التهجير القسري في جنوب لبنان: هل نعيد سيناريو غزة؟

محمود الحنفي
"تكرار هذا النمط، سواء في غزة أو في جنوب لبنان، يشير إلى اتجاه خطير في سلوك النزاعات المعاصرة"- الأمم المتحدة
"تكرار هذا النمط، سواء في غزة أو في جنوب لبنان، يشير إلى اتجاه خطير في سلوك النزاعات المعاصرة"- الأمم المتحدة
شارك الخبر
لم تعد الحرب الدائرة في جنوب لبنان تُقاس فقط بعدد الغارات أو حجم الدمار، بل باتت تُقاس أيضا بعدد الذين أُجبروا على ترك منازلهم تحت وطأة القصف وأوامر الإخلاء الواسعة. نحن أمام مشهد إنساني وقانوني بالغ الخطورة: مئات آلاف المدنيين، بل ما يقارب مليون شخص، اقتُلعوا من بيئاتهم في فترة زمنية قصيرة، في ظل أوامر إخلاء جماعية تشمل مساحات واسعة من الأراضي اللبنانية.

هذه المعطيات لم تعد محل خلاف، بل أصبحت محور إشارات دولية واضحة، من بينها مواقف صدرت عن وزارة الخارجية التركية والأمين العام للأمم المتحدة، والتي عبّرت، ولو بإيجاز، عن خطورة المسار القائم، وما يحمله من مؤشرات على انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. غير أن أهمية هذه التصريحات لا تكمن في تفاصيلها، بل في ما تعكسه من إدراك متزايد بأن ما يجري يتجاوز كونه تداعيات عسكرية عابرة، ليقترب من نمط متكرر يقوم على إزاحة السكان المدنيين من مناطقهم.

الأرقام في هذا السياق ليست مجرد معطيات تقنية، بل مؤشرات مباشرة على حجم الكارثة واتساعها. فبعد أن كانت التقديرات في الأيام الأولى تشير إلى نزوح أكثر من 816 ألف شخص داخل لبنان، ارتفع العدد لاحقا ليتجاوز المليون، إذ سجّل تحديث أممي نحو 1,049,328 شخصا أُجبروا على الفرار حتى 22 آذار/مارس 2026. كما لجأ أكثر من 134 ألف شخص إلى مراكز إيواء جماعية، فيما بقيت الغالبية الساحقة خارج هذه المراكز، موزعين بين منازل مستضيفة، ومساكن مؤقتة، وأوضاع معيشية شديدة الهشاشة.

أوامر الإخلاء لم تكن محدودة أو مرتبطة بمناطق اشتباك مباشرة، بل اتسمت بالاتساع والتكرار، وشملت عشرات القرى والبلدات، وصولا إلى مناطق مكتظة بالسكان. وهذا الاتساع يطرح تساؤلا قانونيا أساسيا: متى يتحول الإخلاء من إجراء احترازي مشروع إلى أداة ضغط جماعي على السكان المدنيين؟

لكن جوهر المسألة لا يكمن في حجم النزوح فقط، بل في طبيعته. فالملاحظ أن أوامر الإخلاء لم تكن محدودة أو مرتبطة بمناطق اشتباك مباشرة، بل اتسمت بالاتساع والتكرار، وشملت عشرات القرى والبلدات، وصولا إلى مناطق مكتظة بالسكان. وهذا الاتساع يطرح تساؤلا قانونيا أساسيا: متى يتحول الإخلاء من إجراء احترازي مشروع إلى أداة ضغط جماعي على السكان المدنيين؟

القانون الدولي الإنساني يجيب بوضوح، فإجلاء المدنيين لا يُحظر بشكل مطلق، لكنه مقيّد بشروط صارمة: أن يكون ضروريا لحمايتهم أو لاعتبارات عسكرية قهرية، وأن يكون مؤقتا، وأن تُؤمَّن خلاله شروط الكرامة الإنسانية، بما في ذلك المأوى والرعاية والغذاء، وأن يُسمح بعودتهم فور زوال الأسباب. هذه الشروط ليست شكلية، بل هي جوهر التوازن الذي يحاول القانون الحفاظ عليه بين ضرورات الحرب وحماية المدنيين.

