في خطوة غير
مسبوقة، قررت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تعليق التجديد التلقائي
للاتفاقية
الدفاعية مع
إسرائيل، في قرار يُقرأ على أنه ترجمة فعلية لضغوط الرأي
العام واعتراف ضمني بأن القضية
الفلسطينية لم تعد مجرد ملف جانبي، بل باتت المقياس
الحقيقي لشرعية السياسات الدولية واختبارا لمصداقية الالتزام بالقانون الدولي.
في 14
نيسان/أبريل 2026، وعلى هامش معرض فينيتالي في مدينة فيرونا، فاجأت ميلوني
المراقبين بإعلانها تعليق التجديد التلقائي للاتفاقية الدفاعية بين
إيطاليا
وإسرائيل، قائلة: "نظرا للوضع الحالي، قررت الحكومة تعليق التجديد التلقائي
لاتفاقية الدفاع مع إسرائيل". هذا القرار، الذي نقله وزير الدفاع غويدو
كروسيتو رسميا إلى نظيره الإسرائيلي يسرائيل كاتس، يوقف مذكرة تفاهم كانت سارية
منذ عام 2003 وتُجدد تلقائيا كل خمس سنوات، وكان آخر تجديد لها في 13 نيسان/أبريل
2016.
أولا: ما هي
الاتفاقية التي تم تعليقها؟
الاتفاقية ليست
مجرد وثيقة رمزية، بل هي الإطار القانوني الذي ينظم العلاقات العسكرية بين روما
وتل أبيب منذ أكثر من عقدين. وُقّعت لأول مرة في باريس عام 2003، وصادق عليها
البرلمان الإيطالي بموجب القانون رقم 94 لعام 2005. تشمل الاتفاقية مجالات واسعة:
تبادل المعدات العسكرية، والتعاون في البحث والتطوير التكنولوجي، والتدريب
المشترك، وتبادل الخبرات في العقيدة العسكرية، وبلغت
الاتفاقية ليست مجرد وثيقة رمزية، بل هي الإطار القانوني الذي ينظم العلاقات العسكرية بين روما وتل أبيب منذ أكثر من عقدين
ذروة التعاون بصفقات تبادل
شملت طائرات تدريب إيطالية من طراز M-346 مقابل
أقمار صناعية وأنظمة استخباراتية إسرائيلية. وهذا التعليق يمثل تصعيدا نوعيا
يتجاوز الحظر السابق على تراخيص تصدير الأسلحة الجديدة الذي فرضته إيطاليا في
تشرين الأول/أكتوبر 2024.
ثانيا: لماذا
الآن؟
جاء القرار بعد
أسبوع واحد فقط من حادثة خطيرة، إذ اتهمت روما القوات الإسرائيلية بإطلاق نيران
تحذيرية على قافلة لجنود إيطاليين تابعين لليونيفيل في جنوب لبنان، ما أدى إلى
تضرر إحدى الآليات الإيطالية. هذا الحادث دفع وزير الخارجية أنطونيو تاياني إلى
استدعاء السفير الإسرائيلي وإبلاغه بأن الجنود الإيطاليين لا يمكن المساس بهم.
لكن الأسباب أعمق
من ذلك، فالحرب الإيرانية- الإسرائيلية الأخيرة أغضبت الرأي العام الإيطالي الذي
يعارض التورط في حرب جديدة، إلى جانب تداعيات اقتصادية خطيرة: إغلاق مضيق هرمز دفع
أسعار الوقود للارتفاع، مما كلف الحكومة الإيطالية خفض الضرائب على البنزين
والديزل بحوالي 500 مليون يورو أي 589.9 مليون دولار، وسط تحذيرات محللين من أن
هذا قد يعجل بركود في إيطاليا.
ثالثا: الضغط
الشعبي والمجتمعي- العامل الأكثر تأثيرا
ربما كان الضغط
الشعبي هو المفتاح الأكثر تأثيرا في هذا القرار. في 23 أيلول/سبتمبر 2025، شهدت
إيطاليا إضرابا تاريخيا ومظاهرات في 75 مدينة، حيث خرج الآلاف تحت شعار
"لنعطل كل شيء" تضامنا مع غزة، وطالبوا بوقف شحنات الأسلحة إلى إسرائيل،
وعمال الموانئ في جنوة وليفورنو منعوا شحنات السلاح، مما عطل حركة السفن.
على الصعيد
السياسي، ضغطت المعارضة بقوة؛ زعيم حركة النجوم الخمس، جوزيبي كونتي، انتقد
التأخير الجاني والمذنب في اتخاذ القرار بعد أكثر من 70 ألف قتيل فلسطيني، وأضاف
أن "15 مليون شخص قالوا لا لسياسات الحكومة". وزعيمة الحزب الديمقراطي،
إيلي شلاين، أكدت أن كرامة هذا البلد تُقاس أيضا باحترام القانون الدولي.
رابعا: ردود
الفعل وتداعيات القرار
الرد الإسرائيلي
حاول التقليل من أهمية الاتفاقية، حيث قالت وزارة الخارجية الإسرائيلية إنها مجرد
مذكرة تفاهم بلا مضمون حقيقي. هذا التناقض بين الاتفاقية كـ"لا شيء" ورد
الفعل الغاضب عليها يكشف عن مدى إزعاج القرار.
أوروبيا، دعا
النائب في البرلمان الأوروبي دانيلو ديلا فالي؛ حكومة ميلوني إلى دعم اقتراح تعليق
اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل وفرض حظر أوروبي على الأسلحة،
قائلا: يكفي تواطؤ مع المتهمين بارتكاب إبادة جماعية، بينما استقبلت دول عربية
القرار بارتياح حذر، معتبرة إياه خطوة على الطريق الصحيح لكنها غير كافية.
