مساعي تقييد الفيتو وأزمة النظام الدولي: هل يقترب العالم من نسق دولي جديد؟

محمود الحنفي
"النظام الدولي القائم يواجه أزمة عميقة في الشرعية والفعالية، خاصة مع تصاعد عجز مجلس الأمن عن التعامل مع الحروب والفظائع الجماعية"- جيتي
"النظام الدولي القائم يواجه أزمة عميقة في الشرعية والفعالية، خاصة مع تصاعد عجز مجلس الأمن عن التعامل مع الحروب والفظائع الجماعية"- جيتي
شارك الخبر
في ظل تصاعد الأزمات الدولية وتزايد مظاهر الشلل داخل مجلس الأمن، برزت خلال السنوات الأخيرة دعوات متنامية لإعادة النظر في آليات استخدام حق النقض (الفيتو)، ولا سيما في القضايا المرتبطة بالفظائع الجماعية والجرائم الدولية الجسيمة. وقد تعزز هذا النقاش مع تكرار عجز المجلس عن اتخاذ تدابير فعالة لوقف النزاعات المسلحة أو حماية المدنيين في عدد من الأزمات الدولية المعاصرة، الأمر الذي أعاد طرح التساؤلات حول مدى انسجام بنية النظام الدولي الحالي مع المبادئ التي أنشئت الأمم المتحدة من أجلها.

وفي هذا السياق، تأسست المبادرة الفرنسية- المكسيكية المشتركة عام 2015 بصفتها "إعلانا سياسيا طوعيا" يدعو الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن إلى الامتناع عن استخدام حق النقض في الحالات التي تتعلق بمنع أو وقف الفظائع الجماعية، بما في ذلك جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب واسعة النطاق. وقد اكتسبت المبادرة زخما متزايدا مع اتساع دائرة الدول المؤيدة لها، خاصة بعد انضمام إحدى عشرة دولة Hفريقية جديدة خلال قمة "أفريقيا للأمام" التي عُقدت في نيروبي يومي 11 و12 أيار/مايو 2026، ليرتفع عدد الدول الداعمة إلى 118 دولة.

ويعكس هذا التوسع تنامي حالة الإحباط داخل دول الجنوب العالمي من تحوّل مجلس الأمن، في كثير من الأحيان، إلى ساحة تخضع لحسابات التوازنات الجيوسياسية ومصالح القوى الكبرى، على حساب مقتضيات الحماية الإنسانية والالتزامات القانونية والأخلاقية المترتبة على المجتمع الدولي في مواجهة الجرائم المروعة والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي.

أولا: فلسفة المبادرة الإنسانية.. ولماذا فرنسا شريكة فيها؟
تنامي حالة الإحباط داخل دول الجنوب العالمي من تحوّل مجلس الأمن، في كثير من الأحيان، إلى ساحة تخضع لحسابات التوازنات الجيوسياسية ومصالح القوى الكبرى، على حساب مقتضيات الحماية الإنسانية والالتزامات القانونية والأخلاقية المترتبة على المجتمع الدولي في مواجهة الجرائم المروعة والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي

تستند المبادرة إلى فلسفة إعادة الاعتبار للمادة 24 (1) من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تنص على أن أعضاء الجمعية العامة يعهدون إلى مجلس الأمن بـ"التبعات الرئيسية في أمر حفظ السلم والأمن الدولي، ويوافقون على أن هذا المجلس يعمل نائبا عنهم في قيامه بواجباته التي تفرضها عليه هذه التبعات". بالتالي، فإن الفيتو في حالات الفظائع الجماعية يمثل خيانة لهذه "النيابة القانونية والأخلاقية".