وقد كُرّست هذه القواعد صراحة في المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تحظر النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين من الأراضي التي يوجدون فيها، إلا في حالات استثنائية ومؤقتة تفرضها ضرورة عسكرية ملحّة أو حماية السكان أنفسهم. كما تؤكد القاعدة العرفية في القانون الدولي الإنساني، كما صاغتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، على حظر التهجير القسري، وعلى وجوب إعادة المدنيين إلى منازلهم فور انتهاء الأسباب التي دعت إلى إجلائهم. ويعزّز نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية هذا الاتجاه، إذ يجرّم الترحيل أو النقل غير المشروع للسكان المدنيين بوصفه جريمة حرب. وعليه، فإن أي إخلال بهذه الشروط، سواء من حيث الضرورة أو التناسب أو الطابع المؤقت، يُفقد الإجلاء مشروعيته القانونية ويحوّله إلى انتهاك جسيم يستوجب المساءلة.

غير أن الواقع في جنوب لبنان يُظهر مؤشرات مقلقة على تجاوز هذه الحدود، فالإخلاءات جاءت واسعة وغير محددة زمنيا، ومناطق النزوح نفسها لم تكن دائما آمنة، بل تعرّضت في بعض الحالات للقصف. كما أن غياب ضمانات واضحة للعودة يفتح الباب أمام احتمال تحول النزوح إلى حالة طويلة الأمد، لا ترتبط فقط بالمعركة الجارية، بل بإعادة تشكيل الواقع السكاني في المنطقة الحدودية.

في هذا السياق، تكتسب بعض التصريحات الإسرائيلية دلالة خاصة، لا من حيث تفاصيلها، بل من حيث اتجاهها العام. فربط عودة السكان بتحقيق ترتيبات أمنية مفتوحة، والحديث عن "مناطق عازلة"، يعكس تصورا يتجاوز الإجراء المؤقت إلى إعادة تنظيم المجال الجغرافي والسكاني. وهذا التحول، إذا ما ترسّخ، ينقل المسألة من نطاق العمليات العسكرية إلى نطاق السياسات الميدانية ذات الأثر الديموغرافي.

هنا تحديدا، تبرز المقارنة مع ما جرى ويجري في غزة، فهناك أيضا بدأت العمليات بسلسلة من أوامر الإخلاء الواسعة تحت مبررات أمنية، ثم تحولت تدريجيا إلى نزوح جماعي طويل الأمد، ترافق مع تدمير واسع للبنية التحتية والمنازل، ومع صعوبات متزايدة في العودة. ومع مرور الوقت، لم يعد النزوح مجرد نتيجة للحرب، بل أصبح أحد ملامحها البنيوية، وأداة ضمن إدارة الصراع نفسه.

ووفق تقديرات أممية، تعرّض أكثر من 80-85 في المئة من سكان قطاع غزة للنزوح الداخلي منذ اندلاع العمليات، أي ما يزيد على 1.8 مليون إنسان. كما تشير معطيات ميدانية إلى أن إسرائيل تفرض سيطرة عسكرية مباشرة أو غير مباشرة على ما يقارب 60-70 في المئة من مساحة القطاع، سواء عبر التواجد البري أو من خلال ما يُعرف بالمناطق العازلة والأحزمة الأمنية التي توسّعت بشكل ملحوظ داخل غزة. هذا الواقع ترافق مع تدمير أو تضرر أكثر من 60 في المئة من الوحدات السكنية، ما يجعل العودة الفعلية للسكان مسألة معقدة، حتى في حال توقف العمليات العسكرية.

الأخطر من ذلك أن هذه المعطيات تخلق واقعا يصعب التراجع عنه سياسيا وميدانيا، فكلما توسّعت السيطرة على الأرض وتكرّس النزوح، ازدادت كلفة العودة إلى الوضع السابق، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل أيضا من حيث إعادة الإعمار والضمانات الأمنية. وفي ظل غياب ضغط دولي حاسم وفعّال يفرض التراجع، يصبح هذا الواقع مرشحا للتحول إلى حالة شبه دائمة. وهنا تحديدا تكمن الخطورة: حين يتحول النزوح الواسع والتغيير الديموغرافي إلى أمر واقع مدعوم بالوقائع الميدانية أكثر من كونه إجراء مؤقتا، بما يقوّض الأساس القانوني الذي يفترض أن يحكم حماية المدنيين في النزاعات المسلحة.

إن خطورة تكرار هذا النموذج في لبنان تكمن في أنه يعكس تحولا في طبيعة إدارة النزاعات المسلحة، حيث لم يعد المدنيون فقط ضحايا جانبيين، بل أصبحوا جزءا من معادلة الضغط. فالتحكم في حركة السكان، ودفعهم إلى النزوح، وإبقاء عودتهم مشروطة، يمكن أن يتحول إلى أداة لتحقيق أهداف عسكرية أو سياسية، وهو ما يتعارض مع الأسس التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني.

