ليس
الموت
في جوهره حدثا يوميا، بل هو الاستثناء الذي يمنح
الحياة معناها وحدودها. غير أن أخطر
ما يمكن أن تبلغه المأساة
الإنسانية هو أن يتحول هذا الاستثناء إلى حالة اعتيادية،
وأن يصبح الموت احتمالا تقنيا متكررا، لا بفعل القدر وحده، بل بفعل قرار، أو منع،
أو حصار. هنا لا يعود الموت نهاية، بل يتحول إلى مسار بطيء، إلى زمن ممتد من
التآكل الصامت، حيث يقيم الإنسان في منطقة رمادية بين أن يكون أو لا يكون.
منع
العلاج لا يقتل فقط، بل يعيد تشكيل
الوعي بالموت ذاته. فالمريض الذي ينتظر فرصة
علاج لا يعرف متى تأتي، يعيش حالة برزخية، لا هو حي بالكامل ولا هو ميت تماما، إنه
معلق في زمن مؤجل، زمن لا يقاس بالساعات، بل بنبضات الخوف، وبمواعيد لا تأتي،
وبأبواب مغلقة. هذا التعليق المستمر يخلق شكلا جديدا من المعاناة، ليس جسديا فقط،
بل وجوديا أيضا. إذ يصبح السؤال اليومي: هل سأموت اليوم أم غدا؟ سؤالا عاديا،
متكررا، بلا رهبة أولى، بلا صدمة، وكأن الوعي نفسه قد استسلم لفكرة الفناء
التدريجي.
يصبح السؤال اليومي: هل سأموت اليوم أم غدا؟ سؤالا عاديا، متكررا، بلا رهبة أولى، بلا صدمة، وكأن الوعي نفسه قد استسلم لفكرة الفناء التدريجي
في هذه
الحالة، يتعرض الإنسان لعملية تفكيك صامتة؛ لا يموت دفعة واحدة، بل يتآكل ببطء،
جسدا وروحا، ومع مرور الوقت تتبلد المشاعر؛ ليس لأن الألم اختفى، بل لأن كثافته
بلغت حدا لا يمكن احتماله، فاختار العقل أن يحمي نفسه عبر التبلد. وهنا تكمن
المفارقة القاسية: التبلد ليس شفاء، بل هو عرَض من أعراض الصدمة، إنه إعلان غير
مباشر عن أن النفس بلغت اقصى حدودها، فقررت أن تنسحب جزئيا من التجربة.
لكن هذا
التبلد لا يعني غياب الأم، بل يعني تحوله إلى شكل أكثر عمقا وتعقيدا، إنه ما يمكن
تسميته بالصدمات النفسية المركبة، حيث لا يكون الحدث الصادم واحدا ومحددا، بل
سلسلة مستمرة من التهديدات والانتظارات والخسارات المؤجلة. في هذه الحالة، يفقد
الزمن معناه التقليدي؛ لا يعود الماضي ماضيا، ولا الحاضر حاضرا، ولا المستقبل
مستقبلا. كل شيء يندمج في كتلة واحدة من القلق والترقب، حيث يعيش الإنسان في حالة
استنفار دائم، حتى وهو ساكن.
ومن هنا،
فإن منْع العلاج لا يمكن فهمه فقط كفعل حرمان طبي، بل كفعل إعادة هندسة للوجود الإنساني.
إنه يعيد تعريف العلاقة بين الحياة والموت، بين الأمل واليأس، بين الجسد والسلطة، إذ
يصبح الجسد ساحة صراع، ليس مع المرض فقط، بل مع شروط النجاة ذاتها. ويصبح العلاج،
الذي يفترض أن يكون حقا بديهيا، امتيازا مؤجلا، أو فرصة نادرة، أو حتى وهْما.
في هذا
السياق، يتغير معنى الانتظار؛ لم يعد الانتظار أملا، بل صار شكلا من أشكال التعذيب
الهادئ. الانتظار هنا ليس عبورا نحو حل، بل إقامة داخل المأزق، إنه انتظار بلا أفق
واضح، بلا ضمان، بلا نهاية محددة. وهذا ما يجعله أكثر قسوة من الحدث ذاته. فالموت،
رغم فداحته، لحظة حاسمة، أما الانتظار فهو امتداد لا نهائي لتلك اللحظة، دون حسم،
دون خلاص.
يحدث ما يمكن تسميته بتطبيع الموت، حيث يفقد المجتمع قدرته على الغضب، أو على الدهشة، أو حتى على الحداد الكامل. يصبح الحزن مقتضبا ومختصرا، لأن المساحة النفسية لم تعد تتسع لكل هذا الفقد
والأخطر
من ذلك، أن هذا الواقع لا يؤثر فقط على الأفراد، بل يعيد تشكيل الوعي الجمعي. حين
يرى الناس الموت يتكرر، ويتحول إلى مشهد يومي، فإن الحساسية تجاهه تتآكل. لا يعود
الموت صدمة جماعية، بل خبرا عاديا، رقما يضاف إلى قائمة طويلة. وهنا يحدث ما يمكن
تسميته بتطبيع الموت، حيث يفقد المجتمع قدرته على الغضب، أو على الدهشة، أو حتى
على الحداد الكامل. يصبح الحزن مقتضبا ومختصرا، لأن المساحة النفسية لم تعد تتسع
لكل هذا الفقد.
غير أن هذا
التطبيع ليس قدرا حتميا، بل نتيجة شروط قاهرة، وهو يحمل في داخله خطرا مضاعفا: إنه
لا يقتل فقط الأجساد، بل يهدد المعنى ذاته، إذ ما قيمة الحياة إذا كان الموت محيطا
بها بهذا الشكل؟ وما قيمة الأمل إذا كان مؤجلا إلى أجل غير معلوم؟ هنا يصبح التحدي
الحقيقي ليس فقط في إنقاذ الأرواح، بل في استعادة المعنى، في كسر هذا الاعتياد
القاتل، في إعادة الموت إلى موقعه الطبيعي كاستثناء، لا كقاعدة.
إن منع
العلاج، في جوهره، ليس فقط سياسة أو إجراء، بل هو اختبار قاس لحدود الإنسانية. إنه
يكشف كيف يمكن للسلطة أن تتدخل حتى في أدق تفاصيل الوجود، في الحق في التنفس، في
الحق في الشفاء، في الحق في الأمل. وفي مواجهة ذلك، لا يكفي توصيف المأساة، بل لا
بد من تفكيكها، من فضح آلياتها، ومن استعادة الحساسية الأولى تجاه الموت، باعتباره
ما يجب أن يبقى دائما: نهاية نادرة، لا احتمال يومي تقني.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.