أما عن الدوافع الأساسية لفرنسا في قيادة هذه المبادرة، فيمكن تفسيرها بما يلي:

من خلال مزيج من الاعتبارات القانونية والسياسية والاستراتيجية، إذ تسعى باريس إلى تقديم نفسها كقوة دولية توفيقية تدافع عن إصلاح أكثر أخلاقية لعمل مجلس الأمن، في ظل تنامي الانتقادات الموجهة لامتيازات الدول دائمة العضوية. كما ترتبط المبادرة بعقيدة المسؤولية عن الحماية التي تتبناها الدبلوماسية الفرنسية منذ سنوات، والقائمة على ضرورة عدم عجز المجتمع الدولي أمام الفظائع الجماعية. وفي الوقت نفسه، تستفيد فرنسا سياسيا من المبادرة، كونها لم تستخدم حق النقض منذ عام 1989، ما يجعل تبنيها لتقييد الفيتو خطوة منخفضة الكلفة عمليا، لكنها تمنحها مكاسب معنوية ودبلوماسية كبيرة على الساحة الدولية.

ثانيا: رصد إحصائي وتحليلي لاستخدام الفيتو في الجرائم المروعة:

منذ عام 1946 وحتى عام 2026، استُخدم الفيتو مئات المرات، تصدّرها الاتحاد السوفييتي/روسيا بأكثر من 130 مرة، تليه الولايات المتحدة بنحو 90 مرة، استخدمت الغالبية العظمى منها لحماية إسرائيل من قرارات تتعلق بالأراضي الفلسطينية المحتلة وجنوب لبنان، فيما استخدمته المملكة المتحدة 29 مرة، وفرنسا 16 مرة، والصين نحو 20 مرة، مع تزايد ملحوظ في "الفيتو المزدوج" الصيني- الروسي خلال العقدين الأخيرين. وقد تصاعدت مظاهر الشلل المؤسسي داخل المجلس بصورة غير مسبوقة في السنوات الأخيرة، حيث سُجل في عام 2024 وحده سبعة قرارات أُحبطت باستخدام الفيتو، وهو المعدل الأعلى منذ عام 1986. وبرز ذلك بوضوح في الملف السوري بين عامي 2011 و2021، عندما استخدمت روسيا والصين الفيتو بصورة متكررة لإفشال مشاريع قرارات تتعلق بالعقوبات، وإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية، والتحقيق في استخدام الأسلحة الكيميائية، ما ساهم في تكريس الإفلات من العقاب واستمرار الانتهاكات الواسعة.

وفي السياق الفلسطيني، استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية حق النقض ست مرات منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 لتعطيل مشاريع قرارات تدعو إلى وقف إطلاق النار في غزة، وإدخال المساعدات الإنسانية، وتنفيذ التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية، الأمر الذي عمّق الكارثة الإنسانية وأضعف قدرة المجتمع الدولي على توفير حماية فعالة للمدنيين. كما كشف النزاع الروسي- الأوكراني عن حدود نظام الأمن الجماعي عندما تكون إحدى الدول دائمة العضوية طرفا مباشرا في النزاع، في حين استخدمت روسيا الفيتو عام 2015 لإحباط مشروع قرار يصف مجازر مذبحة سربرنيتسا بأنها "إبادة جماعية"، رغم الاعتراف القضائي الدولي بذلك. كذلك أسهم الفيتو الصيني- الروسي في تعطيل التحركات الدولية المتعلقة بميانمار ومنع اتخاذ تدابير حازمة لوقف الجرائم المرتكبة بحق الروهينجا.

وتؤكد هذه النماذج مجتمعة أن الفيتو لم يعد مجرد آلية إجرائية لحماية التوازنات الدولية، بل تحول في كثير من الأحيان إلى أداة تعيق العدالة الدولية وتحدّ من قدرة الأمم المتحدة على الاستجابة الفعالة للجرائم المروعة والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.

ثالثا: التكييف القانوني والنقد العلمي للمبادرة

1. التكييف القانوني:

* من الناحية القانونية، تواجه المبادرة الفرنسية- المكسيكية عدة إشكاليات جوهرية في إطار القانون الدولي العام. فالمبادرة تبقى، في جوهرها، إعلانا سياسيا غير ملزم (Soft Law)، ولا تُحدث أي تعديل على المادة 27 (3) من ميثاق الأمم المتحدة التي تمنح الدول دائمة العضوية حق النقض من دون قيود موضوعية واضحة، ما يجعل فعاليتها العملية رهينة الإرادة السياسية للدول الكبرى.