ومن منظور قانوني، فإن التهجير القسري لا يُقاس فقط بالفعل المباشر، بل أيضا بالنتيجة. فإذا أدت الأوامر العسكرية، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى إجبار السكان على مغادرة مناطقهم دون توافر شروط الحماية، وإذا اقترن ذلك بتدمير مساكنهم أو منعهم من العودة، فإننا نكون أمام حالة قد تندرج ضمن النقل القسري للسكان، وهو أمر محظور ويُعد جريمة حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

الأمر لا يتعلق فقط بالنصوص القانونية، بل بطبيعة التطبيق. فالقانون لا يمنع الحرب، لكنه يضع لها حدودا، وعندما تُستخدم أدوات مثل أوامر الإخلاء بشكل واسع وغير متناسب، فإنها تفقد طابعها الوقائي وتتحول إلى وسيلة لإعادة تشكيل الواقع على الأرض. وهذا التحول هو ما يثير القلق الحقيقي، لأنه يمس جوهر الحماية التي يفترض أن يتمتع بها المدنيون.

إن تكرار هذا النمط، سواء في غزة أو في جنوب لبنان، يشير إلى اتجاه خطير في سلوك النزاعات المعاصرة. فبدلا من السعي إلى تقليل آثار الحرب على المدنيين، يبدو أن هناك ميلا متزايدا لاستخدام هذه الآثار كجزء من الاستراتيجية نفسها. وهذا ما يجعل من الضروري إعادة التأكيد على أن حماية المدنيين ليست خيارا سياسيا، بل التزاما قانونيا ملزما.

كما أن تداعيات التهجير القسري لا تتوقف عند لحظة النزوح، فهي تمتد إلى تفكك المجتمعات المحلية، وفقدان مصادر الرزق، وتراجع الخدمات الأساسية، وخلق أزمات إنسانية طويلة الأمد. وفي حالة لبنان، حيث يعاني البلد أصلا من أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة، فإن هذا النزوح الواسع يشكل عبئا مضاعفا، ويهدد بمفاقمة الهشاشة القائمة.

لا يمكن النظر إلى ما يحدث في جنوب لبنان بمعزل عن السياق الأوسع، ولا يمكن اختزاله في كونه نتيجة عرضية للحرب. نحن أمام نمط يتكرر، يحمل سمات واضحة، ويثير تساؤلات قانونية جدية،

ومن هنا، فإن التعامل مع ما يجري لا يجب أن يقتصر على الاستجابة الإنسانية، رغم أهميتها، بل يجب أن يتضمن أيضا مقاربة قانونية واضحة. فتوثيق حالات النزوح، ورصد أوامر الإخلاء، وتحليل آثارها، يشكل أساسا لأي مسار مساءلة لاحق. كما أن الضغط لوقف الأوامر الجماعية، وضمان عودة النازحين، هو جزء لا يتجزأ من حماية الحقوق الأساسية للمدنيين.

في النهاية، لا يمكن النظر إلى ما يحدث في جنوب لبنان بمعزل عن السياق الأوسع، ولا يمكن اختزاله في كونه نتيجة عرضية للحرب. نحن أمام نمط يتكرر، يحمل سمات واضحة، ويثير تساؤلات قانونية جدية، وإذا لم يتم التعامل معه بوضوح، فإن خطر تحوله إلى ممارسة معتادة في النزاعات سيزداد.

إن التحدي اليوم ليس فقط في وقف القصف، بل في وقف السياسات التي تجعل من النزوح أمرا واقعا؛ لأن الحرب، مهما اشتدت، لا تبرر اقتلاع الناس من أرضهم، ولا تمنح أي طرف حق إعادة تشكيل الجغرافيا السكانية بالقوة. وهذه ليست مسألة سياسية فقط، بل مسألة قانونية وأخلاقية تمس جوهر العدالة.

وفي هذا الإطار، فإن الإشارات الدولية، على محدوديتها، تبقى مهمة، لكنها تحتاج إلى ما هو أكثر من التوصيف، تحتاج إلى ترجمة فعلية في سياسات ومواقف تضع حدا لهذا المسار؛ لأن الصمت أو الاكتفاء بالتحذير قد يفتح الباب أمام ترسيخ واقع جديد، يصبح فيه التهجير القسري جزءا طبيعيا من أدوات الحرب.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل