فرصة روسيا والصين: كيف تتحوّل حربُ أمريكا على إيران إلى استنزافٍ طويل؟

محمود الحنفي
"السؤال لم يعد من يملك القوة الأكبر، بل من يستطيع تحمّل الزمن الأطول"- الأناضول
"السؤال لم يعد من يملك القوة الأكبر، بل من يستطيع تحمّل الزمن الأطول"- الأناضول
شارك الخبر
كما وجدت روسيا نفسها عالقة في حرب أوكرانيا بلا حسم سريع، وبكلفة عسكرية واقتصادية وسياسية ممتدة، قد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام مأزق مشابه في حال توسّع الانخراط في مواجهة طويلة مع إيران. المشكلة ليست في معركة واحدة، بل في تراكم الجبهات.

في أوكرانيا، توقعت موسكو عملية خاطفة، فإذا بها تدخل حرب استنزاف طويلة أنهكت اقتصادها، واستنزفت قدراتها، وأدخلت أوروبا في دوامة تضخم وأزمات طاقة واضطراب سياسي. هنا قد تنقلب الصورة: واشنطن التي دعمت حرب الاستنزاف ضد روسيا قد تواجه بدورها نموذجا مشابها، لكن في بيئة أكثر تعقيدا.

الشرق الأوسط ليس جبهة تقليدية يمكن ضبطها بسهولة، وأي مواجهة مع إيران لا تبقى محصورة في حدودها الجغرافية، بل تمتد تلقائيا إلى لبنان، وتضغط على الخليج، وتهدد الممرات البحرية الحيوية. هنا تتحول الحرب من اشتباك عسكري إلى أزمات معقدة ومترابطة: أمنية، واقتصادية، وطاقوية، وسياسية.

في إطار المنافسة بين القوى الكبرى، قد تتحول هذه اللحظة إلى فرصة سياسية-استراتيجية لموسكو وبكين، وهنا يظهر البعد الأخطر: التدخل الروسي-الصيني لا يحتاج إلى جيوش على الأرض، ولا إلى إعلان تحالف عسكري مباشر

الاستنزاف في هذه الحالة لا يأتي عبر حرب شاملة، بل عبر تصعيد طويل الأمد؛ ضربات محدودة، وردود محسوبة، وانتشار دائم، وجاهزية مستمرة، وتوتر لا ينتهي. لا يوجد انتصار حاسم، ولا انهيار كامل، بل حرب تُستهلك فيها الموارد شهرا بعد شهر.

وإذا أضفنا إلى ذلك أن وتيرة الدعم الأمريكي لأوكرانيا لم تعد كما كانت في السنوات الأولى، مع غياب حزم كبيرة جديدة واستمرار صرف أجزاء من تمويلات سابقة، يصبح السؤال أكثر حساسية: هل تستطيع واشنطن إدارة جبهتين مفتوحتين من دون أن يتآكل تركيزها الاستراتيجي؟ لقد عجزت روسيا عن الحسم في أوكرانيا رغم التفوق العسكري الإقليمي، واستُنزفت أوروبا اقتصاديا تحت ضغط الطاقة والتضخم، فماذا لو تكرر نمط الاستنزاف في الخليج، حيث يكفي تهديد المضائق والممرات البحرية الحيوية لرفع أسعار النفط سريعا، والضغط على الأسواق، وتحويل الصراع الخارجي إلى عبء داخلي على الحكومات؟

فرصة الصين وروسيا الذهبية:

وفي إطار المنافسة بين القوى الكبرى، قد تتحول هذه اللحظة إلى فرصة سياسية-استراتيجية لموسكو وبكين، وهنا يظهر البعد الأخطر: التدخل الروسي-الصيني لا يحتاج إلى جيوش على الأرض، ولا إلى إعلان تحالف عسكري مباشر، يكفي أن يبقى مستوى التوتر قائما، وأن تُدار الأزمة بحيث لا تنفجر بالكامل ولا تنطفئ بالكامل. هذا ما يمكن تسميته بـالتدخل الناعم: إدارة الحرب من خلف الستار، عبر أدوات غير عسكرية مباشرة.

التدخل الناعم قد يتخذ أشكالا متعددة:

أولا، الدعم السياسي والدبلوماسي: استخدام المنابر الدولية لتقويض أي إجماع غربي ضد إيران، وتعطيل قرارات ضاغطة، أو الدفع نحو صيغ تفاوضية تُكسب طهران وقتا ومساحة مناورة. في عالم تعددية الأقطاب، يكفي كسر العزلة السياسية لإطالة عمر الصراع.