* كما تثير المبادرة إشكالية العلاقة بين استخدام الفيتو والقواعد الآمرة في القانون الدولي (Jus Cogens)، إذ يرى جانب من الفقه الدولي أن تعطيل التدخل لمنع الإبادة الجماعية أو الجرائم الجسيمة قد يتعارض مع الالتزامات الأساسية المترتبة على الدول، أو يُسهم عمليا في تكريس الإفلات من العقاب، حتى في ظل غياب نص قانوني صريح يقيّد استخدام الفيتو في هذه الحالات.

* إضافة إلى ذلك، تواجه المبادرة معضلة تتعلق بآلية تحديد "الفظائع الجماعية"، إذ تقترح منح الأمين العام للأمم المتحدة دورا في توصيف هذه الحالات بناء على طلب عدد من الدول، وهو ما يضع الأمانة العامة أمام وظيفة سياسية- قانونية شديدة الحساسية، قد تبقى عرضة للتجاذبات الدولية والضغوط السياسية بين القوى الكبرى.

2. النقد العلمي للمبادرة:

تكمن الفجوة البنيوية في المبادرة في اعتمادها على "الوعي الأخلاقي" لقوى عظمى تتأسس علاقاتها الدولية على الواقعية السياسية. إن حصر استثناء الفيتو بحالات "الفظائع الجماعية" يثير مسألة "تجزئة الأمن الجماعي"، فالقوة العظمى التي تقبل طواعية تقييد الفيتو في ملف معين، ستعمد إلى استخدام ما يُعرف بـ"فيتو الجيب" أو "الفيتو المخفي" (Pocket Veto)، وهو الضغط الدبلوماسي المسبق لمنع صياغة أو تقديم مشاريع القرارات أصلا، مما يفرغ المبادرة من مضمونها الإجرائي في الميدان.

رابعا: الموقف الأمريكي.. هل تسمح واشنطن بمرور المبادرة؟

الجواب القاطع هو: لا، لن تسمح الولايات المتحدة الأمريكية بتحويل هذه المبادرة إلى التزام قانوني أو تعديل ميثاقي. تتحرك الدبلوماسية الأمريكية حيال ملف إصلاح الفيتو بناء على الثوابت الاستراتيجية التالية:

1- عقيدة السيادة المطلقة والحصانة الإستراتيجية: تنظر واشنطن إلى حق النقض باعتباره الأداة الجيوسياسية الأهم لحماية أمنها القومي وأمن حلفائها الاستراتيجيين، وفي مقدمتهم إسرائيل. أي تقييد موضوعي للفيتو، حتى لو تم تحت شعارات إنسانية، يُنظر إليه في دوائر صنع القرار الأمريكي (ولا سيما في الكونغرس) كتهديد مباشر لحرية الحركة الاستراتيجية الأمريكية وقدرتها على إجهاض القرارات التي تراها "معادية" لمصالحها.

2- استيعاب "مبادرة الفيتو لليختنشتاين" وتفريغها: عندما قادت إمارة ليختنشتاين تحركا ناجحا في الجمعية العامة عام 2022 (القرار 262/76) الذي يُلزم أي دولة تستخدم الفيتو بالمثول أمام الجمعية العامة لشرح مبرراتها، لم تعترض واشنطن علنا؛ بل رحبت بالخطوة لأنها رأت فيها أداة ممتازة لإحراج روسيا سياسيا وإعلاميا بعد غزو أوكرانيا. لكن، عند تطبيق المعيار نفسه على ملف الشرق الأوسط وقضية غزة ولبنان، أثبتت التجربة العمليّة أن واشنطن مستعدة تماما لتحمل العبء السياسي والإحراج الدبلوماسي في الجمعية العامة على أن تتخلى عن فاعلية الفيتو الميدانية لحماية حليفتها.

3- الفيتو كخط دفاع أخير ضد التعديل الميثاقي: بموجب المادة 108 من الميثاق، فإن أي تعديل رسمي لنصوص الميثاق يتطلب موافقة وتصديق ثلثي أعضاء الجمعية العامة، من بينهم جميع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. هذا يعني أن الولايات المتحدة تملك "فيتو على إلغاء أو تقييد الفيتو"، ولن تتردد في استخدامه لقتل أي مقترح يتجاوز سياق الالتزام الطوعي الأخلاقي.

