات، وفرض وقائع جديدة يصعب
التراجع عنها لاحقا. وهنا تتداخل الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد بشكل يجعل من
الصعب الفصل بين منطق الحرب ومنطق السوق.
غير أن هذه
المقاربة، رغم فعاليتها، ليست بلا كلفة. فالإفراط في استخدام الإعلام كأداة توجيه
قد يؤدي إلى تآكل المصداقية على المدى الطويل، خاصة في ظل تعدّد مصادر المعلومات
وصعود الإعلام البديل. كما أن توظيف الحرب النفسية بشكل مكثف قد يرتدّ بنتائج
عكسية، حين يتحوّل إلى عامل تعبئة مضادة لدى الخصوم بدل إضعافهم.
في المقابل، يفرض
هذا الواقع تحديات عميقة على الدول والمجتمعات، التي لم تعد قادرة على الاكتفاء
بمتابعة ما يجري، بل أصبحت مطالبة بفهم آليات التأثير الخفي التي تُدار بها
الصراعات. فالمعركة اليوم ليست فقط حول من يمتلك القوة، بل حول من يمتلك القدرة
على توجيه الإدراك وتحديد ما يُعتبر "حقيقة"، في عالم تتداخل فيه
الوقائع مع السرديات.
في النهاية، يمكن
القول إنّ الدور الأمريكي في الصراعات المعاصرة يتجاوز بكثير الصورة التقليدية
للقوة العسكرية، ليتحوّل إلى إدارة شاملة لمجالات التأثير: من الإعلام، إلى
الاقتصاد، إلى الفضاء النفسي. وفي عالم تتزايد فيه أهمية "الحرب غير المرئية"،
تصبح السيطرة على العقول أحيانا أكثر أهمية من السيطرة على الأرض، بل وقد تكون شرطا
مسبقا لها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.