ومع ذلك، يبقى
القرار في حدوده الإجرائية، إذ لا يرقى بعد إلى مستوى القطيعة الكاملة أو فرض
عقوبات ملزمة، ما يطرح تساؤلات حول مدى استعداد الدول الأوروبية للانتقال من
الرمزية إلى الفعل القانوني الصارم.
خامسا: القضية
الفلسطينية- مقياس الحقيقة
في قلب كل هذا
التحول، تظل القضية الفلسطينية هي الخافضة الرافعة التي ترفع أو تخفض شرعية
السياسات الدولية، وقرار إيطاليا لم يأتِ من فراغ، بل هو حلقة في سلسلة من المواقف
الغربية المماثلة التي تشكلت بفعل ضغوط تراكمية. فإلى جانب تعليق إيطاليا
الاتفاقية الدفاعية، فرضت ألمانيا حظرا جزئيا على تصدير الأسلحة لإسرائيل في آب/أغسطس
2025، كما انضمت إسبانيا وهولندا وأيرلندا وسلوفينيا إلى مقاطعة مسابقة الأغنية
الأوروبية "يوروفيجن" عام 2026 احتجاجا على مشاركة إسرائيل، معتبرة أن
استمرارها لا يمكن التوفيق بينه وبين القيم العامة الأساسية. كما سنّت سلوفينيا
حظرا شاملا للأسلحة، واتخذت بلجيكا إجراءات مماثلة لوقف شحنات السلاح أو تقييد
التعاون العسكري.
هذا العمل
التراكمي، الذي قادته الحركات الحقوقية والنقابية والضغوط الشعبية الحقيقية
(كإضرابات عمال الموانئ التي عطلت شحنات السلاح)، يثبت أن الحس الإنساني والضغط
الحقيقي هما السبب الرئيس في كل هذه التحولات، حتى لو لم تعطِ كل ضغطة نتيجة
مباشرة وفورية. لقد أكدت قطر في كانون الأول/ديسمبر 2025 أن القضية الفلسطينية هي
محك رئيسي لقياس عدالة النظام الدولي القائم، وهي تبقى مهمة للغاية حتى وإن خف
بريقها إعلاميا أحيانا. فما يجري في الضفة الغربية من توسع استيطاني وقانون إعداد
الأسرى، واستمرار حرب الإبادة على غزة، والمشاركة الفاعلة في قصف لبنان وإيران،
فضلا عن استهداف سوريا من دون أسباب مشروعة، كلها انتهاكات تُقرأ سياسيا وشعبيا
وحقوقيا على أنها مرفوضة بكل تأكيد.
لم يعد ممكنا لدولة أوروبية أن تستمر في تسليح إسرائيل دون أن تُسأل، خاصة بعد حكم محكمة العدل الدولية حول احتمالية ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة
هذه القرارات
المتتالية (الإيطالية، الألمانية، الإسبانية، الهولندية، السلوفينية، البلجيكية)
مجتمعة، أعطت بارقة أمل يجب أن نعظمها، فهي تثبت أن ضغط الرأي العام يمكن أن يُحدث
فرقا حقيقيا، وأن ازدواجية المعايير التي طالما انتقدها الفلسطينيون لم تعد مقبولة.
لم يعد ممكنا لدولة أوروبية أن تستمر في تسليح إسرائيل دون أن تُسأل، خاصة بعد حكم
محكمة العدل الدولية حول احتمالية ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة.
يمكن قراءة
القرار الإيطالي أيضا في ضوء قواعد المسؤولية الدولية للدول، ولا سيما مبدأ عدم
تقديم العون أو المساعدة في الأفعال غير المشروعة دوليا، كما ورد في مشروع مواد
لجنة القانون الدولي لعام 2001. فاستمرار التعاون العسكري، في ظل وجود مؤشرات جدية
على انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، قد يعرّض الدول لشبهة الإسهام غير
المباشر في تلك الانتهاكات، خاصة عندما تكون هذه المساعدة ذات أثر ملموس في
القدرات العسكرية للطرف المنتهِك. وقد عزّزت التطورات القضائية الأخيرة، وعلى
رأسها أوامر محكمة العدل الدولية في القضايا المتعلقة بغزة، هذا الاتجاه، إذ وضعت
الدول أمام التزام واضح بعدم الإسهام في أفعال قد ترقى إلى جرائم دولية خطيرة. من
هنا، لا يبدو القرار الإيطالي مجرد استجابة سياسية ظرفية، بل خطوة احترازية تحمل
بعدا قانونيا وقائيا، تعكس إدراكا متناميا بأن كلفة الاستمرار في التعاون لم تعد
سياسية فقط، بل قد تصبح قانونية أيضا.
قرار ميلوني
بتعليق الاتفاقية الدفاعية مع إسرائيل، في سياقه التراكمي مع قرارات أوروبية
مشابهة، هو أكثر من مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، إنه اعتراف ضمني بأن استمرار الدعم
العسكري لإسرائيل في ظل انتهاكاتها المستمرة للقانون الدولي لم يعد مستداما سياسيا
بل هو عبء لأي سياسي، وأن الضغوط الشعبية والحقوقية قادرة -بالتراكم- على صنع
التغيير. وبينما تسعى المعارضة الإيطالية إلى اتخاذ خطوات أكثر جرأة، مثل فرض
عقوبات حقيقية ودعم تعليق اتفاقية الاتحاد الأوروبي مع إسرائيل، يبقى السؤال
الأهم: هل تتبع دول أوروبية أخرى هذا المسار؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.