خامسا: هل تنجح المبادرة؟ أم نحن بحاجة لـ"نسق دولي جديد"؟

المبادرة بنسقها الحالي لن تنجح في وقف الفظائع، بل ستظل أداة لإدارة الضغط الدبلوماسي وتسجيل النقاط المعنوية. لقد شُيّد نظام بريتون وودز والأمم المتحدة عام 1945 ليعكس موازين القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية؛ وهو نظام يعاني اليوم من "موت سريري" نتيجة العجز التام عن معالجة التعددية القطبية الصاعدة، والحروب الهجينة، وانتهاكات الدول الكبرى نفسها.

إننا نعيش في مرحلة انتقالية خطيرة تشبه المرحلة الفاصلة بين عصبة الأمم والأمم المتحدة. نحن بحاجة حتمية إلى "نسق دولي جديد"، لا يتأسس على طوباوية إنكار القوة، بل على ميكانيكا توازن القوى الجديدة وضبطها قانونيا

إننا نعيش في مرحلة انتقالية خطيرة تشبه المرحلة الفاصلة بين عصبة الأمم والأمم المتحدة. نحن بحاجة حتمية إلى "نسق دولي جديد"، لا يتأسس على طوباوية إنكار القوة، بل على ميكانيكا توازن القوى الجديدة وضبطها قانونيا.

نحو تحول دولي جديد أكثر توازنا وفعالية

تكشف الأزمات الدولية المتلاحقة أن النظام الدولي القائم يواجه أزمة عميقة في الشرعية والفعالية، خاصة مع تصاعد عجز مجلس الأمن عن التعامل مع الحروب والفظائع الجماعية بسبب هيمنة الفيتو والتنافس بين القوى الكبرى. والتاريخ الدولي يُظهر أن التحولات الكبرى في بنية النظام العالمي لم تكن نتاج إصلاحات تدريجية هادئة، بل جاءت غالبا عقب صدمات كبرى وحروب واسعة أعادت تشكيل موازين القوة؛ فالحرب العالمية الأولى أفضت إلى عصبة الأمم، بينما قادت الحرب العالمية الثانية إلى تأسيس الأمم المتحدة والنظام الدولي الحالي.

وفي ظل التوترات الدولية المتصاعدة، والحروب الممتدة، وعودة الاستقطاب العالمي، تبدو الدعوات إلى إصلاح مجلس الأمن وتقييد الفيتو محاولة لاحتواء أزمة بنيوية قد تقود، إذا استمرت، إلى تحولات دولية أوسع وأكثر جذرية. ومن هنا، تتزايد المطالب بإعادة تشكيل النظام الدولي بصورة تعكس التوازنات العالمية الجديدة، سواء عبر توسيع مجلس الأمن ومنح تمثيل أوسع للقوى الصاعدة، أو الحد من الفيتو الفردي في القضايا الإنسانية الكبرى، أو تعزيز دور الجمعية العامة والمحاكم الدولية في مواجهة الشلل السياسي داخل المجلس.

كما بات واضحا أن المنظمات الإقليمية والمجتمع المدني الدولي أصبحا عنصرين أكثر تأثيرا في إدارة الأزمات الدولية، في وقت تتزايد فيه الدعوات لفصل العدالة الدولية عن الحسابات السياسية الضيقة للقوى الكبرى. وفي هذا السياق، فإن اتساع الدعم للمبادرة الفرنسية- المكسيكية يعكس تنامي القناعة الدولية بأن النظام الحالي لم يعد قادرا وحده على إدارة الأزمات العالمية بالكفاءة والعدالة المطلوبتين، وأن العالم قد يكون بالفعل أمام مرحلة انتقالية تاريخية تمهد، تدريجيا أو بصورة دراماتيكية، لولادة نسق دولي جديد أكثر توازنا واستجابة للتحولات الدولية المعاصرة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)