ثانيا، الدعم الاقتصادي والمالي: توسيع قنوات التجارة، والالتفاف على بعض أنظمة العقوبات، وتوفير أسواق بديلة للطاقة أو التكنولوجيا، أو إتاحة أدوات مالية تخفف أثر الضغط الغربي. ليس الهدف إنقاذ الاقتصاد الإيراني بالكامل، بل منع انهياره السريع الذي قد يفرض حسما عسكريا أو سياسيا.

ثالثا، التعاون التقني والعسكري غير المباشر: تبادل خبرات، ونقل تكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، ودعم في مجالات الدفاع الجوي أو الحرب السيبرانية أو الطائرات المسيّرة، وكذلك خدمات الأقمار الاصطناعية بما يشمل الاتصالات، وتبادل البيانات، والاستشعار عن بُعد، والملاحة وتحديد المواقع، ورصد التحركات البحرية والجوية. هذا النوع من الدعم قد يتم عبر قنوات مدنية أو تجارية أو عبر أطراف وسيطة، ولا يُعلن عادة بصورة صريحة، لكنه يرفع كلفة أي مواجهة أمريكية محتملة، ويجعل الحسم أكثر تعقيدا لأن صورة الميدان تصبح أوضح، وسرعة القرار أعلى، وقدرة الأطراف على الصمود والتكيّف أكبر.

رابعا، الاستثمار في السردية الدولية عبر الإعلام والشبكات الرقمية: يمكن تشكيل خطاب يحمّل واشنطن مسؤولية التصعيد، ويُضعف تماسك الرأي العام الغربي تجاه الانخراط العسكري الطويل. في الحروب الحديثة، المعركة ليست فقط على الأرض، بل على الوعي أيضا.

خامسا، استثمار الانشغال الأمريكي في ساحات أخرى: كلما تعمّق انخراط واشنطن في الشرق الأوسط، ازدادت قدرة موسكو على تثبيت مواقعها في أوكرانيا، وازدادت قدرة بكين على توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا، من دون مواجهة مباشرة.

الاستنزاف لا يعني هزيمة عسكرية مباشرة؛ روسيا لم تهزم في أوكرانيا، لكنها عجزت عن الحسم السريع، ودخلت في دوامة طويلة مكلفة. والسيناريو ذاته قد يتكرر بصورة معكوسة: الولايات المتحدة لا تُهزم، لكنها تُربك، وتُشتّت، وتُستنزف في نزاع بلا نهاية واضحة

بهذا المعنى، التدخل الناعم لا يسعى إلى الانتصار العسكري، بل إلى الاستفادة من الحرب. فكل يوم إضافي من الحرب هو كلفة إضافية على واشنطن، وكل شهر إضافي من الانتشار والجاهزية هو استهلاك للموارد والانتباه. وهكذا يتحول الصراع من معركة تُربح أو تُخسر، إلى بيئة استنزاف طويلة تُدار بدم بارد.

الخطورة هنا أن هذا النمط من التدخل يصعب الرد عليه، فهو لا يمنح ذريعة لحرب كبرى، ولا يترك أثرا مباشرا يمكن استهدافه، لكنه يغيّر موازين القوى تدريجيا، ويجعل الخصم يعمل دائما في وضع الدفاع والاحتواء لا في وضع الحسم.

الاستنزاف لا يعني هزيمة عسكرية مباشرة؛ روسيا لم تهزم في أوكرانيا، لكنها عجزت عن الحسم السريع، ودخلت في دوامة طويلة مكلفة. والسيناريو ذاته قد يتكرر بصورة معكوسة: الولايات المتحدة لا تُهزم، لكنها تُربك، وتُشتّت، وتُستنزف في نزاع بلا نهاية واضحة.

السؤال لم يعد من يملك القوة الأكبر، بل من يستطيع تحمّل الزمن الأطول، فالحروب الحديثة لا تُحسم دائما بالضربة القاضية، بل بالتآكل البطيء في الإرادة والاقتصاد والقدرة على إدارة أكثر من أزمة في آن واحد.

إذا انزلقت واشنطن إلى مواجهة مفتوحة مع إيران، فقد تجد نفسها في المأزق ذاته الذي واجهته موسكو: حرب لا تُخسر بالكامل، لكنها لا تُربح أيضا، واستنزاف يتجاوز ساحة المعركة ليطال الداخل والحلفاء والاقتصاد العالمي.
التعليقات (0)

خبر عاجل