قانون إعدام الأسرى: الوجه الآخر للفاشية

عزات جمال
"لا يجب أن يقتصر النقاش حول هذا القانون وفق نظرة حقوقية مجردة؛ بل هذه فرصة لطرح أسئلة أعمق حول المسار الذي يسلكه الاحتلال الإسرائيلي"- الأناضول
"لا يجب أن يقتصر النقاش حول هذا القانون وفق نظرة حقوقية مجردة؛ بل هذه فرصة لطرح أسئلة أعمق حول المسار الذي يسلكه الاحتلال الإسرائيلي"- الأناضول
شارك الخبر
"حين ينزع الطابع الإنساني عن الآخر، ليصبح قتله أو إقصاؤه أمرا مبررا، وهنا تبدأ الفاشية" (المفكر العربي د. عبد الوهاب المسيري، في موسوعته المنشورة حول اليهود واليهودية).

أما في الأدبيات السياسية، فتُعرَّف الفاشية بوصفها منظومة حكم تقوم على تمجيد العنف، وإقصاء الآخر، واحتكار الحقيقة والسلطة، مع تآكل واضح في سيادة القانون، وتحويله إلى أداة لخدمة الأيديولوجيا. وليست الفاشية مجرد توصيف نظري، بل هي ممارسة تتجلى في سياسات تشرعن القتل، وتُعيد تعريف الإنسان وفق انتمائه، وتُسقط عنه الحماية القانونية متى تعارض وجوده مع وجود المشروع التوسعي.

في حالة الاحتلال الإسرائيلي، لا يمكن النظر إلى قانون إعدام الأسرى بمعزل عن سياق أوسع من السياسات والممارسات التي وثقتها منظمات دولية مرموقة مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية والعشرات من المنظمات الأممية؛ سياسات مثل القتل الممنهج، ومصادرة الأراضي وغيرها الكثير. هذه التقارير، إلى جانب ما خلُصت إليه لجان التحقيق التابعة لـلأمم المتحدة، تؤكد الحقيقية الواضحة.

هذا التحول هو جوهر الفكر الفاشي، الذي يقوم على نزع الإنسانية عن الآخر لتبرير العنف ضده. وعندما تصبح هذه الرؤية جزءا من التشريع، فإننا نكون أمام كيان لا يكتفي بممارسة العدوان، بل يسعى إلى جعله في أطر قانونية

إن إقرار تشريع يجيز إعدام أسرى الشعب الفلسطيني، لا يمثل فقط خرقا صريحا لمبادئ القانون الدولي؛ بل يعكس أيضا دوافع انتقامية من ثبات وصمود الشعب الفلسطيني الرافض لكل أشكال العدوان، حيث يُعاد تشكيل القانون ليواكب الخطاب الانتقامي الذي توعد به وزراء اليمين المتطرف الشعب الفلسطيني من أمثال الوزير بن غفير.

ولا يمكن فصل هذا التوجه عن سياق أوسع من الإجراءات التي توحي بتسارع تهويد ما تبقى من الأرض الفلسطينية والتنكيل بأصحابها، مثل توسيع صلاحيات جيش الاحتلال الإسرائيلي، وشرعنة تواجد مليشيات المستوطنين. ففي السنوات الأخيرة، برزت أنماط أكثر عدوانية في التعامل مع الشعب الفلسطيني، سواء في غزة أو الضفة الغربية، تعكس منطق "العقاب الجماعي"، وهو ما يتعارض مع قواعد القانون الدولي، ويؤشر إلى جنوح نحو المزيد من الفاشية.

إن أخطر ما في "قانون إعدام الأسرى" لا يكمن فقط في نتائجه المباشرة، بل في دلالاته الرمزية؛ فهو يعيد تعريف الأسرى من أسرى حرب و"معتقلين محميين" بموجب القانون الدولي، باعتبارهم سكانا واقعين تحت الاحتلال وفق اتفاقية جنيف الرابعة، بالقفز عن كون الأسير إنسانا يتمتع بحقوق غير قابلة للتصرف، إلى كونه "عدوا مطلقا" يجوز التخلص منه قانونيا.

هذا التحول هو جوهر الفكر الفاشي، الذي يقوم على نزع الإنسانية عن الآخر لتبرير العنف ضده. وعندما تصبح هذه الرؤية جزءا من التشريع، فإننا نكون أمام كيان لا يكتفي بممارسة العدوان، بل يسعى إلى جعله في أطر قانونية.

بالمناسبة، لا يجب أن يقتصر النقاش حول هذا القانون وفق نظرة حقوقية مجردة؛ بل هذه فرصة لطرح أسئلة أعمق حول المسار الذي يسلكه الاحتلال الإسرائيلي: هل ما زال العالم تنطلي عليه خديعة أن هذا الكيان واحة الديمقراطية والحرية الوحيدة في المنطقة، أم أننا أمام انزلاق متسارع نحو أسوأ نموذج للفاشية المعاصرة بأدوات قانونية؟ إن الإجابة عن هذه التساؤلات لا تهم الفلسطينيين وحدهم، بل تمس جوهر النظام الدولي القائم على حماية الإنسان، أيا كانت هويته.

الحرية لأسرى الحرية..


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)