لا يمكن
قراءة إقرار كنيست الاحتلال لقانون
إعدام الأسرى
الفلسطينيين بمعزل عن السياق
السياسي المأزوم الذي يعيشه الداخل
الإسرائيلي؛ إذ يتبدى هذا القانون، في عمقه،
كأداة توظيف سياسي أكثر منه خيارا أمنيا مدروسا. فحين تضيق الخيارات أمام القيادة،
وتتعاظم الضغوط الداخلية، يصبح التصعيد وسيلة لإعادة ترتيب المشهد، ولو على حساب
تعقيد الصراع.
في قلب
هذه المعادلة، يقف بنيامين
نتنياهو، الذي يواجه واحدة من أكثر لحظاته السياسية
هشاشة؛ أزمات متراكمة، من انقسامات داخلية حادة، إلى تآكل الثقة الشعبية، وصولا
إلى ضغوط قضائية وسياسية، كلها عوامل تدفعه إلى البحث عن مخارج سريعة تعيد تثبيت
موقعه. وهنا، يبرز قانون إعدام الأسرى كرسالة مزدوجة: إلى الداخل، بأنه ما يزال
قادرا على الحسم، وإلى خصومه في اليمين المتطرف، بأنه لا يقل تشددا عنهم.
يبرز قانون إعدام الأسرى كرسالة مزدوجة: إلى الداخل، بأنه ما يزال قادرا على الحسم، وإلى خصومه في اليمين المتطرف، بأنه لا يقل تشددا عنهم
غير أن
هذه الرسالة لا تنفصل عن صعود تيار اليمين المتطرف، الذي يمثله بوضوح إيتمار بن
غفير، حيث يتحول الخطاب السياسي من إدارة الصراع إلى المزايدة في أدواته. فبن غفير
وأمثاله لا يكتفون بالمطالبة بتشديد الإجراءات، بل يسعون إلى إعادة صياغة قواعد
الاشتباك بالكامل، بما يكرس منطق القوة المطلقة. وفي هذا السياق، يجد نتنياهو نفسه
محاصرا بين ضرورة الحفاظ على ائتلافه الحكومي، وبين الخشية من فقدان زمام المبادرة
لصالح شركائه الأكثر تطرفا.
من هنا،
يبدو القانون أشبه بعملية امتصاص للضغط، أو بالأحرى إعادة توجيه له. فبدلا من أن
تنفجر التناقضات داخل الكيان، يتم تصديرها إلى الخارج، عبر تصعيد يستهدف
الفلسطينيين. إنها آلية معروفة في علم السياسة: حين تعجز السلطة عن احتواء أزماتها
الداخلية، تلجأ إلى خلق عدو خارجي أو تضخيمه، لتوحيد الصفوف وإعادة إنتاج الشرعية.
لكن هذه
المقاربة، رغم فعاليتها المؤقتة، تحمل في طياتها بذور تفاقم الأزمة. إذ إن توظيف
ملف الأسرى بهذا الشكل لا يعالج جذور الانقسام، بل يؤجله، وربما يعمقه. فالمجتمع
الإسرائيلي، الذي يعيش حالة استقطاب غير مسبوقة، لن يجد في هذا القانون حلا
لأزماته البنيوية، سواء تعلق الأمر بالخلافات السياسية، أو التوترات الاجتماعية،
أو حتى الإشكالات المرتبطة بهوية الدولة نفسها.
التاريخ القريب يشير إلى أن مثل هذه السياسات غالبا ما تأتي بنتائج عكسية، فبدلا من إخضاع الطرف الآخر، تدفعه إلى مزيد من التصلب، وتفتح الباب أمام دورات جديدة من العنف
إلى جانب
ذلك، فإن المزايدة مع اليمين المتطرف تضع نتنياهو في معادلة خاسرة على المدى
البعيد. فكلما اقترب من خطاب بن غفير فقدَ جزءا من تمايزه السياسي، وتحول من قائد
يمسك بالخيوط، إلى لاعب يلهث خلف شروط شركائه. وهنا، لا يعود القانون تعبيرا عن
قوة القرار، بل عن ضعف الموقع، حيث تفرض التوازنات الهشة خيارات أكثر حدة.
أما على
مستوى الصراع مع الفلسطينيين، فإن هذا التصعيد لا يمكن عزله عن استراتيجية أوسع
تهدف إلى إعادة تعريف قواعد الردع. غير أن التاريخ القريب يشير إلى أن مثل هذه
السياسات غالبا ما تأتي بنتائج عكسية، فبدلا من إخضاع الطرف الآخر، تدفعه إلى مزيد
من التصلب، وتفتح الباب أمام دورات جديدة من العنف.
في
المحصلة، لا يبدو قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين مجرد إجراء أمني، بل انعكاسا
لأزمة سياسية داخلية عميقة، إنه محاولة للهروب إلى الأمام، عبر تصعيد محسوب
ظاهريا، لكنه محفوف بمخاطر استراتيجية. وبين ضغط الشارع، ومطالب اليمين المتطرف،
وتحديات البقاء في السلطة، يجد نتنياهو نفسه أمام معادلة معقدة، قد تنجح في تأجيل
الانفجار، لكنها لا تلغيه. هكذا، يتحول التشريع إلى مرآة للأزمة، لا حلا لها، حيث
يكشف عن نظام سياسي يبحث عن توازنه في حافة الهاوية.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.