تكتسب تبرئة المدعي
العام للمحكمة
الجنائية الدولية كريم خان، إلى جانب قرار ألمانيا التراجع عن دعم
الاحتلال
الإسرائيلي ضد دعوى
الإبادة الجماعية المقدمة من دولة جنوب أفريقيا أمام
المحكمة الجنائية الدولية، دلالات تتجاوز الحدثين في حد ذاتهما، لتشير إلى تحول
مهم، خاصة مع فشل لوبيات الضغط والتأثير الصهيوأمريكية في عزل المدعي العام أو حشد
موقف دولي مضاد لدعوى الإبادة الجماعية.
الأرقام
لا تكذب؛ بل تعيد توصيف الحرب العدوانية التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع
غزة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023. فوفق الحقائق، تجاوز عدد الشهداء الفلسطينيين
في غزة 70 ألف شهيد، النسبة الأكبر منهم من النساء والأطفال والشيوخ، ومئات الآلاف
من الجرحى وعشرات آلاف من الأسرى والمفقودين، وأكثر من 70 في المئة من البنية
التحتية السكنية المدنية تعرضت للتدمير أو الضرر البليغ، ونزح ما يقارب 1.7 مليون
شخص وفق إحصاءات الأمم المتحدة، أي ما يفوق 75 في المئة من سكان القطاع.
عمل الاحتلال الإسرائيلي جاهدا بدعم أمريكي وغربي على محاولة عرقلة المسار القانوني، بوصفه كارثة تهدد سرديته التي عمل على ترويجها منذ قرن من الزمان، وهي التي تنطلق من فكرة المظلومية والتعرض "للإبادة الجماعية"
هذه
الأرقام ليست مجرد معطيات إنسانية، بل تشكل أساسا للانطلاق لمحاسبة الاحتلال
الإسرائيلي الذي أجرم بحق الأبرياء، في سياسة تتجاوز ردود الفعل، إلى سلوك عدواني
منظم الهدف منه التهجير القسري والتطهير العرقي لشعب أعزل؛ ومع فشل هذه المساعي
عمل الاحتلال الإسرائيلي جاهدا بدعم أمريكي وغربي على محاولة عرقلة المسار
القانوني، بوصفه كارثة تهدد سرديته التي عمل على ترويجها منذ قرن من الزمان، وهي
التي تنطلق من فكرة المظلومية والتعرض "للإبادة الجماعية".
لقد جرت
محاولات ابتزاز للمدعي العام لثنيه عن قبول الدعوى، من خلال تفعيل تهم سابقة بقصد
التشويش على القضية، لذلك فالتبرئة هنا ليست تفصيلا إداريا؛ بل تعني بوضوح أن هذه
المساعي قد فشلت فشلا ذريع، خاصة مع حالة الدعم والتأييد العالمية للاستمرار في
هذه القضية، التي تحولت إلى قضية رأي عام دولي، ومطلب إنساني توحدت عليه كل الشعوب.
أما حول
دلالة تراجع ألمانيا أكبر داعمي الاحتلال الإسرائيلي، من الدعم المطلق إلى الحذر
القانوني، فهو إنجاز إضافي يمكن البناء عليه، إذ إنه لطالما شكّل الموقف الألماني (الذي
ينطلق من عقدة الشعور بالذنب تجاه اليهود) ركيزة أساسية في الدعم الغربي للاحتلال
الإسرائيلي، سياسيا وعسكريا، استنادا إلى هذه الاعتبارات التاريخية. لكن التراجع
عن التدخل القانوني لصالح الاحتلال الإسرائيلي أمام المحكمة يحمل ثلاث دلالات
رئيسية وهي على النحو التالي:
1- تصاعد
كلفة التماهي والدعم القانوني للاحتلال الإسرائيلي بوصفه متهما بالإبادة الجماعية،
والذي قد يُعرض ألمانيا نفسها لمسؤولية قانونية بموجب مبدأ "المساعدة أو
التواطؤ".
2- الخوف
من ضغط الرأي العام الأوروبي، وتزايد الاحتجاجات والانتقادات داخل أوروبا، إذ إن
أوروبا شهدت حراكا شعبيا تاريخيا وغير مسبوق؛ داعما لفلسطين ومنددا بالإبادة
الجماعية، وقد شارك فيه طيف واسع من النخب السياسية والثقافية والمؤثرين الذين
يدعمون استمرار المحاكمة.
3- الخوف
من السوابق القضائية، أي أن الحكم قد يُستخدم لاحقا ضد دول أخرى في صراعات مختلفة.
فالضغط
والتأثير القانوني والدعم الشعبي أفضى إلى انتقال ألمانيا من "التحالف
السياسي غير المشروط" إلى "تموضع قانوني حذر" لتجاوز ردود الفعل
المتوقعة من هذا الدعم.
في الختام،
نستطيع القول بأن تبرئة المدعي العام السيد كريم خان، وتراجع ألمانيا، ليسا حدثين
منفصلين؛ بل علامتان على مسار آخذ في التشكل، يمكن الاستفادة منه والبناء عليه،
لكن بشريطة استمرار الزخم الشعبي الرافض لتجاوز الجريمة، وتواصل مساعي عزل
الاحتلال الإسرائيلي في كل المجالات وعلى مختلف الصعد، باعتباره كيانا مارقا
وعدوانيا منبوذا.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.